الــفــــــــــــــــــــــــalfrid 1ـــــــــــريــــد
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم،
أخي الزائر

ربما تكون هذه هي زيارتك الأولى لمنتدانا


فالمنتدى غير أي منتدى


نُقدر دائماً مشاركتك معنا بعد تسجيل عضويتك


ومن الممكن أن تكون أحد ( أسرة الفـريد1 )

الــفــــــــــــــــــــــــalfrid 1ـــــــــــريــــد

منتدى اسلامى مصرى عربى يحترم جميع الدينات السماويه والعقائد ويدعو للعلم والمعرفه والتواصل والترابط العربى
 
الرئيسيةدخولالبوابةس .و .جمكتبة الصوربحـثالأعضاءالتسجيل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» كتاب عن محاسبة التكاليف للمحاسبين
الثلاثاء مايو 12, 2015 7:15 pm من طرف koukoure

» تحميل كتاب كفاحي .آدولف هتلر
الجمعة مايو 09, 2014 7:25 pm من طرف samo

»  كتاب ممتع عن نظم الأعداد والبوابات المنطقية, وخاصة لطلبة plc
الإثنين يونيو 10, 2013 8:20 pm من طرف الحكمة

» لتركيب أغنيه على صور- برنامج تركيب الصور على الاغانى
الثلاثاء مارس 12, 2013 12:49 am من طرف alaa

»  ثمانية كتب تؤهلك لتصبح محترف تمديد شبكات حاسب و بالعربي %100
الثلاثاء مارس 12, 2013 12:36 am من طرف alaa

» اسرار لوحة مفاتيح جهاز كمبيوتر
الثلاثاء مارس 12, 2013 12:32 am من طرف alaa

» كتاب تصميم قواعد البيانات Pl-sql
الأربعاء يوليو 25, 2012 11:19 am من طرف adel sulami

» كتاب حكايات الف ليلة وليلة كاملة
السبت يونيو 16, 2012 10:52 pm من طرف mouna love

» صفوة التفاسير (محمد علي الصابوني) بصيغة Exe (تفسير مبسط جمع الكثير من التفاسير الأخرى
الإثنين مايو 07, 2012 10:24 am من طرف naceromar

» الفساد الاقتصادي أنواعه
الخميس مايو 03, 2012 7:01 am من طرف انور المرسى

منتدى
 
 
 
 

أسرة منتدى الفريد1 تحت شعار وطن واحد قلب واحد

تتقدم بخالص الأسى والحزن لما الت اليه مصر

والشعب المصرى من فوضى وخراب ودمار لكل مصر والمصرين

بأسم الاصلاح والتغير

والتغرير بشباب مصر من جهات مختلفة داخليه وخارجيه

كل همها زعزعة امن واستقرار مصر والتسلق للسلطة

اننا مصريون احرار نسعى بكل حب للتغير والاستقرار

ولكن بدون ارقاة دماء او خراب اقتصادى نحن فقط من سيتحملة

هذة مصرنا وطننا وامل ابنائنا

فلا تدعو المغرضين ينالون منا ومن امننا

دعونا نتكاتف من اجل البقاء والبناء

لا من اجل مبارك او جمال او علاء

بل من اجل رفعة مصر والارتقاء

لالالالالالالالالالالالالالالالا

لا للتخريب

لا لقلب نظام الحكم

لا للحقدين

لاللبردعى والعملاء المنشقين

لا للاخوان والسنين فجميعنااااااااا

مصرين

التبادل الاعلاني

منتدى الفـــــــــــريـد يرحب بكم دائما ويتمنى لكم كل المتعه والفائده ويرحب بالاراءالبناءة لتطوير المنتدى واثرائه بأكبر كم من المعلومات النافعه فى كافة المجالات مع تحياتى للجميع



دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 24 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 24 زائر :: 2 عناكب الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 119 بتاريخ الإثنين أغسطس 07, 2017 6:50 am
منتدى
 
 
 
 

أسرة منتدى الفريد1 تحت شعار وطن واحد قلب واحد

تتقدم بخالص الأسى والحزن لما الت اليه مصر

والشعب المصرى من فوضى وخراب ودمار لكل مصر والمصرين

بأسم الاصلاح والتغير

والتغرير بشباب مصر من جهات مختلفة داخليه وخارجيه

كل همها زعزعة امن واستقرار مصر والتسلق للسلطة

اننا مصريون احرار نسعى بكل حب للتغير والاستقرار

ولكن بدون ارقاة دماء او خراب اقتصادى نحن فقط من سيتحملة

هذة مصرنا وطننا وامل ابنائنا

فلا تدعو المغرضين ينالون منا ومن امننا

دعونا نتكاتف من اجل البقاء والبناء

لا من اجل مبارك او جمال او علاء

بل من اجل رفعة مصر والارتقاء

لالالالالالالالالالالالالالالالا

لا للتخريب

لا لقلب نظام الحكم

لا للحقدين

لاللبردعى والعملاء المنشقين

لا للاخوان والسنين فجميعنااااااااا

مصرين

منتدى
 
 
 
 

أسرة منتدى الفريد1 تحت شعار وطن واحد قلب واحد

تتقدم بخالص الأسى والحزن لما الت اليه مصر

والشعب المصرى من فوضى وخراب ودمار لكل مصر والمصرين

بأسم الاصلاح والتغير

والتغرير بشباب مصر من جهات مختلفة داخليه وخارجيه

كل همها زعزعة امن واستقرار مصر والتسلق للسلطة

اننا مصريون احرار نسعى بكل حب للتغير والاستقرار

ولكن بدون ارقاة دماء او خراب اقتصادى نحن فقط من سيتحملة

هذة مصرنا وطننا وامل ابنائنا

فلا تدعو المغرضين ينالون منا ومن امننا

دعونا نتكاتف من اجل البقاء والبناء

لا من اجل مبارك او جمال او علاء

بل من اجل رفعة مصر والارتقاء

لالالالالالالالالالالالالالالالا

لا للتخريب

لا لقلب نظام الحكم

لا للحقدين

لاللبردعى والعملاء المنشقين

لا للاخوان والسنين فجميعنااااااااا

مصرين

التبادل الاعلاني

منتدى الفـــــــــــريـد يرحب بكم دائما ويتمنى لكم كل المتعه والفائده ويرحب بالاراءالبناءة لتطوير المنتدى واثرائه بأكبر كم من المعلومات النافعه فى كافة المجالات مع تحياتى للجميع



منتدى
 
 
 
 

أسرة منتدى الفريد1 تحت شعار وطن واحد قلب واحد

تتقدم بخالص الأسى والحزن لما الت اليه مصر

والشعب المصرى من فوضى وخراب ودمار لكل مصر والمصرين

بأسم الاصلاح والتغير

والتغرير بشباب مصر من جهات مختلفة داخليه وخارجيه

كل همها زعزعة امن واستقرار مصر والتسلق للسلطة

اننا مصريون احرار نسعى بكل حب للتغير والاستقرار

ولكن بدون ارقاة دماء او خراب اقتصادى نحن فقط من سيتحملة

هذة مصرنا وطننا وامل ابنائنا

فلا تدعو المغرضين ينالون منا ومن امننا

دعونا نتكاتف من اجل البقاء والبناء

لا من اجل مبارك او جمال او علاء

بل من اجل رفعة مصر والارتقاء

لالالالالالالالالالالالالالالالا

لا للتخريب

لا لقلب نظام الحكم

لا للحقدين

لاللبردعى والعملاء المنشقين

لا للاخوان والسنين فجميعنااااااااا

مصرين

اهداء

 

مــصــر

مصر3حروف بكل الحروف

كانت الأم والحضن الدافى والأمان مالخوف

وفجاءة وفى لمح البصر تمنا وصحينا على كابوس

دمار وخراب وسلب ونهب ومستقبل مش معروف

غلبنا الهمج مع التتار فى جبروت الدمار

وبحجة تغير النظام غلبنا البراكين والأعصار

والكارثه بيقولووووووووووووو

مصرين احراااار!!!!!!!!!!!!!

f ابوزيد

من بورسعيد

نوفمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  
اليوميةاليومية

شاطر | 
 

 اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:34 am

آثار البلاد وأخبار العباد
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب
العز لك والجلال لكبريائك والعظمة لثنائك والدوام لبقائك يا قديم الذات ومفيض الخيرات‏.‏
أنت الأول لا شيء قبلك وأنت الآخر لا شيء بعدك وأنت الفرد لا شريك لك‏.‏
يا واهب العقول وجاعل النور والظلمات منك الابتداء وإليك الانتهاء وبقدرتك تكونت الأشياء وبإرادتك قامت الأرض والسموات أفض علينا أنوار معرفتك وطهر نفوسنا عن كدورات معصيتك وألهمنا موجبات رحمتك ومغفرتك ووفقنا لما تحب وترضى من الخيرات والسعادات وصل على ذوي الأنفس الطاهرات والمعجزات الباهرات خصوصاً على سيد المرسلين وإمام المتقين وقايد الغر المحجلين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم أفضل الصلوات وعلى آله وأصحابه الطيبين والطيبات وعلى الذين اتبعوهم بإحسان من أهل السنة والجماعات‏.‏
يقول العبد زكرياء بن محمد بن محمود القزويني تولاه الله بفضله بعد حمد الله حمداً يرضيه ويوجب مزيد فضله وأياديه‏:‏ إني قد جمعت في هذا الكتاب ما وقع لي وعرفته وسمعت به وشاهدته من لطايف صنع الله تعالى وعجايب حكمته المودعة في بلاده وعباده ويأمر بالإحسان والبرّ والتّقى وينهى عن الطّغيان والشرّ والأذى ومن انتفع بكتابي هذا وذكرني بالخير جعله الله من الأبرار ورفع درجاته في عقبى الدار‏.‏
وأسأل الله تعالى العفو عما طغى به القلم أو هم أو سها بذلك أو لم إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير‏.‏
ولنقدم على المقصود مقدمات لا بد منها لحصول تمام الغرض والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب‏.‏
المقدمة الاولى
في الحاجة الداعية إلى إحداث المدن والقرى
اعلم أن الله تعالى خلق الإنسان على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده كساير الحيوانات بل يضطر إلى الاجتماع بغيره حتى يحصل الهيئة الاجتماعية التي يتوقف عليها المطعم والملبس فإنهما موقوفان على مقدمات كثيرة لا يمكن لكل واحد القيام بجميعها وحده‏.‏
فإن الشخص الواحد كيف يتولى الحراثة فإنها موقوفة على آلاتها وآلاتها تحتاج إلى النجار والنجار يحتاج إلى الحداد وكيف يقوم بأمر الملبوس وهو موقوف على الحراثة والحلج والندف والغزل والنسج وتهيئة آلاتها فاقتضت الحكمة الإلهية الهيئة الاجتماعية وألهم كل واحد منهم القيام بأمر من تلك المقدمات حتى ينتفع بعضهم ببعض فترى الخباز يخبز الخبز والعجان يعجنه والطحان يطحنه والحراث يحرثه والنجار يصلح آلات الحراث والحداد يصلح آلات النجار وهكذا الصناعات بعضها موقوفة على البعض‏.‏
وعند حصول كلها يتم الهيئة الاجتماعية ومتى فقد شيء من ذلك فقد اختلت الهيئة الاجتماعية كالبدن إذا فقد بعض أعضائه فيتوقف نظام معيشة الإنسان‏.‏
ثم عند حصول الهيئة الاجتماعية لو اجتمعوا في صحراء لتأذوا بالحر والبرد والمطر والريح ولو تستروا بالخيام والخرقاهات لم يأمنوا مكر اللصوص والعدو ولو اقتصروا على الحيطان والأبواب كما ترى في القرى التي لا سور لها لم يأمنوا صولة ذي البأس فألهمهم الله تعالى اتخاذ السور والخندق والفصيل فحدثت المدن والأمصار والقرى والديار‏.‏
ثم إن الملوك الماضية لما أرادوا بناء المدن أخذوا آراء الحكماء في ذلك فالحكماء اختاروا أفضل ناحية في البلاد وأفضل مكان في الناحية وأعلى منزل في المكان من السواحل والجبال ومهب الشمال لأنها تفيد صحة أبدان أهلها وحسن أمزجتها واحترزوا من الآجام والجزائر وأعماق الأرض فإنها تورث كرباً وهرماً‏.‏
واتخذوا للمدن سوراً حصيناً مانعاً وللسور أبواباً عدة حتى لا يتزاحم الناس بالدخول والخروج بل يدخل ويخرج من أقرب باب إليه‏.‏
واتخذوا لها قهندزاً لمكان ملك المدينة والنادي لاجتماع الناس فيه وفي البلاد الإسلامية المساجد والجوامع والأسواق والخانات والحمامات ومراكض الخيل ومعاطن الإبل ومرابض الغنم وتركوا بقية مساكنها لدور السكان فأكثر ما بناها الملوك العظماء على هذه الهيئة فترى أهلها موصوفين بالأمزجة الصحيحة والصور الحسنة والأخلاق الطيبة وأصحاب الآراء الصالحة والعقول الوافرة واعتبر ذلك بمن مسكنه لا يكون كذلك مثل الديالم والجيل والأكراد والتركمان وسكان البحر في تشويش طباعهم وركاكة عقولهم واختلاف صورهم‏.‏
ثم اختصت كل مدينة لاختلاف تربتها وهوائها بخاصية عجيبة وأوجد الحكماء فيها طلسمات غريبة ونشأ بها صنف من المعادن والنبات والحيوان لم يوجد في غيرها وأحدث بها أهلها عمارات عجيبة ونشأ بها أناس فاقوا أمثالهم في العلوم والأخلاق والصناعات فلنذكر ما وصل إلينا من خاصية بقعة بقعة إن شاء الله تعالى‏.‏
المقدمة الثانية
في خواص البلاد
الفصل الأول
في تأثير البلاد في سكانها
قالت الحكماء‏:‏ إن الأرض شرق وغرب وجنوب وشمال فما تناهى في التشريق وتحج منه نور المطلع فهو مكروه لفرط حرارته وشدة إحراقه فإن الحيوان يحترق بها والنبات لا ينبت وما تناهى في التغريب أيضاً مكروه لموازاته التشريق في المعنى الذي ذكرناه وما تناهى في الشمال أيضاً مكروه لما فيه من البرد الشديد الذي لا يعيش الحيوان معه وما تناهى في الجنوب أيضاً كذلك لفرط الحرارة فإنها أرض محترقة لدوام مسامتة الشمس إياها‏.‏
فالذي يصلح للسكنى من الأرض قدر يسير هو أوساط الإقليم الثالث والرابع والخامس وما سوى ذلك فأهلها معذبون والعذاب عادة لهم وقالوا أيضاً‏:‏ المساكن الحارة موسعة للمسام مرخية للقوى مضعفة للحرارة العريزية محللة للروح فتكون أبدان سكانها متخلخلة ضعيفة وقلوبهم خائفة وقواهم ضعيفة لضعف هضمهم‏.‏
وأما المساكن الباردة فإنها مصلبة للبدن مسددة للمسام مقوية للحرارة العزيزية فتكون أبدان سكانها صلبة وفيهم الشجاعة وجودة القوى والهضم الجيد‏.‏
فإن استيلاء البرد على ظاهر وأما المساكن الرطبة فلا يسخن هواؤهم شديداً ولا يبرد شتاؤهم قوياً وسكانها موصوفون بالسحنة الجيدة ولين الجلود وسرعة قبول الكيفيات والاسترخاء في الرياضات وكلال القوى‏.‏
وأما المساكن اليابسة فتسدد المسام وتورث القشف والنحول ويكون صيفها حاراً وشتاؤها بارداً وأدمغة أهلها يابسة لكن قواهم حادة‏.‏
وأما المساكن الحجرية فهواؤها في الصيف حار وفي الشتاء بارد وأبدان أهلها صلبة وعندهم سوء الخلق والتكبر والاستبداد في الأمور والشجاعة في الحروب‏.‏
وأما المساكن الآجامية والبحرية فهي في حكم المساكن الرطبة وأنزل حالاً وقد جرى ذكر المساكن الرطبة‏.‏
الفصل الثاني
في تأثير البلاد في المعادن والنبات والحيوان
أما المعادن فالذهب لا يتكون إلا في البراري الرملة والجبال الرخوة والفضة والنحاس والرصاص والحديد لا يتكون إلا في الأحجار المختلطة بالتراب اللين والكبريت لا يتكون إلا في الأراضي النارية والزيبق لا يتكون إلا في الأراضي المائية والأملاح لا تنعقد إلا في الأراضي السبخة والشبوب والزاجات لا تتكون إلا في التراب العفص والقار والنفط لا يتكون إلا في الأراضي الدهنة أما تولد الأحجار التي لها خواص فلا يعلم معادنها وسببها إلا الله تعالى‏.‏
وأما النبات فإن النخل والموز لا ينبتان إلا بالبلاد الحارة وكذلك الأترج والنارنج والرمان والليمون وأما الجوز واللوز والفستق فلا ينبت إلا بالبلاد الباردة والقصب على شطوط الأنهار وكذا الدلب والمغيلان بالأراضي الصلبة والبراري القفار والقرنفل لا ينبت إلا بجزيرة بأرض الهند والنارجيل والفلفل والزنجبيل لا ينبت إلا بالهند وكذلك الساج والآبنوس والورس لا ينبت إلا باليمن والزعفران بأرض الجبال بروذراورد وقصب الذريرة بأرض نهاوند والترنجبين يقع على شوك بخراسان‏.‏
وأما الحيوان فإن الفيل لا يتولد إلا في جزائر البحار الجنوبية وعمرها بأرض الهند أطول من عمرها بغير أرض الهند وأنيابها لا تعظم مثل ما تعظم بأرضها والزرافة لا تتولد إلا بأرض الحبشة والجاموس لا يتولد إلا بالبلاد الحارة قرب المياه ولا يعيش بالبلاد الباردة وعير العانة ليس له سفاد في غير بلاده كما يكون ذلك في بلاده ويحتاج أن يؤخذ من حافره ولا كذلك في بلاده والسنجاب والسمور وغزال المسك لا يتولد إلا في البلاد الشرقية الشمالية والصقر والبازي والعقاب لا يتفرخ إلا على رؤوس الجبال الشامخة والنعامة والقطا لا يفرخان إلا في الفلوات والبطوط وطيور الماء لا تفرخ إلا في شطوط الأنهار والبطائح والآجام والفواخت والعصافير لا تفرخ إلا في العمارات والبلابل والقنابر لا تفرخ إلا في البساتين والحجل لا يفرخ إلا في الجبال هذا هو الغالب فإن وقع شيء على خلاف ذلك فهو نادر‏.‏
والله الموفق للصواب‏.‏
المقدمة الثالثة في أقاليم الأرض
قال أبو الريحان الخوارزمي‏:‏ إذا فرضنا أن دائرة معدل النهار تقطع كرة الأرض بنصفين‏:‏ يسمى أحد النصفين جنوباً والآخر شمالاً‏.‏
وإذا فرضنا دائرة تعبر عن قطبي معدل النهار وتقطع الأرض صارت كرة الأرض أربعة أرباع‏:‏ ربعان جنوبيان وربعان شماليان فالربع الشمالي المكشوف يسمى ربعاً مسكوناً والربع المسكون مشتمل على البحار والجزائر والأنهار والجبال والمفاوز والبلدان والقرى على أن ما بقي منها تحت قطب الشمال قطعة غير مسكونة من افراط البرد وتراكم الثلوج وهذا الربع المسكون قسموه سبعة أقسام كل قسم يسمى إقليماً كأنه بساط مفروش من الشرق إلى الغرب طولاً ومن الجنوب إلى الشمال عرضاً وإنها مختلفة الطول والعرض فأطولها وأعرضها الإقليم الأول فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثلاثة آلاف فرسخ وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من مائة وخمسين فرسخاً وأقصرها طولاً وعرضاً الإقليم السابع فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ألف وخمسمائة فرسخ وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من خمسين فرسخاً‏.‏
وأما سائر الأقاليم فمختلف طولها وعرضها وعلى الصفحة المقابلة صورة كرة الأرض بأقاليمها‏.‏
وهذه القسمة ليست قسمة طبيعية لكنها خطوط وهمية وضعها الأولون الذين طافوا بالربع المسكون من الأرض ليعلموا بها حدود الممالك والمسالك مثل افريدون النبطي واسكندر الرومي واردشير الفارسي وإذا جاوزوا الأقاليم السبعة فمنعهم من سلوكها البحار الزاخرة والجبال الشامخة والأهوية المفرطة التغير في الحرب والبرد والظلمة في ناحية الشمال تحت مدار بنات النعش فإن البرد هناك مفرط جداً لأن ستة أشهر هناك شتاء وليل فيظلم الهواء ظلمة شديدة ويجمد الماء لشدة البرد فلا حيوان هناك ولا نبات‏.‏
وفي مقابلتها من ناحية الجنوب تحت مدار سهيل يكون ستة أشهر صيفاً نهاراً كله فيحمى الهواء ويصير ناراً سموماً يحرق كل شي فلا نبات ولا حيوان هناك‏.‏
وأما جانب المغرب فيمنع البحر المحيط السلوك فيه لتلاطم الأمواج‏.‏
وأما جانب المشرق فيمنع البحر والجبال الشامخة فإذا تأملت وجدت الناس محصورين في الأقاليم السبعة وليس لهم علم بحال بقية الأرض‏.‏
فلنذكر ما وصل إلينا بقعة بقعة في إقليم إقليم مرتبة على حروف المعجم والله الموفق للسداد والهادي إلى سواء الصراط‏.‏
الاقليم الاول
فجنوبيه ما يلي بلاد الزنج والنوبة والحبشة وشماليه الإقليم الثاني وأوله حيث يكون الظل نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدماً واحدة ونصفاً وعشراً وسدس عشر قدم وآخره حيث يكون ظل الاستواء فيه نصف النهار قدمين وثلاثة أخماس قدم‏.‏
وقد يبتديء من أقصى المشرق من بلاد الصين ويمر على ما يلي الجنوب من الصين جزيرة سرنديب وعلى سواحل البحر في جنوب الهند ويقطع البحر إلى جزيرة العرب ويقطع بحر قلزم إلى بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر وأرض اليمن إلى بحر المغرب فوقع في وسطه من أرض صنعاء وحضرموت ووقع طرفه الذي يلي الجنوب أرض عدن ووقع في طرفه الذي يلي الشمال بتهامة قريباً من مكة‏.‏
ويكون أطول نهار هؤلاء اثنتي عشرة ساعة ونصف الساعة في ابتدائه وفي وسطه ثلاث عشرة ساعة وفي آخره ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة‏.‏
وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف ميل وسبعمائة واثنان وسبعون ميلاً وإحدى وأربعون دقيقة وعرضه أربعمائة ميل واثنان وأربعون ميلاً واثنتان وعشرون دقيقة وأربعون ثانية ومساحته مكسراً أربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف وعشرون ألف ميل وثمانمائة وسبعة وسبعون ميلاً وإحدى وعشرون دقيقة إرم ذات العماد بين صنعاء وحضرموت من بناء شداد بن عاد روي أن شداد بن عاد كان جباراً من الجبابرة لما سمع بالجنة وما وعد الله فيها أولياءه من قصور الذهب والفضة والمساكن التي تجري من تحتها الأنهار والغرف التي فوقها غرف قال‏:‏ إني متخذ في الأرض مدينة على صفة الجنة فوكل بذلك مائة رجل من وكلائه تحت يد كل وكيل ألف من الأعوان وأمرهم أن يطلبوا أفضل فلاة من أرض اليمن ويختاروا أطيبها تربة‏.‏
ومكنهم من الأموال ومثل لهم كيفية بنائها وكتب إلى عماله في سائر البلدان أن يجمعوا جميع ما في بلادهم من الذهب والفضة والجواهر فجمعوا منها صبراً مثل الجبال فأمر باتخاذ اللبن من الذهب والفضة وبنى المدينة بها وأمر أن يفضض حيطانها بجواهر الدر والياقوت والزبرجد وجعل فيها غرفاً فوقها غرف أساطينها من الزبرجد والجزع والياقوت‏.‏
ثم أجرى إليها نهراً ساقه إليها من أربعين فرسخاً تحت الأرض فظهر في المدينة فأجرى من ذلك النهر سواقي في السكك والشوارع وأمر بحافتي النهر والسواقي فطليت بالذهب الأحمر وجعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر والأصفر والأخضر ونصب على حافتي النهر والسواقي أشجاراً من الذهب وجعل ثمارها من الجواهر واليواقيت‏.‏وجعل طول المدينة اثني عشر فرسخاً وعرضها مثل ذلك وصير سورها عالياً مشرفاً وبنى فيها ثلاثمائة ألف قصر مفضضاً بواطنها وظواهرها بأصناف الجواهر‏.‏
ثم بنى لنفسه على شاطيء ذلك النهر قصراً منيفاً عالياً يشرف على تلك القصور كلها وجعل بابه يشرع إلى واد رحيب ونصب عليه مصراعين من ذهب مفضض بأنواع اليواقيت‏.‏
وجعل ارتفاع البيوت والسور ثلاثمائة ذراع‏.‏
وجعل تراب المدينة من المسك والزعفران‏.‏
وجعل خارج المدينة مائة ألف منظرة أيضاً من الذهب والفضة لينزلها جنوده‏.‏
ومكث في بنائها خمسمائة عام فبعث الله تعالى إليه هوداً النبي عليه السلام فدعاه إلى الله تعالى فتمادى في الكفر والطغيان‏.‏
وكان إذ ذاك تم ملكه سبعمائة سنة فأنذره هود بعذاب الله تعالى وخوفه بزوال ملكه فلم يرتدع عما كان عليه‏.‏
وعند ذلك وافاه الموكلون ببناء المدينة وأخبروه بالفراغ منها فعزم على الخروج إليها في جنوده وخرج في ثلاثمائة ألف رجل من أهل بيته وخلف على ملكه مرثد بن شداد ابنه وكان مرثد فيما يقال مؤمناً بهود عليه السلام‏.‏
فلما انتهى شداد إلى قرب المدينة بمرحلة جاءت صيحة من السماء فمات هو وأصحابه وجميع من كان في أمر المدينة من القهارمة والصناع والفعلة وبقيت لا أنيس بها فأخفاها الله لم يدخلها بعد ذلك إلا رجل واحد في أيام معاوية يقال له عبد الله بن قلابة فإنه ذكر في قصة طويلة ملخصها أنه خرج من صنعاء في طلب إبل ضلت فأفضى به السير إلى مدينة صفتها ما ذكرنا فأخذ منها شيئاً من المسك والكافور وشيئاً من الياقوت وقصد الشام وأخبر معاوية بالمدينة وعرض عليه ما أخذه من الجواهر وكانت قد تغير بطول الزمان‏.‏
فأحضر معاوية كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال‏:‏ هذا إرم ذات العماد التي ذكرها الله تعالى في كتابه بناها شداد بن عاد لا سبيل إلى دخولها ولا يدخلها إلا رجل واحد صفته كذا وكذا‏.‏
وكانت تلك الصفة صفة عبد الله ابن قلابة فقال له معاوية‏:‏ أما أنت يا عبد الله فأحسنت النصح ولكن لا سبيل لها‏.‏
وأمر له بجائزة‏.‏
وحكي أنهم عرفوا قبر شداد بن عاد بحضرموت وذلك أنهم وقعوا في حفيرة وهي بيت في جبل منقورة مائة ذراع في أربعين ذراعاً وفي صدره سرير عظيم من ذهب عليه رجل عظيم الجسم وعند رأسه لوح فيه مكتوب‏:‏ اعتبر يا أيّها المغرور بالعمر المديد أنا شدّاد بن عادٍ صاحب القصر المشيد وأخو القوّة والبأساء والملك الحسيد فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرّشيد فعصيناه ونادينا‏:‏ ألا هل من محيد فأتتنا صيحةٌ تهوي من الأفق البعيد فشوينا مثل زرعٍ وسط بيداءٍ حصيد والله الموفق للصواب‏.‏
البجة بلاد متصلة بأعلى عيذاب في غرب منه أهلها صنف من الحبش بها معادن الزمرذ يحمل منها إلى سائر الدنيا ومعادنه في جبال هناك وزمرذها أحسن أصناف الزمرذ الأخضر السلقي الكثير المائية يسقى المسموم منه فيبرأ وإذا نظرت الأفعى إلي سالت حدقتها‏.‏
بكيل مخلاف باليمن قال عمارة في تاريخه‏:‏ بهذا المخلاف نوع من الشجر لأقوام معينين في أرض لهم وهم يشحون به ويحفظونه من غيرهم مثل شجر البلسان بأرض مصر وليس ذلك الشجر إلا لهم يأخذون منه سماً يقتل به الملوك وذكر أن ملوك بني نجاح ووزراءهم أكثرهم قتلوا بهذا بلاد التبر هي بلاد السودان في جنوب المغرب قال ابن الفقيه‏:‏ هذه البلاد حرها شديد جداً‏.‏
أهلها بالنهار يكونون في السراديب تحت الأرض والذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا وأهلها يخرجون عند بزوغ الشمس ويقطفون الذهب وطعامهم الذرة واللوبيا ولباسهم جلود الحيوانات وأكثر ملبوسهم جلد النمر والنمر عندهم كثير‏.‏
ومن سجلماسة إلى هذه البلاد ثلاثة أشهر والتجار من سجلماسة يمشون إليها بتعب شديد وبضايعهم الملح وخشب الصنوبر وخشب الأرز وخرز الزجاج والاسورة والخواتيم منه والحلق النحاسية‏.‏
وعبورهم على براري معطشة فيها سمايم بماء فاسد لا يشبه الماء إلا في الميعان والسمايم تنشف المياه في الأسقية فلا يبقى الماء معهم إلا أياماً قلائل‏.‏
فيحتالون بأن يستصحبوا معهم جمالاً فارغة من الأحمال ويعطشونها قبل ورودهم الماء الذي يدخلون منه في تلك البراري ثم أوردوها على الماء نهلاً وعللاً حتى تمتلي أجوافها ويشدون أفواهها كي لا تجتر فتبقى الرطوبة في أجوافها فإذا نشف ما في أسقيتهم واحتاجوا إلى الماء نحروا جملاً جملاً وترمقوا بما في وهكذا ساروا بعناء شديد حتى قدموا الموضع الذي يحجز بينهم وبين أصحاب التبر فعند ذلك ضربوا طبولاً ليعلم القوم وصول القفل‏.‏
يقال‏:‏ انهم في مكان وأسراب من الحر وعراة كالبهائم لا يعرفون الستر‏.‏
وقيل‏:‏ يلبسون شيئاً من جلود الحيوان فإذا علم التجار أنهم سمعوا صوت الطبل أخرجوا ما معهم من البضائع المذكورة فوضع كل تاجر بضاعته في جهة منفردة عن الأخرى وذهبوا وعادوا مرحلة فيأتي السودان بالتبر ووضعوا بجنب كل متاع شيئاً من التبر وانصرفوا‏.‏
ثم يأتي التجار بعدهم فيأخذ كل واحد ما وجد بجنب بضاعته من التبر ويترك البضاعة وضربوا بالطبول وانصرفوا ولا يذكر أحد من هؤلاء التجار أنه رأى أحداً منهم‏.‏
بلاد الحبشة هي أرض واسعة شمالها الخليج البربري وجنوبها البر وشرقها الزنج وغربها البجة‏.‏
الحر بها شديد جداً وسواد لونهم لشدة الاحتراق وأكثر أهلها نصارى يعاقبة والمسلمون بها قليل‏.‏
وهم من أكثر الناس عدداً وأطولهم أرضاً لكن بلادهم قليلة وأكثر أرضهم صحارى لعدم الماء وقلة الأمطار وطعامهم الحنطة والدخن وعندهم الموز والعنب والرمان ولباسهم الجلود والقطن‏.‏ومن الحيوانات العجيبة عندهم‏:‏ الفيل والزرافة‏.‏
ومركوبهم البقر يركبونها بالسرج واللجام مقام الخيل وعندهم من الفيلة الوحشية كثير وهم يصطادونها‏.‏
فأما الزرافة فإنها تتولد عندهم من الناقة الحبشية والضبعان وبقر الوحش يقال لها بالفارسية اشتركاوبلنك رأسها كرأس الإبل وقرنها كقرن البقر وأسنانها كأسنانه وجلدها كجلد النمر وقوائمها كقوائم البعير وأظلافها كأظلاف البقر وذنبها كذنب الظباء ورقبتها طويلة جداً ويداها طويلتان ورجلاها قصيرتان‏.‏
وحكى طيماث الحكيم أنه بجانب الجنوب قرب خط الاستواء في الصيف تجتمع حيوانات مختلفة الأنواع على مصانع الماء من شدة العطش والحر فيسفد نوع غير نوعه فتولد حيوانات غريبة مثل الزرافة فإنها من الناقة الحبشية والبقرة الوحشية والضبعان وذلك أن الضبعان يسفد الناقة الحبشية فتأتي بولد عجيب من الضبعان والناقة فإن كان ذلك الولد ذكراً ويسفد البقرة الوحشية أتت بالزرافة‏.‏
ولهم ملك مطاع يقال له أبرهة بن الصباح‏.‏
ولما مات ذو يزن وهو آخر الأدواء من ملوك اليمن استولى الحبشة على اليمن وكان عليها أبرهة من قبل النجاشي فلما دنا موسم الحج رأى الناس يجهزون للحج فسأل عن ذلك فقالوا‏:‏ هؤلاء يحجون بيت الله بمكة‏.‏
قال‏:‏ فما هو قالوا‏:‏ بيت من حجارة‏.‏
قال‏:‏ لأبنين لكم بيتاً خيراً منه‏!‏ فبنى بيتاً من الرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلاه بالذهب والفضة ورصعه بالجواهر وجعل أبوابه من صفائح من ذهب وجعل للبيت سدنة ودنه بالمندلي وأمر الناس بحجه وسماه القليس وكتب إلى النجاشي‏:‏ إني بنيت لك كنيسة ما لأحد من الملوك مثلها‏!‏ أريد أصرف إليه حج العرب‏.‏
فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة انتهز الفرصة حتى وجدها خالية فقعد فيها ولطخها بالنجاسة‏.‏
فلما عرف ابرهة ذلك اغتاظ وآلى أن يمشي إلى مكة ويخرب الكعبة غيظاً على العرب‏.‏
فجمع عساكره من الحبشة ومعه اثنا عشر فيلاً فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالتأهب والغارة فأصابوا مائتي إبل لعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
وبعث أبرهة رسولاً إلى مكة يقول‏:‏ إني ما جئت لقتالكم إلا أن تقاتلوني‏!‏ وإنما جئت لخراب هذا البيت والانصراف عنكم‏!‏ فقال عبد المطلب وهو رئيس مكة إذ ذاك‏:‏ ما لنا قوة قتالك وللبيت رب يحفظه هو بيت الله ومبنى خليله‏!‏ فذهب عبد المطلب إليه فقيل له‏:‏ إنه صاحب عير مكة وسيد قريش فأدخله وكان عبد المطلب رجلاً وسيماً جسيماً فلما رآه أكرمه فقال له الترجمان‏:‏ الملك يقول ما حاجتك فقال‏:‏ حاجتي مائتا بعير أصابها‏.‏
فقال ابرهة للترجمان‏:‏ قد كنت أعجبتني حين رأيتك وقد زهدت فيك لأني جئت لهدم بيت هو دينك ودين آبائك‏!‏ جئت ما تكلمت فيه وتكلمت في الإبل‏!‏ فقال عبد المطلب‏:‏ أنا رب هذه العير وللبيت رب سيمنعه‏!‏ فرد إليه إبله فعاد عبد المطلب وأخبر القوم بالحال فهربوا وتفرقوا في شعاب الجبال خوفاً فأتى عبد المطلب الكعبة وأخذ بحلقة الباب وقال‏:‏ جرّوا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك‏!‏ عمدوا حماك بجهلهم كيداً وما رقبوا حلالك لاهمّ إنّ المرء يم نع حلّه فامنع حلالك لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم أبداً محالك إن كنت تاركهم وكع بتنا فأمرٌ ما بدا لك‏!‏ وترك عبد المطلب الحلقة وتوجه مع قومه في بعض الوجوه فالحبش قاموا بفيلهم قاصدين مكة فبعث الله من جانب البحر طيراً أبابيل مثل الخطاف مع كل طائر ثلاثة أحجار‏:‏ حجران في رجليه وحجر في منقاره على شكل الحمص‏.‏
فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب أحداً إلا هلك فذلك قوله تعالى‏:‏ وارسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول‏.‏ومنها النجاشي الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه أصحمة كان ولياً من أولياء الله يبعث إلى رسول الله الهدايا والنبي صلى الله عليه وسلم يقبلها‏.‏
وفي يوم مات أخبر جبرائيل عليه السلام رسول الله بذلك مع بعد المسافة وكان ذلك معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم موته صلى عليه الصلاة مع أصحابه وهو ببلاد الحبشة‏.‏
بلاد الزنج مسيرة شهرين شمالها اليمن وجنوبها الفيافي وشرقها النوبة وغربها الحبشة وجميع السودان من ولد كوش بن كنعان بن حام وبلاد الزنج شديدة الحر جداً وحلكة سوادهم لاحتراقهم بالشمس‏.‏
وقيل‏:‏ إن نوحاً عليه السلام دعا على ابنه حام فاسود لونه وبلادهم قليلة المياه قليلة الأشجار سقوف بيوتهم من عظام الحوت‏.‏
زعم الكماء أنهم شرار الناس ولهذا يقال لهم سباع الإنس‏.‏
قال جالينوس‏:‏ الزنج خصصوا بأمور عشرة‏:‏ سواد اللون وفلفلة الشعر وفطس الأنف وغلظ الشفة وتشقق اليد والكعب ونتن الرائحة وكثرة الطرب وقلة العقل وأكل بعضهم بعضاً فإنهم في حروبهم يأكلون لحم العدو ومن ظفر بعدو له أكله‏.‏
وأكثرهم عراة لا لباس لهم ولا يرى زنجي مغموماً الغم لا يدور حولهم والطرب يشملهم كلهم قال بعض الحكماء‏:‏ سبب ذلك اعتدال دم القلب وقال آخرون‏:‏ بل سببه طلوع كوكب سهيل عليهم كل ليلة فإنه يوجب الفرح‏.‏
وعجائب بلادهم كثيرة منها كثرة الذهب ومن دخل بلادهم يحب القتال وهواؤهم في غاية اليبوسة لا يسلم أحد من الجرب حتى يفارق تلك البلاد‏.‏
والزنوج إذا دخلوا بلادنا وآنقهم هذه البلاد استقامت أمزجتهم وسمنوا‏.‏
ولهم ملك اسمه اوقليم يملك سائر بلاد الزنج في ثلاثمائة ألف رجل‏.‏
ودوابهم البقر يحاربون عليها بالسرج واللجم تمشي مشي الدواب ولا خيل لهم ولا بغال ولا إبل وليس لهم شريعة يراجعونها بل رسوم رسمها ملوكهم وسياسات‏.‏
وفي بلادهم الزرافة والفيل كثيرة وحشية في الصحارى يصطادها الزنوج‏.‏
ولهم عادات عجيبة منها أن ملوكهم إذا جاروا قتلوهم وحرموا عقبة الملك ويقولون‏:‏ الملك إذا جار لا يصلح أن يكون نائب ملك السموات والأرض‏.‏
ومنها أكل العدو إذا ظفر به‏.‏
وقيل‏:‏ إن عادة بعضهم ليس عادة الكل‏.‏
ومنها اتخاذ نبيذ من شربها طمس عقله قيل‏:‏ إنها مأخوذة من النارجيل يسقون منها من أرادوا الكيد به‏.‏
ومنها التحلي بالحديد مع كثرة الذهب عندهم يتخذون الحلي من الحديد كما يتخذ غيرهم من الذهب والفضة يزعمون أن الحديد ينفر الشيطان ويشجع لابسه‏.‏
ومنها قتالهم على البقر وانها تمشي كالخيل قال المسعودي‏:‏ رأيت من هذا البقر وانها حمر العيون يبرك كالإبل بالحمل ويثور بحمله‏.‏
ومنها اصطيادها الفيل وتجاراتهم على عظامها وذلك لأن الفيل الوحشية ببلاد الزنج كثيرة والمستأنسة أيضاً كذلك والزنج لا يستعملونها في الحرب ولا في العمل بل ينتفعون بعظامها وجلودها ولحومها وذاك أن عندهم ورقاً يطرحونها في الماء فإذا شرب الفيل من ذلك الماء اسكره فلا يقدر على المشي فيخرجون إليه ويقتلونه وعظام الفيل وأنيابها تجلب من أرض الزنج وأكثر أنيابه خمسون مناً إلى مائة من وربما يصل إلى ثلاثمائة من‏.‏
بلاد السودان هي بلاد كثيرة وأرض واسعة ينتهي شمالها إلى أرض البربر وجنوبها إلى البراري وشرقها إلى الحبشة وغربها إلى البحر المحيط‏.‏
أرضها محترقة لتأثير الشمس فيها والحرارة بها شديدة جداً لأن الشمس لا تزال مسامتة لرؤوسهم وأهلها عراة لا يلبسون من شدة الحر منهم مسلمون ومنهم كفار‏.‏
أرضهم منبت الذهب وبها حيوانات عجيبة‏:‏ كالفيل والكركدن والزرافة‏.‏
وبها أشجار وحدثني الفقيه علي الجنحاني المغربي أنه شاهد تلك البلاد ذكر أن أهلها اتخذوا بيوتهم على الأشجار العظيمة من الأرضة وان الأرضة بها كثيرة جداً ولا يتركون شيئاً من الأثاث والطعام على وجه الأرض إلا وأفسده الارضة فجميع قماشهم وطعامهم في البيوت التي اتخذوها على أعالي الأشجار‏.‏
وذكر رحمه الله انه أول ما نزل بها نام في طرف منها فما استيقظ إلا والارضة قرضت من ثيابه ما كان يلاقي وجه الأرض‏.‏
بلاد النوبة أرض واسعة في جنوبي مصر وشرقي النيل وغربيه‏.‏
هي بلاد واسعة وأهلها أمة عظيمة نصارى بعامتهم ولهم ملك اسمه كابيل يزعمون أنه من نسل حمير قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ خير سبيكم النوبة‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ من لم يكن له أخ فليتخذ أخاً نوبياً‏.‏
ومن عاداتهم تعظيم الملك الذي اسمه كابيل وهو يوهم أنه لا يأكل ويدخلون الطعام عليه سراً فإن عرف ذلك أحد من الرعية قتلوه لوقته ويشرب شراباً من الذرة مقوى بالعسل ولبسه الثياب الرفيعة من الصوف والخز والديباج وحكمه نافذ في رعيته ويده مطلقة يسترق من شاء ويتصرف في أموالهم وهم يعتقدون أنه يحيي ويميت ويصح ويمرض‏.‏وجرى ذكر ملك النوبة في مجلس المهدي أمير المؤمنين فقال بعض الحاضرين إن له مع محمد بن مروان قصة عجيبة فأمر المهدي بإحضار محمد بن مروان وسأله عما جرى بينه وبين ملك النوبة فقال‏:‏ لما التقينا أبا مسلم بمصر وانهزمنا وتشتت جمعنا وقعت أنا بأرض النوبة فأحببت أن يمكنني ملكهم من المقام عنده زماناً فجاءني زائراً وهو رجل طويل أسود اللون فخرجت إليه من قبتي وسألته أن يدخلها فأبى أن يجلس إلا خارج القبة على التراب‏.‏
فسألته عن ذلك فقال‏:‏ إن الله تعالى أعطاني الملك فحق علي أن أقابله بالتواضع‏.‏
ثم قال لي‏:‏ ما بالكم تشربون النبيذ وانها محرمة في ملتكم قلت‏:‏ نحن ما نفعل ذلك وإنما يفعله بعض فساق أهل ملتنا‏!‏ فقال‏:‏ كيف لبست الديباج ولبسه حرام في ملتكم قلت‏:‏ إن الملوك الذين كانوا قبلنا وهم الأكاسرة كانوا يلبسون الديباج فتشبهنا بهم لئلا تنقص هيبتنا في غير الرعايا‏.‏
فقال‏:‏ كيف تستحلون أخذ أموال الرعايا من غير استحقاق قلت‏:‏ هذا شيء لا نفعله نحن ولا نرضى به وإنما يفعله بعض عمالنا السوء‏!‏ فأطرق وجعل يردد مع نفسه‏:‏ يفعله بعض عمالنا السوء‏!‏ ثم رفع رأسه وقال‏:‏ إن لله تعالى فيكم نعمة ما بلغت غايتها اخرج من أرضي حتى لا يدركني شؤمك‏!‏ ثم قام ووكل بي حتى ارتحلت من أرضه والله الموفق‏.‏بلدة في جنوبي المغرب بقرب البحر المحيط حدثني الفقيه علي الجنحاني أنه دخلها فوجد سور المدينة من الملح وكذلك جميع حيطانها وكذلك السواري والسقوف وكذلك الأبواب فإنها من صفائح ملحية مغطاة بشيء من جلد الحيوان كي لا يتشعب أطرافها‏.‏
وذكر أن جميع ما حول هذه المدينة من الأراضي سبخة وفيها معدن الملح والشب وإذا مات بها شيء من الحيوان يلقى في الصحراء فيصير ملحاً والملح بأرض السودان عزيز جداً والتجار يجلبونه من تغارة إلى سائر بلادهم يبتاع كل وقر بمائة دينار‏.‏
ومن العجب أن هذه المدينة أرضها سبخة جداً ومياه آبارهم عذبة وأهلها عبيد مسوفة ومسوفة قبيلة عظيمة من البربر‏.‏
وأهل تغارة في طاعة امرأة من إماء مسوفة شغلهم جمع الملح طول السنة‏.‏
يأتيهم القفل في كل سنة مرةً يبيعون الملح ويأخذون من ثمنه قدر نفقاتهم والباقي يؤدونه إلى ساداتهم من مسوفة وليس بهذه المدينة زرع ولا ضرع ومعاشهم على الملح كما ذكرنا‏.‏
تكرور مدينة في بلاد السودان عظيمة مشهورة قال الفقيه علي الجنحاني المغربي‏:‏ شاهدتها وهي مدينة عظيمة لا سور لها وأهلها مسلمون وكفار والملك فيها للمسلمين وأهلها عراة رجالهم ونساؤهم إلا أشراف المسلمين فإنهم يلبسون قميصاً طولها عشرون ذراعاً ويحمل ذيلهم معهم خدمهم للحشمة ونساء الكفار يسترن قبلهن بخرزات العقيق ينظمنها في الخيوط ويعلقنها عليهن ومن كانت نازلة الحال فخرزات من العظم‏.‏
وذكر أيضاً أن الزرافة بها كثيرة يجلبونها ويذبحونها مثل البقر والعسل والسمن والأرز بها رخيص جداً‏.‏
وبها حيوان يسمى لبطى يؤخذ من جلده المجن يبتاع كل مجن بثلاثين ديناراً وخاصيته أن الحديد لا يعمل فيه البتة‏.‏
وحكى أنه لما كان بها إذ ورد قاصد من بعض عمال الملك يقول‏:‏ قد دهمنا سواد عظيم لا نعرف ما هو‏.‏
فاستعد الملك للقتال وخرج بعساكره فإذا فيلة كثيرة جاوزت العد والحصر فجاءت حتى ترد الماء بقرب تكرور فقال الملك‏:‏ احشوها بالنبل‏.‏
فلم يكن يعمل فيها شيء من النبال وكانت تخفي خراطيمها تحت بطنها لئلا يصيبها النبل وإذا أصاب شيئاً من بدنها أمرت عليها الخرطوم ورمتها فشربت الماء ورجعت‏.‏
والله الموفق‏.‏
جابرسا مدينة بأقصى بلاد المشرق عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ إن بأقصى المشرق مدينة اسمها جابرس أهلها من ولد ثمود وبأقصى المغرب مدينة اسمها جابلق أهلها من ولد عاد ففي كل واحد بقايا من الأمتين‏.‏
يقول اليهود‏:‏ إن أولاد موسى عليه السلام هربوا في حرب بخت نصر فسيرهم الله تعالى وأنزلهم بجابرس وهم سكان ذلك الموضع لا يصل إليهم أحد ولا يحصى عددهم‏.‏
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أسري به قال لجبريل عليه السلام‏:‏ إني أحب أن أرى القوم الذين قال الله تعالى فيهم‏:‏ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون فقال جبريل عليه السلام‏:‏ بينك وبينهم مسيرة ست سنين ذاهباً وست سنين راجعاً وبينك وبينهم نهر من رمل يجري كجري السهم لا يقف إلا يوم السبت لكن سل ربك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأمن جبريل عليه السلام فأوحى الله إلى جبريل أن أجب إلى ما سأل فركب البراق وخطا خطوات فإذا هو بين أظهر القوم فسلم عليهم فسألوه‏:‏ من أنت فقال‏:‏ أنا النبي الامي‏!‏ فقالوا‏:‏ نعم أنت الذي بشر بك موسى عليه السلام وإن أمتك لولا ذنوبها لصافحتها الملائكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ رأيت قبورهم على باب دورهم فقلت لهم‏:‏ لم ذاك قالوا‏:‏ لنذكر الموت صباحاً ومساء وإن لم نفعل ذلك ما نذكر إلا وقتاً بعد وقت‏!‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما لي أرى بنيانكم مستوياً قالوا‏:‏ لئلا يشرف بعضنا على بعض ولئلا يسد بعضنا الهواء عن بعض‏.‏
فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما لي لا أرى فيكم سلطاناً ولا قاضياً فقالوا‏:‏ أنصف بعضنا بعضاً وأعطينا الحق من أنفسنا‏.‏
فلم نحتج إلى أحد ينصف بيننا فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما لأسواقكم خالية فقالوا‏:‏ نزرع جميعاً ونحصد جميعاً فيأخذ كل رجل منا ما يكفيه ويدع الباقي لأخيه‏.‏
فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما لي أرى هؤلاء القوم يضحكون قالوا‏:‏ مات لهم ميت‏!‏ قال‏:‏ ولم يضحكون قالوا‏:‏ سروراً بأنه قبض على التوحيد‏!‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ وما لهؤلاء يبكون قالوا‏:‏ ورد لهم مولود وهم لا يدرون على أي دين يقبض‏.‏
قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا ولد لكم مولود ذكر ماذا تصنعون قالوا‏:‏ نصوم لله شهراً شكراً‏.‏
قال‏:‏ وإن ولدت لكم انثى قالوا‏:‏ نصوم لله شهرين شكراً لأن موسى عليه السلام أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظم أجراً من الصبر على الذكر‏.‏
قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أفتزنون قالوا‏:‏ وهل يفعل ذلك أحد إلا حصبته السماء من فوقه وخسفت به الأرض من تحته قال‏:‏ افتربون قالوا‏:‏ إنما يربي من لا يؤمن رزق الله‏!‏ قال‏:‏ أفتمرضون قالوا‏:‏ لا نذنب ولا نمرض وإنما تمرض أمتك ليكون كفارة لذنوبهم‏.‏
قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أفلكم سباع وهوام قالوا‏:‏ نعم تمر بنا ونمر بها فلا فعرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم شريعته فقالوا‏:‏ كيف لنا بالحج وبيننا وبينه مسافة بعيدة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس‏:‏ تطوى لهم الأرض حتى يحج من يحج منهم مع الناس‏.‏
قال‏:‏ فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم أخبر من حضر من قومه وكان فيهم أبو بكر رضي الله عنه قال‏:‏ إن قوم موسى بخير فعلم الله تعالى ما في قلوبهم فأنزل‏:‏ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏.‏
فصام أبو بكر شهراً واعتق عبداً إذ لم يفضل الله أمة موسى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:37 am

جاوة
هي بلاد على ساحل بحر الصين مما يلي بلاد الهند وفي زماننا هذا لا يصل التجار من أرض الصين إلا إلى هذه البلاد والوصول إلى ما سواها من بلاد الصين متعذر لبعد المسافة واختلاف الأديان والتجار يجلبون من هذه البلاد العود الجاوي والكافور والسنبل والقرنفل والبسباسة والغضائر الصيني منها يجلب إلى سائر البلاد‏.‏
جزاير الخالدات
ويقال لها أيضاً جزاير السعادات وانها في البحر المحيط في أقصى المغرب كان بها مقام جمع من الحكماء بنوا عليها ابتداء طول العمارات قال أبو الريحان الخوارزمي‏:‏ هي ست جزاير واغلة في البحر المحيط قريبات من مائتي فرسخ وإنما سميت بجزاير السعادات لأن غياطها أصناف الفواكه والطيب من غير غرس وعمارة وأرضها تحمل الزرع مكان العشب وأصناف الرياحين العطرة بدل الشوك‏.‏
قالوا‏:‏ في كل جزيرة صنم طوله مائة ذراع كالمنار ليهتدى بها وقيل‏:‏ إنما عملوا ذلك ليعلم أن ليس بعد ذلك مذهب فلا يتوسط البحر المحيط والله أعلم بذلك‏.‏
جزيرة الرامني
في بحر الصين قال محمد بن زكرياء الرازي‏:‏ بها ناس عراة لا يفهم كلامهم لأنه مثل الصفير طول أحدهم أربعة أشبار شعورهم زغب أحمر يتسلقون على الأشجار وبها الكركدن وجواميس لا أذناب لها وبها من الجواهر والافاويه ما لا يحصى وبها شجر الكافور والخيزران والبقم وعروق هذا البقم دواء من سم الأفاعي وحمله شبه الخرنوب وطعمه طعم العلقم‏.‏
وقال ابن الفقيه‏:‏ بها ناس عراة رجال ونساء على أبدانهم شعور تغطي سوآتهم وهم أمة لا يحصى عددها مأكولهم ثمار الأشجار وإذا اجتاز بهم شيء من المراكب يأتونه بالسباحة مثل هبوب الريح وفي أفواههم عنبر يبيعونه بالحديد‏.‏
جزيرة زانج
إنها جزيرة عظيمة في حدود الصين مما يلي بلاد الهند بها أشياء عجيبة ومملكة بسيطة وملك مطاع يقال له المهراج قال محمد بن زكرياء‏:‏ للمهراج جباية تبلغ كل يوم مائتي من ذهباً يتخذها لبنات ويرميها في الماء والماء بيت ماله وقال أيضاً‏:‏ من عجائب هذه الجزيرة شجر الكافور وانه عظيم جداً يظل مائة إنسان وأكثر يثقب أعلى الشجر فيسيل منه ماء الكافور عدة جرار ثم يثقب أسفل من ذلك وسط الشجرة فينساب منها قطع الكافور وهو صمغ تلك الشجرة غير أنه في داخلها فإذا أخذت ذلك منه يبست الشجرة‏.‏
وحكى ماهان بن بحر السيرافي قال‏:‏ كنت في بعض جزاير زانج فرأيت بها ورداً كثيراً أحمر وأصفر وأزرق وغير ذلك فأخذت ملاءة حمراء وجعلت فيها شيئاً من الورد الأزرق فلما أردت حملها رأيت ناراً في الملاءة واحترق ما فيها من الورد ولم تحترق الملاءة فسألت عنها فقالوا‏:‏ إن في هذا الورد منافع كثيرة لكن لا يمكن إخراجها من هذه الغيطة‏.‏وقال ابن الفقيه‏:‏ بهذه الجزيرة قوم على صورة البشر إلا أن أخلاقهم بالسباع أشبه يتكلم بكلام لا يفهم ويطفر من شجرة إلى شجرة‏.‏
وبها صنف من السنانير لها أجنحة كأجنحة الخفافيش من الأذن إلى الذنب وبها وعول كالبقر الجبلية ألوانها حمر منقطة ببياض وأذنابها كأذناب الظباء ولحومها حامضة وبها دابة الزباد وهي شبيهة بالهر يجلب منها الزباد وبها فارة المسك‏.‏
وبها جبل النصبان وهو جبل فيه حيات عظام تبلع البقر والجاموس ومنها ما يبلغ الفيل وبها قردة بيض كأمثال الجواميس والكباش وبها صنف آخر بيض الصدر سود الظهر‏.‏
وقال زكرياء بن محمد بن خاقان‏:‏ بجزيرة زانج ببغاء بيض وصفر وحمر يتكلم بأي لغة يكون وبها طواويس رقط وخضر وبها طير يقال له الحوارى دون الفاختة أبيض البطن أسود الجناحين أحمر الرجلين أصفر المنقار وهو أفصح من الببغاء والله الموفق للصواب‏.‏
جزيرة سكسار
جزيرة بعيدة عن العمران في بحر الجنوب حكى يعقوب بن إسحاق السراج قال‏:‏ رأيت رجلاً في وجهه خموش فسألته عن ذلك فقال‏:‏ خرجنا في مركب فألقتنا الريح إلى جزيرة لم نقدر أن نبرح عنها فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب وسائر بدنهم كبدن الناس فسبق إلينا واحد ووقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم فإذا فيها جماجم الناس وأسوقهم وأذرعهم فأدخلنا بيتاً فإذا فيه إنسان أصابه مثل ما أصابنا فجعلوا يأتوننا بالفواكه والمأكول فقال لنا الرجل‏:‏ إنما يطعمونكم لتسمنوا فمن سمن أكلوه قال‏:‏ فكنت أقصر في الأكل حتى لا أسمن فأكلوا الكل وتركوني وذاك الرجل لأني كنت نحيفاً والرجل كان عليلاً فقال لي الرجل‏:‏ قد حضر لهم عيد يخرجون إليه بأجمعهم ويمكثون ثلاثاً فإن أردت النجاة فانج بنفسك‏!‏ وأما أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الذهاب‏.‏
واعلم أنهم أسرع شيء طلباً وأشد اشتياقاً وأعرف بالاثر إلا من دخل تحت شجرة كذا فإنهم لا يطلبونه ولا يقدرون عليه‏.‏
قال‏:‏ فخرجت أسير ليلاً وأكمن النهار تحت الشجرة فلما كان اليوم الثالث رجعوا وكانوا يقصون أثري فدخلت تحت الشجرة فانقطعوا عني ورجعوا فأمنت‏.‏
حكى الرجل المخموش وقال‏:‏ بينا أنا أسير في تلك الجزيرة إذ رفعت لي أشجار كثيرة فانتهيت إليها فإذا بها من كل الفواكه وتحتها رجال كأحسن ما يكون صورة فقعدت عندهم لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي فبينا أنا جالس معهم إذ وضع أحدهم يده على عاتقي فإذا هو على رقبتي ولوى رجليه علي وأنهضني فجعلت أعالجه لأطرحه فخمشني في وجهي فجعلت أدور به على الأشجار وهو يقطف ثمرها يأكل ويرمي إلى أصحابه وهم يضحكون فبينا أنا أسير به في وسط الأشجار إذ أصاب عينيه عيدان الأشجار فعمي فعمدت إلى شيء من العنب وأتيت نقرة في صخرة عصرته فيها ثم أشرت إليه أن اكرع فكرع منها فتحللت رجلاه فرميت به فأثر الخموش من ذلك في وجهي‏.‏
جزيرة القصار
حدث يعقوب بن إسحاق السراج قال‏:‏ رأيت رجلاً من أهل رومية قال‏:‏ خرجت في مركب فانكسر وبقيت على لوح فألقتني الريح إلى بعض الجزائر فوصلت بها إلى مدينة فيها أناس قاماتهم قدر ذراع وأكثرهم عور فاجتمع علي جماعة وساقوني إلى ملكهم فأمر بحبسي فانتهوا بي إلى شيء مثل قفص الطير أدخلوني فيه فقمت فكسرته وصرت بينهم فآمنوني فكنت أعيش فيهم‏.‏
فإذا في بعض الأيام رأيتهم يستعدون للقتال فسألتهم عن ذلك فأومأوا إلى عدو لهم يأتيهم في هذا الوقت فلم تلبث أن طلعت عليهم عصابة من الغرانيق وكان عورهم من نقر الغرانيق أعينهم فأخذت عصاً وشددت على الغرانيق فطارت ومشت فأكرموني بعد ذلك إلى أن وجدت جذعين وشددتهما بلحاء الشجر وركبتهما فرمتني الريح إلى رومية‏.‏
وقد حكى أرسطاطاليس في كتاب الحيوان تصحيح ما ذكر وقال‏:‏ إن الغرانيق تنتقل من جزيرة النساء في بحر الصين فيها نساء لا رجل معهن أصلاً وإنهن يلقحن من الريح ويلدن النساء مثلهن وقيل‏:‏ إنهن يلقحن من ثمرة شجرة عندهن يأكلن منها فيلقحن ويلدن نساء‏.‏
حكى بعض التجار أن الريح ألقته إلى هذه الجزيرة قال‏:‏ فرأيت نساء لا رجال معهن ورأيت الذهب في هذه الجزيرة مثل التراب ورأيت من الذهب قضباناً كالخيزران فهممن بقتلي فحمتني امرأة منهن وحملتني على لوح وسيبتني في البحر فألقتني الريح إلى بلاد الصين فأخبرت صاحب الصين بحال الجزيرة وما فيها من الذهب فبعث من يأتيه بخبرها فذهبوا ثلاث سنين ما وقعوا بها فرجعوا‏.‏
جزيرة واق واق
إنها في بحر الصين وتتصل بجزائر زانج والمسير إليها بالنجوم قالوا‏:‏ إنها ألف وستمائة جزيرة وإنما سميت بهذا الاسم لأن بها شجرة لها ثمرة على صور النساء معلقات من الشجرة بشعورها وإذا أدركت يسمعمنها صوت واق واق وأهل تلك البلاد يفهمون من هذا الصوت شيئاً يتطيرون به‏.‏قال محمد بن زكرياء الرازي‏:‏ هي بلاد كثيرة الذهب حتى ان أهلها يتخذون سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب ويأتون بالقمصان المنسوجة من الذهب‏.‏
وحكى موسى بن المبارك السيرافي أنه دخل هذه البلاد وقد ملكتها امرأة وأنه رآها على سرير عريانةً وعلى رأسها تاج وعندها أربعة آلاف وصيفة عراة أبكاراً‏.‏
جوف واد بأرض عاد كان ذا ماء وشجر وعشب وخيرات كثيرة منها حمار بن مويلع كان له بنون خرجوا يتصيدون فأصابتهم صاعقة فماتوا عن آخرهم فكفر حمار كفراً عظيماً وقال‏:‏ لا أعبد رباً فعل بي هذا‏!‏ ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله وكان يقتل من مر به من الناس فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرقته ومن فيه وغاض ماؤه فضربت العرب به المثل وقالوا‏:‏ أكفر من حمار‏!‏ وقالوا أيضاً‏:‏ أخلى من جوف حمار‏.‏
وقال شاعرهم‏:‏ ولشؤم البغي والغشم قديماً ما خلا جوفٌ ولم يبق حمار حرث أرض واسعة باليمن كثيرة الرياض والمياه طيبة الهواء عذبة الماء منها ذو حرث الحميري واسمه مثوب قال هشام بن محمد الكلبي‏:‏ كان ذو حرث من أهل بيت الملك يعجبه سياحة البلاد فأوغل في بعض أوقاته في بلاد اليمن فهجم على أرض فيحاء كثيرة الرياض فأمر أصحابه بالنزول وقال‏:‏ يا قوم إن لهذه الأرض شأناً لما رأى من مياهها ورياضها ولم ير بها أنيساً فأوغل فيها حتى هجم على عين عظيمة نظيفة بها غاب ويكتنفها ثلاث آكام عظام فإذا على شريعتها بيت صنم من الصخر حوله من مسوك الوحش وعظامها تلال‏.‏
فبينا هو كذلك إذ أبصر شخصاً كالفحل المقرم قد تجلل بشعره وذلاذله تنوش على عطفه وبيده سيف كاللجة الخضراء فنكصت منه الخيل وأصرت بآذانها ونفضت بأبوالها فقلنا‏:‏ من أنت فأقبل يلاحظنا كالقرم الصؤوم ووثب وثبة الفهد على ادنانا فضربه ضربة فقط عجز فرسه وثنى بالفارس جزله جزلتين‏.‏
فقال القيل‏:‏ ليلحق فارسان برجالنا ليأتينا عشرون رامياً‏.‏
فلم يلبث أن أقبلت الرماة ففرقهم على الآكام الثلاث وقال‏:‏ احشوه بالنبل وان طلع عليكم فدهدهوا عليه الصخر وليحمل عليه الخيل من ورائه ففرقنا الخيل للحلمة وإنها تشمئز عنه فأقبل يدنو ويختل وكلما خالطه سهم أمر عليه ساعده وكسره في لحمه فضرب فارساً آخر فقطع فخذه بسرجه وما تحت السرج من فرسه فصاح به القيل‏:‏ ويلك‏!‏ من أنت فقال بصوت الرعد‏:‏ أنا حرث لا أراع ولا ألاع‏!‏ فمن أنت قال‏:‏ أنا مثوب قال‏:‏ إنك لهو قال‏:‏ ثم جلس وألقى سيفه وجعل ينزع النبل من بدنه فقلنا للقيل‏:‏ قد استسلم قال‏:‏ كلا لكنه اعترف دعوة فإنه ميت فقال‏:‏ عهد عليكم لتحفرنني‏!‏ فقال القيل‏:‏ آكد عهد ثم كبا لوجهه فأقبلنا إليه فإذا هو ميت فأخذنا سيفه فلم يقدر أحد منا يحمله على عنقه فأمر مثوب فحفر له اخدود ألقي فيه واتخذ مثوب تلك الأرض منزلاً وسماها حرث وسمي مثوب ذا حرث‏.‏
ووجد على أكمة صخرة مكتوب عليها‏:‏ باسمك اللهم إله من سلف ومن غبر إنك الملك الكبار الخالق الجبار ملكنا هذه المدة وحمى لنا أقطارها وأصبارها وأسرابها وحيطانها وعيونها وصيرانها إلى انتهاء عدة وانقضاء مدة ثم يظهر علينا غلام ذو الباع الرحب والمضاء العضب فيتخذها معمراً أعصراً ثم يجوز كما بدا وكل محتوم آت وكل مترقب قريب ولا بد من فقدان الموجود وخراب المعمور‏.‏
حضرموت
ناحية باليمن مشتملة على مدينتين يقال لاحداهما شبام وللأخرى تريم وهي بقرب البحر في شرقي عدن وانها بلاد قديمة‏.‏
حكى رجل من حضرموت قال‏:‏ وجدنا بها فخاراً فيه سنبلة حنطة وامتلأ الظرف منها وكان في ذلك الوقت شيخ له خمسمائة سنة وله ولد له أربعمائة سنة وولد ولد له ثلاثمائة سنة فذهبنا إلى ابن الابن قلنا‏:‏ إنه أقرب إلى الفهم والعقل فوجدناه مقيداً لا يعرف الخير والشر‏.‏
فقلنا‏:‏ إذا كان هذا حال ولد الولد فكيف حال الأب والجد فذهبنا إلى صاحب الأربعمائة سنة فوجدناه أقرب إلى الفهم من ولده فذهبنا إلى صاحب الخمسمائة سنة فوجدناه سليم العقل والفهم فسألناه عن حال ولد ولده فقال‏:‏ انه كانت له زوجة سيئة الخلق لا توافقه في شيء أصلاً فأثر فيه ضيق خلقها ودوام الغم بمقاساتها وأما ولدي فكانت له زوجة توافقه مرة وتخالفه أخرى فلهذا هو أقرب فهماً منه‏.‏
وأما أنا فلي زوجة موافقة في جميع الأمور مساعدة فلذلك سلم فهمي وعقلي‏!‏ فسألناه عن السنبلة فقال‏:‏ هذا زرع قوم من الأمم الماضية كانت ملوكهم عادلة وعلماؤهم أمناء وأغنياؤهم أسخياء وعوامتهم منصفة‏.‏
منها القاضي الحضرمي رحمه الله لما ولي القضاء أتى عليه سنتان لم يتقدم إليه خصمان فاستعفى الملك وقال‏:‏ إني آخذ معيشة القضاء ولا خصومة لأحد فالأجرة لا تحل لي‏!‏ فاستبقاه الملك وقال‏:‏ لعل الحاجة تحدث إلى أن تقدمه خصيمان فقال أحدهما‏:‏ اشتريت منه أرضاً فظهر فيها كنز قل له حتى يقبضها‏!‏ وقال الآخر‏:‏ إني بعت الأرض بما فيها والكنز له‏!‏ فقال القاضي‏:‏ هل لكما من الأولاد قالا‏:‏ نعم‏.‏
فزوج بنت البائع من ابن المشتري وجعل وبها القصر المشيد الذي ذكره الله في القرآن بناه رجل يقال له صد ابن عاد وذلك أنه لما رأى ما نزل بقوم عاد من الريح العقيم بنى قصراً لا يكون للريح عليه سلطان من شدة إحكامه وانتقل إليه هو وأهله وكان له من القوة ما كان يأخذ الشجرة بيده فيقلعها بعروقها من الأرض ويأكل من الطعام مأكول عشرين رجلاً من قومه وكان مولعاً من النساء تزوج بأكثر من سبعمائة عذراء وولد له من كل واحدة ذكر وأنثى فلما كثر أولاده طغى وبغى وكان يقعد في أعالي قصره مع نسائه لا يمر به أحد إلا قتله كائناً من كان حتى كثر قتلاه فأهلكه الله تعالى مع قومه بصيحة من السماء وبقي القصر خراباً لا يجسر أحد على دخوله لأنه ظهر فيه شجاع عظيم وكان يسمع من داخله أنين كأنين المرضى وقد أخبر الله تعالى عنهم وأمثالهم بقوله‏:‏ فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد والبئر المعطلة كانت بعدن سنذكرها إن شاء الله تعالى‏.‏
وبها قبر هود النبي عليه السلام قال كعب الأحبار‏:‏ كنت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان رضي الله عنه فإذا برجل قد رمقه الناس لطوله فقال‏:‏ أيكم ابن عم محمد قالوا‏:‏ أي ابن عمه قال‏:‏ ذاك الذي آمن به صغيراً فأومأوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال علي‏:‏ ممن الرجل فقال‏:‏ من اليمن من بلاد حضرموت‏.‏
فقال علي‏:‏ أتعرف موضع الأراك والسدرة الحمراء التي يقطر من أوراقها ماء في حمرة الدم فقال الرجل‏:‏ كأنك سألتني عن قبر هود عليه السلام فقال علي‏:‏ عنه سألتك فحدثني فقال‏:‏ مضيت في أيام شبابي في عدة من شبان الحي نريد قبره فسرنا إلى جبل شامخ فيه كهوف ومعنا رجل عارف بقبره حتى دخلنا كهفاً فإذا نحن بحجرين عظيمين قد أطبق أحدهما على الآخر وبينهما فرجة يدخلها رجل نحيف وكنت أنا أنحفهم فدخلت بين الحجرين فسرت حتى وصلت إلى فضاء فإذا أنا بسرير عليه ميت وعليه أكفان كأنها الهواء فمسست بدنه فكان علباً وإذا هو كبير العينين مقرون الحاجبين واسع الجبهة أسيل الخد طويل اللحية وإذا عند رأسه حجر على شكر لوح عليه مكتوب‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً أنا هود بن الحلود بن عاد رسول الله إلى بني عاد بن عوض ابن سام بن نوح جئتهم بالرسالة وبقيت فيهم مدة عمري فكذبوني فأخذهم الله بالريح العقيم فلم يبق منهم أحد وسيجيء بعدي صالح بن كالوة فيكذبه قومه فتأخذهم الصيحة قال له علي رضي الله عنه‏:‏ صدقت هكذا قبر هود عليه السلام‏.‏
وبها بئر برهوت وهي التي قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ان فيها أرواح الكفار والمنافقين وهي بئر عادية قديمة عميقة في فلاة عميقة في فلاة وواد مظلم‏.‏وعن علي رضي الله عنه قال‏:‏ ابغض البقاع إلى الله تعالى وادي برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفار‏.‏
وذكر الأصمعي عن رجل حضرمي انه قال‏:‏ إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جداً فيأتينا الخبر أن عظيماً من عظماء الكفار مات‏.‏
وحكى رجل أنه بات ليلة بوادي برهوت قال‏:‏ فكنت أسمع طول الليل يا دومه يا دومه فذكرت ذلك لبعض أهل العلم فقال‏:‏ إن الملك الموكل بأرواح الكفار اسمه دومه‏.‏
وبها ماء الخنوثة قال ابن الفقيه‏:‏ بحضرموت ماء بينها وبين النوب من شربه يصير مخنثاً‏.‏
دلان ودموران قريتان بقرب ذمار من أرض اليمن‏.‏
قالوا‏:‏ ليس بأرض اليمن أحسن وجهاً من نساء هاتين القريتين‏.‏
وقالوا‏:‏ الفواجر بهما كثيرة يقصدهما الناس من الأماكن البعيدة للفجور‏!‏ قالوا‏:‏ إن دلان ودموران كانا ملكين أخوين وكل واحد بنى قرية وسماها باسمه وكانا مشغوفين بالنساء وينافسان في الحسن والجمال والناس يجلبون من الأطراف البعيدة ذوات الجمال لهما فمن هناك أتى أهل القريتين الجمال وإلا فالجمال بأرض اليمن كالسمك على اليبس والله الموفق‏.‏
مدينة عظيمة ببلاد النوبة ممتدة على ساحل النيل طولها مسيرة ثمانين ليلة وعرضها قليل وهي منزل ملكهم كابيل وأهلها نصارى يعاقبة أرضهم محترقة لغاية الحرارة عندهم ومع شدة احتراقها ينبت الشعير والحنطة والذرة‏.‏
ولهم نخل وكرم ومقل وأراك‏.‏
وبلادهم أشبه شيء باليمن وبيوتهم أخصاص كلها وكذلك قصور ملكهم‏.‏
وأهلها عراة مؤتزرون بالجلود والنمر عندهم كثيرة يلبسون جلودها والزرافة أيضاً وهي دابة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها وقصر رجليها وعندهم صنف من الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم‏.‏
ذات الشعبين
مخلاف باليمن وقال محمد بن السائب‏:‏ حكى لنا رجل من ذي الكلاع أن سيلاً أقبل باليمن فخرق موضعاً فأبدى عن أزج فإذا فيه سرير عليه ميت عليه جباب وشي مذهبة وبين يديه محجن من ذهب في راسه ياقوتة حمراء وإذا لوح فيه مكتوب‏:‏ بسم الله رب حمير أنا حسان بن عمرو القيل حين لا قيل إلا الله مت زمان خرهيد وماهيد هلك فيه اثنا عشر ألف قيل وكنت آخرهم قيلاً فأتيت ذات الشعبين ليجيرني فأجفرني قالوا‏:‏ لعل كان ذلك وقت الطاعون فمات من مات لفساد الهواء فأتى حسان ذات الشعبين ليكون الهواء فيه أصح بسبب هبوبها من الشعبين فيسلم من الطاعون وما سلم‏.‏
ذمار
مدينة ببلاد اليمن حكى أبو الربيع سليمان الزنجاني‏:‏ انه شاهد ذمار ورأى على مرحلة منها آثار عمارة قديمة قد بقي منها ستة أعمدة من رخام وفوق أربعة منها أربعة أعمدة ودونها مياه كثيرة جارية قال‏:‏ ذكر لي أهل تلك البلاد أن أحداً لا يقدر على خوض تلك المياه إلى تلك الأعمدة وما خاض أحد إلا عدم وأهل تلك البلاد متفقون على أنها عرش بلقيس‏.‏
سبأ
مدينة كانت بينها وبين صنعاء ثلاثة أيام بناها سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان كانت مدينة حصينة كثيرة الأهل طيبة الهواء عذبة الماء كثيرة الأشجار لذيذة الثمار كثيرة أنواع الحيوان وهي التي ذكرها الله تعالى‏:‏ لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ما كان يوجد بها ذباب ولا بعوض ولا شيء من الهوام كالحية والعقرب ونحوهما‏.‏وقد اجتمعت في ذلك الموضع مياه كثيرة من السيول فيمشي بين جبلين ويضيع في الصحارى وبين الجبلين مقدار فرسخين فلما كان زمان بلقيس الملكة بنت بين الجبلين سداً بالصخر والقار وترك الماء العظيم خارج السد وجعلت في السد مثاعب أعلى وأوسط وأسفل ليأخذوا من الماء كل ما احتاجوا إليه فجفت داخل السد ودام سقيها فعمرها الناس وبنوا وغرسوا وزرعوا فصارت أحسن بلاد الله تعالى وأكثرها خيراً كما قال الله تعالى‏:‏ جنتان عن يمين وشمال‏.‏
وكان أهلها اخوة وبنو عم بنو حمير وبنو كهلان فبعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم فسلط الله تعالى الجرذ على سدهم‏.‏
منها عمران بن عامر وكانت سيادة اليمن لولد حمير ولولد كهلان وكان كبيرهم عمران بن عامر وكان جواداً عاقلاً وله ولأقربائه من الحدائق ما لم يكن لأحد من ولد قحطان‏.‏
وكانت عندهم كاهنة اسمها طريفة قالت لعمران‏:‏ والظلمة والضياء والأرض والسماء ليقبلن إليكم الماء كالبحر إذا طما فيدع أرضكم خلاءً يسفي عليها الصبا‏!‏ فقالوا لها‏:‏ فجعتنا بأموالنا فبيني مقالتك‏!‏ فقالت‏:‏ انطلقوا إلى رأس الوادي لتروا الجرذ العادي يجر كل صخرة صيخاد بأنياب حداد وأظفار شداد‏!‏ فانطلق عمران في نفر من قومه حتى أشرفوا على السد فإذا هم بجرذ أحمر فيقلع الحجر الذي لا يستقله رجال ويدفعه بمخاليب رجليه إلى ما يلي فلما رأى عمران ذلك علم صدق قول الكاهنة فقال لأهله‏:‏ اكتموا هذا القول من بني عمكم بني حمير لعلنا نبيع حدائقنا منهم ونرحل عن هذه الأرض ثم قال لابن أخيه حارثة‏:‏ إذا كان الغد واجتمع الناس أقول لك قولاً خالفني وإذا شتمتك ردها علي وإذا ضربتك فاضربني مثله ‏!‏ فقال‏:‏ يا عم كيف ذلك فقال عمران‏:‏ لا تخالف فإن مصلحتنا في هذا‏.‏
فلما كان الغد واجتمع عند عمران أشراف قومه وعظماء حمير ووجوه رعيته أمر حارثة أمراً فعصاه فضربه بمخصرة كانت بيده فوثب حارثة عليه واطمه فأظهر عمران الغضب وأمر بقتل ابن أخيه فوقع في حقه الشفاعات‏.‏
فلما أمسك عن قتله حلف أن لا يقيم في أرض امتهن بها وقال وجوه قومه‏:‏ ولا نقيم بعدك يوماً‏!‏ فعرضوا ضياعهم على البيع واشتراها بنو حمير بأعلى الأثمان فارتحل عن أرض اليمن فاء السيل بعد رحيلهم بمدة يسيرة وخربت البلاد كما قال تعالى‏:‏ فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل‏.‏
فتفرقوا في البلاد ويضرب بهم المثل فيقال‏:‏ تفرقوا أيادي سبا‏.‏
وكانوا عشرة أبطن‏:‏ ستة تيامنوا وهم كندة والأشعريون والأزد ومذحج وانمار وحمير وأربعة تشاءموا وهم عامرة وجذام ولخم وغسان وكانت هذه الواقعة بين مبعث عيسى ونبينا صلى الله عليهما وسلم‏.‏مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان في مقطع جبل درن في وسط رمل بها نهر كبير غرسوا عليه بساتين ونخيلاً مد البصر‏.‏
حدثني بعض الفقهاء من المغاربة وقد شاهدها‏:‏ ان مزارعها اثنا عشر فرسخاً من كل جانب لكن لا يزرع في كل سنة إلا خمسها ومن أراد الزيادة على ذلك منعوه وذلك لأن الريع إذا كثر لا يبقى له قيمة فلا يشتري من الظناء بشيء‏.‏
وبها أصناف العنب والتمر وأما تمرها فستة عشر صنفاً ما بين عجوة ودقل‏.‏
ولنسائها يد صناع في غزل الصوف ويعمل منه كل عجيب حسن بديع من الأزر التي تفوق القصب ويبلغ ثمن الازار ثلاثين ديناراً وأربعين كأرفع ما يكون من القصب ويتخذن من عقارات يبلغ ثمنها مثل ذلك مصبوغة بأنواع الألوان وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالاً لأنها على طريق غانة التي هي معدن الذهب ولأهلها جرأة على دخول تلك البرية مع ما ذكر من صعوبة الدخول فيها وهي في بلاد التبر يعرف منها والله الموفق‏.‏
سرنديب جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الصين قال محمد بن زكرياء‏:‏ هي ثمانون فرسخاً في ثمانين فرسخاً لها ثلاثة ملوك كل واحد عاص على الآخر‏.‏
ومن عاداتهم أن يأخذوا من الجاني سبعة دراهم على جنايته والمديون إذا تقاعد عن اداء الدين بعث الملك إليه من يخط حوله خطاً أي مكان وجده فلا يجسر أن يخرج من الخط حتى يقضي الدين أو يحصل رضاء الغريم‏.‏
فإن خرج من الخط بغير إذن أخذ الملك منه ثلاثة أضعاف الدين ويسلم ثلثه إلى المستحق ويأخذ الملك ثلثيه‏.‏
وإذا مات الملك يجعل في صندوق من العود والصندل ويحرق بالنار وترافقه زوجته حتى يخترقا معاً‏.‏
وبها أنواع العطر والافاويه والعود والنارجيل ودابة المسك وأنواع اليواقيت ومعدن الذهب والفضة ومغاص اللؤلؤ‏.‏
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ خير بقعة ضربت إليها آباط الإبل مكة ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وجزيرة سرنديب فيها نزل أبونا آدم عليه السلام بها جبل أهبط عليه آدم عليه السلام وهو ذاهب في السماء يراه البحريون من مسافة أيام وفيه أثر قدم آدم عليه السلام وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر‏.‏
ويرى على هذا الجبل كل ليلة مثل البرق من غير سحاب وغيم ولا بد له كل يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم عليه السلام‏.‏
ويقال إن الياقوت الأحمر يوجد على هذه الجبال يحدره السيل منها إلى الحضيض وقطاع الماس أيضاً والبلور‏.‏
وقالوا‏:‏ أكثر أهل سرنديب مجوس وبها مسلمون أيضاً ودوابها في غاية الحسن لا تشبه دوابنا إلا بالنوع وبها كبش له عشرة قرون‏.‏
منها الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي ورد قزوين وأهل قزوين تبركوا به‏.‏
وكان قاضي قزوين يدخل مع الولاة في الأمور الديوانية والعوام يكرهون ذلك فربما عملوا غوغاة ونهبوا دار القاضي وخربوها فلما كن السرنديبي قزوين وتبرك القوم به كلما كرهوا من القاضي شيئاً ذهبوا إلى السرنديبي وقالوا‏:‏ قم ساعدنا على القاضي‏!‏ فإذا خرج السرنديبي تبعه ألوف فالقاضي لقي من السرنديبي التباريح‏.‏
فطلبه ذات يوم فلما دخل عليه تحرك له وانبسط معه وسأله عن حاله ثم قال‏:‏ إني أرى في هذه المدينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متروكاً ولست أرى من لا يأخذه في الله لومة لائم غيرك‏.‏
وأخرج من داره قميصاً غسل مراراً وعمامة عتيقة وأركبه على دابة وغلمان الاحتساب في خدمته وكل من سمع بهذا استحسن وصار السرنديبي محتسباً‏.‏
فإذا في بعض الأيام جاء شخص إلى السرنديبي وقال‏:‏ في موضع كذا جماعة يشربون‏.‏
فقام بأصحابه وذهب إليهم فأراق خمورهم وكسر ملاهيهم‏.‏
وكان القوم صبياناً جهالاً قاموا إليه وضربوه وضربوا أصحابه ضرباً وجيعاً فجاء السرنديبي إلى القاضي وعرفه ذلك فالقاضي ثم بعد أيام قالوا للسرنديبي‏:‏ في بستان كذا جماعة يشربون فذهب إليهم بأصحابه وأراق خمورهم وكسر ملاهيهم فقاموا وقتلوا أصحاب السرنديبي وجرحوه فعاد السرنديبي إلى بيته وأخذ القميص والعمامة وذهب إلى القاضي وقال‏:‏ اخلع هذا على غيري فإني لست أهلاً لذلك فقال القاضي‏:‏ لا تفعل يا سديد الدين ولا تمنع الثواب‏!‏ فقال له‏:‏ دع هذا الكلام أنت غرضك اني أقتل وأجرح على يد غيرك وإني قد عرفت المقصود ولا أنخدع بعد ذلك‏.‏
سفالة
آخر مدينة تعرف بأرض الزنج بها معدن الذهب والحكاية عنها كما مر في بلاد التبر من أن التجار يحملون إليها الأمتعة ويضعونها في أرض قريبة منهم ويرجعون‏.‏
ثم ان أهل سفالة وهم سودان يأتون ويتركون ثمن كل متاع بجنبه والذهب السفالي معروف عند تجار الزنج‏.‏
وبها الحواي وهو صنف من الطير يعيد ما سمع بصوت رفيع ولفظ صحيح أصح من الببغاء ولا يبقى أكثر من سنة وبها ببغاء بيض وحمر وخضر وقال محمد بن الجهم‏:‏ رأيت قوماً يأكلون الذباب ويزعمون أنه دافع للرمد ولا يرمدون شيئاً البتة‏.‏
سلوق
مدينة بأرض اليمن قال ابن الحايك‏:‏ كانت مدينة عظيمة ولها آثار عظيمة باقية يوجد بها قطاع الذهب والفضة والحلي وكان بها صناع الدروع المحكمة النسج قال الشاعر‏:‏ نقل السّلوقيّ المضاعف نسجه ويوقد بالصّفّاح نار الحباحب وبها الكلاب الضواري وذاك لأن الكلاب بها يسفدها الذئاب فتأتي بالكلاب السلوقية وهي أخبث الكلاب قال الشاعر‏:‏ منهم ضوارٍ من سلوق كأنّها حصنٌ تجول تجرّر الأرسانا سمهر قرية بالحبشة بها صناع الرماح السمهرية وهي أحسن الرماح قاله الصولي وقال غيره‏:‏ إن هذه القرية في جوف النيل يأتيها من أرض الهند على رأس الماء كثير من القنا يجمعها أهل هذه القرية يستوقدون رذاله ويثقفون جيده ويبيعونه وهو بأرض الحبشة معروف يحمل منها إلى سائر البلاد والله الموفق‏.‏
سندابل
قصبة بلاد الصين ودار المملكة يشقها نهر أحد شقيه للملك والشق الآخر للعامة قال مسعر بن مهلهل‏:‏ دخلتها وهي مدينة عظيمة قطرها مسيرة يوم ولها ستون شارعاً كل شارع ينفذ إلى دار الملك ولها سور ارتفاعه تسعون ذراعاً وعلى رأس السور نهر عظيم يتفرق ستين جزءاً كل جزء ينزل على باب من أبوابها تلقاه رحىً يصب إليها ثم إلى غيرها حتى يصب في الأرض‏.‏
ثم يخرج نصفه تحت السور يسقي البساتين ويدخل نصفه المدينة ويدور في الشوارع كلها وكل شارع فيه نهران‏:‏ داخل يسقيهم وخارج يخرج بفضلاتهم‏.‏
وفيها من الزروع والبقول والفواكه والخيرات وأنواع الطيب كالقرنفل والدارصيني‏.‏
وبها أنواع الجواهر كاليواقيت ونحوها والذهب الكثير‏.‏
وأهلها حسان الوجوه قصار القدود عظام الرؤوس لباسهم الحرير وحليهم عظام الفيل والكركدن وأبوابهم آبنوس وفيهم عبدة الأوثان والمانوية والمجوس ويقولون بالتناسخ‏.‏
ومنها خاقان ملك الصين الموصوف بالعدل والسياسة له سلسلة من ذهب أحد طرفيها خارج القصر والطرف الآخر عند مجلس الملك ليحركها المظلوم فيعلم الملك‏.‏
ومن عادته ركوب الفيل كل جمعة والظهور للناس ومن كان مظلوماً يلبس ثوباً أحمر فإذا وقعت عليه عين الملك يحضره ويسأله عن ظلامته‏.‏
ومن ولد في رعيته أو مات يكتب في ديوان الملك لئلا يخفى عليه أحد‏.‏وبها بيت عبادة عظيم فيه أصنام وتماثيل ولأهلها يد باسطة في الصناعات الدقيقة يعبدون الأوثان ولا يذبحون الحيوان ومن فعل أنكروا عليه‏.‏
ولهم آداب حسنة للرعية مع الملك وللولد مع الوالد‏:‏ فإن الوالد لا يقعد في حضور أبيه ولا يمشي إلا خلفه ولا يأكل معه‏.‏
قال ابن الفقيه‏:‏ أهل الصين يقولون بالتناسخ ويعملون بالنجوم ولهم كتب يشتغلون بها والزنا عندهم مباح ولهم غلمان وقفوهم للواطة كما أن الهند وقفوا الجواري على البد للزنا وذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز‏.‏
والملك وكل بالصناع ليرفع إلى الملك جميع المعمول فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته وإلا يباع في السوق وما فيه عيب يمزقه‏.‏
وحكي أنه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلهم إلا واحداً فسئل عن عيبه فقال إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس وقد حمل قنو موز والطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون‏:‏ أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز‏.‏ناحية بين عدن وعمان على ساحل البحر‏.‏
ينسب إليها العنبر الشحري لأنه يوجد في سواحلها‏.‏
وبها غياض كثيرة يوجد بها النسناس‏.‏
حكى بعض العرب قال‏:‏ قدمت الشحر فنزلت عند بعض رؤسائها وسألت عن النسناس فقال‏:‏ إنا لنصيده ونأكله وهو دابة كنصف بدن الإنسان له يد واحدة ورجل وادة وكذلك جميع الأعضاء فقلت‏:‏ أنا أحب أن أراه فقال لغلمانه‏:‏ صيدوا لنا شيئاً منه‏.‏
فلما كان من الغد جاءوا بشيء له وجه كوجه الإنسان إلا أنه نصف الوجه وله يد واحدة في صدره وكذلك رجل واحدة فلما نظر إلي قال‏:‏ أنا بالله وبك‏.‏
فقلت لهم‏:‏ خلوا عنه‏.‏
فقالوا‏:‏ لا تغتر بكلامه فإنه مأكولنا فلم أزل بهم حتى أطلقوه فمر مسرعاً كالريح‏.‏
فلما جاء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه‏:‏ أما قلت لكم صيدوا لنا شيئاً فقالوا‏:‏ فعلنا لكن ضيفك خلى عنه‏.‏
فضحك وقال‏:‏ خدعك والله‏!‏ ثم أمرهم بالغدو إلى الصيد فغدوا بالكلاب وكنت معهم فصرنا إلى غيضة في آخر الليل فإذا واحد يقول‏:‏ يا أبا مجمر إن الصبح قد أسفر والليل قد أدبر والقيض قد حضر فعليك بالوزر‏.‏
فقال الآخر‏:‏ كلي ولا تراعي فأرسلوا الكلاب عليهم فرأيت أبا مجمر وقد اعتوره كلبان وهو يقول‏:‏ الويل لي ممّا به دهاني دهري من الهموم والأحزان إنّكما حين تحارباني ألفيتماني خضلاً عناني لوبي شبابي ما ملكتماني حتى تموتا أو تركتماني فالتقياه وأخذاه فلما حضر الرجل على عادته أتوا بأبي مجمر مشوياً وذكر خبر النسناس في وبار أبسط من هذا‏.‏
شعب جبل باليمن فيه بلاد وقرى يقال لأهلها الشعبيون قتل بها الشنفرى فقال تأبط شراً وهو خال الشنفرى‏:‏ إنّ بالشّعب من دون سلع لقتيلاً دمه ما يطلّ منها أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي كان عالماً ورعاً فريد دهره ولي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان بعثه إلى الروم رسولاً فأدخلوه على الملك من باب لص حتى ينحني للدخول فيقولون‏:‏ خدم للملك فعرف الشعبي ذلك فدخله من خلفه فلما رأى صاحب الروم كمال عقله وحسن جوابه وخطابه قال له‏:‏ أمن بيت الخلافة أنت قال‏:‏ لا أنا رجل من العرب‏.‏
فكتب إلى عبد الملك‏:‏ عجبت من قوم عندهم مثل هذا الرجل وولوا غيره أمرهم‏!‏ فقال عبد الملك للشعبي‏:‏ حسدني عليك أراد أن أقتلك‏!‏ فقال الشعبي‏:‏ إنما كهر أمير المؤمنين لأنه لم يرك‏!‏ فقال‏:‏ لله درك ما عدا ما في نفسي‏.‏
وحكي أن الشعبي جلس يوماً للقضاء فاحتكم إليه زوجان وكانت المرأة من أجمل النساء فأظهرت المرأة حجتها‏.‏
فقال للزوج‏:‏ هل لك ما تدفع هذه فأنشأ يقول‏:‏ فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها فتنته بدلالٍ وتخطّى حاجبيها قال للجوّار قرّب ها وقرّب شاهديها فقضى جوراً على الخص م ولم يقض عليها قال الشعبي‏:‏ دخلت على عبد الملك بن مروان فلما نظر إلي تبسم وقال‏:‏ فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطرّف إليها ثم قال‏:‏ ما فعلت بقائل هذا قلت‏:‏ أوجعت ظهره ضرباً يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي‏!‏ فقال‏:‏ أحسنت والله وأجملت‏!‏ وحكي أن الشعبي دخل على قوم وهم يذكرونه بالسوء فقال‏:‏ هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ لعزّة من أعراضنا ما استحلّت توفي سنة أربع ومائة عن اثنتين وثمانين سنة‏.‏
شمخ
قرية بأرض اليمن من عجائبها أن بها شقاً ينفذ إلى الجانب الآخر فمن لم يكن ولد رشدة لا يقدر على النفوذ فيه‏.‏
حكى رجل من مراد قال‏:‏ وليت صدقات فبينا أنا أقسمها إذ قال لي رجل‏:‏ ألا أريك عجباً قلت‏:‏ نعم‏.‏
فأدخلني شعب جبل فإذا أنا بسهم من سهام عاد كأكبر ما يكون من رماحنا مفوقاً تشبث بذروة الجبل وعليه مكتوب‏:‏ ألا هل إلى أبيات شمخٍ بذي اللوى لوى الرّمل من قبل الممات معاد بلادٌ بها كنّا وكنّا نحبّها إذ النّاس ناسٌ والبلاد بلاد ثم أخذ بيدي إلى الساحل فإذا بحجر يعلوه الماء طوراً ويظهر أخرى وعليه مكتوب‏:‏ يا ابن آدم يا عبد ربه اتق الله ولا تعجل في رزقك فإنك لن تسبق رزقك ولن ترزق ما ليس لك ومن لم يصدق فلينطح هذا الحجر حتى ينفجر‏!‏ شيلا بلدة من أواخر بلاد الصين في غاية الطيب لا يرى بها ذو عاهة من صحة هوائها وعذوبة مائها وطيب تربتها‏.‏
أهلها أحسن الناس صورة وأقلها أمراضاً وذكر أن الماء إذا رش في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر وهي قليلة الآفات والعلل قليلة الذباب والهوام‏.‏
إذا اعتل إنسان في غيرها ثم نقل إليها زالت علله‏.‏
قال محمد بن زكرياء الرازي‏:‏ من دخلها استوطنا ولا يخرج عنها لطيبها ووفور خيراتها وكثرة ذهبها‏.‏والله الموفق‏.‏
صنعاء
قصبة بلاد اليمن أحسن مدنا بناء وأصحها هواء وأعذبها ماء وأطيبها تربة وأقلها أمراضاً ذكر أن الماء إذا رش في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر وهي قليلة الآفات والعلل قليلة الذباب والهوام‏.‏
إذا اعتل إنسان في غيرها ونقل إليها يبرأ وإذا اعتلت الإبل وأرعيت في مروجها تصح واللحم يبقى بها أسبوعاً لا يفسد‏.‏
بناها صنعاء بن ازال بن عنير بن عابر بن شالح شبهت بدمشق في كثرة بساتينها وتخرق مياهها وصنوف فواكهها‏.‏قال محمد بن أحمد الهمذاني‏:‏ أهل صنعاء في كل سنة يشتون مرتين ويصيفون مرتين فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحر عندهم مفرطاً فإذا نزلت أول السرطان زالت عن سمت رؤوسهم فيكون شتاء فإذا نزلت أول الميزان يعود الحر إليهم مرة ثانية فيكون صيفاً وإذا صارت إلى الجدي شتوا مرة ثانية غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفية الهواء‏.‏
قال عمران بن أبي الحسن‏:‏ ليس بأرض اليمن بلد أكبر من صنعاء وهو بلد بخط الاستواء بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء والصيف وتتقارب ساعات نهارها‏.‏
وكان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التبابعة قالوا‏:‏ بانيه ليشرخ ابن يحصب قال ابن الكلبي‏:‏ اتخذه على أربعة أوجه‏:‏ وجه أحمر ووجه أبيض ووجه أصفر ووجه أخضر وبنى في داخله قصراً على سبعة سقوف بين كل سقفين أربعون ذراعاً فكان ظله إذا طلعت الشمس يرى على ماء بينهما ثلاثة أميال وجعل في أعلاه مجلساً بناه بالرخام الملون وجعل سقفه رخامة واحدة وصير على كل ركن من أركانه تمثال أسد إذا هبت الريح يسمع منها زئير الأسد وإذا أسرجت المصابيح فيه ليلاً كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق وفيه قال ذو جدن الهمداني‏:‏ وغمدان الذي حدّثت عنه بناه مشيّداً في رأس نيق مصابيح السّليط يلحن فيه إذا أمسى كتوماض البروق فأضحى بعد جدّته رماداً وغيّر حسنه لهب الحريق وقال أمية بن أبي الصلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها‏:‏ فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً في رأس غمدان داراً منك محلالا تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ شيبا بماء فصارا بعد أبوالا وذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر وأشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيام‏.‏
حكي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما أمر بهدم غمدان قالوا له‏:‏ إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول‏!‏ فأمر بإعادته فقالوا له‏:‏ لو أنفقت عليه خراج الارض ما أعدته كما كان فتركه ولما خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوباً‏:‏ اسلم غمدان هادمك مقتول‏.‏
فهدمه عثمان بن عفان فقتل‏.‏
ووجد على حائط ايوان من مجالس تبع مكتوباً‏:‏ صبراً الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور فرحٌ وحزنٌ بعده لا الحزن دام ولا السّرور وبصنعاء جبل الشب وهو جبل على رأسه ماء يجري من كل جانب وينعقد حجراً قبل أن ومن عجائب صنعاء ما ذكر أنه كان بها قبة عظيمة من جمجمة رجل‏.‏
وبها نوع البر حبتان منه في كمام ليس في شيء من البلاد غيرها وبها الورس وهو نبت له خريطة كالسمسم زرع سنة يبقى عشرين سنة‏.‏
وحكي أن أمير اليمن لما آل إلى الحبشة بنى أبرهة بن الصبا بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها وسماها القليس وزينها بالذهب والفضة والجواهر وكتب إلى النجاشي‏:‏ إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك وأريد أصرف إليها حج العرب‏.‏
فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها وأحدث فيها فسأل أبرهة عنه فقالوا‏:‏ إنه من أهل البيت الذي يحج إليه العرب‏.‏
فغضب وآلى ليسيرن إلى الكعبة ويهدمنها ثم جاء بعسكره وفيلته فأرسله الله تعالى عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول‏.‏
وبها الجنة التي أقسم أصحابها لنصرمنها مصبحين وهي على أربعة فراسخ من صنعاء وكانت تلك الجنة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله ويتصدق على المساكين فلما مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطو للمساكين شيئاً فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فلما رأوها قالوا إنا لضالون يعني ما هذا طريق بستاننا فلما رأوا الجنة محترقة قالوا‏:‏ بل نحن محرومون‏.‏
ويسمى ذاك الوادي الضروان وهو واد ملعون حجارته تشبه أنياب الكلاب لا يقدر أحد أن يطأها ولا ينبت شيئاً ولا يستطيع طائر أن يطير فوقه فإذا قاربه مال عنه قالوا‏:‏ كانت النار تتقد فيها ثلاثمائة سنة‏.‏
الصين
بلاد واسعة في المشرق ممتدة من الإقليم الأول إلى الثالث عرضها أكثر من طولها قالوا‏:‏ نحو ثلاثمائة مدينة في مسافة شهرين‏.‏
وانها كثيرة المياة كثيرة الأشجار كثيرة الخيرات وافرة الثمرات من أحسن بلاد الله وأنزهها وأهلها أحسن الناس صورة وأحذقهم بالصناعات الدقيقة لكنهم قصار القدود عظام الرؤوس لباسهم الحرير وحليهم عظام الفيل والكركدن ودينهم عبادة الأوثان‏.‏
وفيهم مانوية ومجوس ويقولون بالتناسخ ولهم بيوت العبادات‏.‏
من عجائب الصين الهيكل المدور قال المسعودي‏:‏ هذا الهيكل بأقصى بلاد الصين وله سبعة أبواب في داخله قبة عظيمة البنيان عالية السمك وفي أعلى القبة شبه جوهرة كرأس عجل يضيء منها جميع أقطار الهيكل وان جمعاً من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما تمكنوا من ذلك فمن دنا منها قدر عشرة أذرع خر ميتاً وإن حاول أخذها بشيء من الآلات الطوال فإذا انتهت إليها هذا المقدار انعكست‏.‏
وكذلك إن رمى إليها شيئاً وإن تعرض أحد لهدم الهيكل مات وفي هذا الهيكل بئر واسعة الرأس من أكب عليها وقع في قعرها وعلى رأس البئر شبه طوق مكتوب عليه‏:‏ هذه البئر مخزن الكتب التي هي تاريخ الدنيا وعلوم السماء والأرض وما كان فيها وما يكون وفيها خزائن الأرض لكن لا يصل إليها إلا من وازن علمه علمنا فمن قدر عليه علمه كعلمنا ومن عجز فليعلم أنه دون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:38 am

مرباط
مدينة بين حضرموت وعمان وهي فرضة ظفار لأن ظفار مرساها غير جيد بها اللبان يحمل منها إلى سائر البلدان وهو غلة للملك‏.‏
أهلها عرب موصوفون بقلة الغيرة وذلك ان كل ليلة نساؤهم يخرجن إلى خارج المدينة ويسامرن الرجال الأجانب ويجالسنهم ويلاعبنهم إلى نصف الليل فيجوز الرجل على زوجته وأخته وأمه وهي تلاعب آخر وتحادثه فيعرض عنها ويمشي إلى زوجة غيره يحادثها‏.‏
وقال صاحب معجم البلدان‏:‏ رأيت بجزيرة قيس رجلاً عاقلاً أديباً من مرباط فقلت له‏:‏ بلغني منكم حديث أنكرته‏.‏
فقال‏:‏ لعلك تقول عن السمر فقلت‏:‏ نعم أخبرني أصحيح أم لا فقال‏:‏ إنه صحيح‏!‏ وبالله أقسم إنه لقبيح ولكن على ذلك نشأنا ولو استطعنا لأزلناه ولكن لا سبيل إلى إزالته‏!‏ مسور مخلاف باليمن بها قرى كثيرة ومزارع وأودية كثيرة من خواصها العجيبة أن البر والشعير والذرة يبقى بها مدة طويلة لا يتغير وذكر أنهم ادخروا حنطة فرأوها بعد ثلاثين سنة ولم يتغير منها شيء‏.‏
مقدشو مدينة في أول بلاد الزنج في جنوبي اليمن على ساحل البحر‏.‏
وأهلها عرباء لا سلطان لهم ويدبر أمرهم المتقدمون على الاصطلاح وحكى التجار أنهم يرون بها القطب الجنوبي مقارباً لوسط السماء وسهيلاً ولا يرون القطب الشمالي البتة وانهم يرون هناك شيئاً مقدار جرم القمر شبه قطعة غيم بيضاء لا يغيب أبداً ولا يبرح مكانه يحمل منها الصندل والآبنوس والعنبر والعاج إلى غيرها من البلاد‏.‏
مقرى
قرية على مرحلة من صنعاء بها معدن العقيق ونيله من أجود أنواع العقيق حكى معالجوه أنهم يجدون قطعة نحو عشرين مناً فيكسر ويلقى في الشمس عند شدة الحر ثم يسجر له التنور بأبعار الإبل ويجعلونه في شيء يكنه عن ملامسة النار فسير منه ماء يجري في مجرى وضعوه له ثم يستخرجونه لم يبق منه إلا الجوهر وما عداه صار رماداً‏.‏
مهرة
أرض باليمن قال ابن الفقيه‏:‏ بها شجرة إذا كانت الأشهر الحرم هطل منها الماء فيمتليء منه الحياض والمصانع وإذا مرت الأشهر الحرم انقطع الماء‏.‏
منها النجائب المهرية وانها كريمة جداً ذكر أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله باليمن ليشتري له نجائب مهرية فطلبوا فلم يجدوا شيئاً فقدم رجل من بجيلة على جمل عظيم الهامة فساوموه فقال‏:‏ لا أبيعه فقالوا‏:‏ لا نغصبك ولا ندعك لكن نحبسك ونكاتب أمير المؤمنين حتى يأتينا أمره‏!‏ فقال‏:‏ هلا خيراً من هذا قالوا‏:‏ وما هو قال‏:‏ معكم نجائب كرام وخيل سبق دعوني حتى أركب جملي واتبعوني فإن لحقتموني فهو لكم بغير ثمن ثم قال‏:‏ تأهبوا‏.‏
فصاح في أذنه ثم أثاره‏.‏
فوثب وثبة شديدة فتبعوه فلم يدركوه‏.‏قال الليث‏:‏ هو أرض بين اليمن وجبال يبرين من محال عاد فلما أهلكوا أورث الله أرضهم الجن فلا يتقاربها أحد من الناس‏.‏
قال أهل لاسير‏:‏ هي مسماة بوبار بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام وهي ما بين الشحر إلى صنعاء زهاء ثلاثمائة فرسخ في مثلها‏.‏
قال أحمد بن محمد الهمذاني‏:‏ وبار كانت أكثر الأرضين خيراً وأخصبها ضياعاً وأكثرها شجراً ومياهاً وثمراً فكثرت بها القبائل وعظمت أموالهم وكانوا ذوي أجسام فأشروا وبطروا لم يعرفوا حق نعم الله تعالى عليهم فبدل الله تعالى خلقهم وصيرهم نسناساً لأحدهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فخرجوا يرعون في تلك الغياض على شاطيء البحر كما ترى البهائم وهم فيما بين وبار وأرض الشحر وأطراف اليمن يفسدون الزرع فيصيدهم أهل تلك الديار بالكلاب ينفرونهم عن زروعهم وحدائقهم‏.‏
حكى ابن الكيس النمري قال‏:‏ كنا في رفقة أضللنا الطريق فوقعنا في غيضة على ساحل البحر لا يدرك طرفاه فإذا أنا بشيخ طويل كالنخلة له نصف رأس ونصف بدن وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فأسرع مثل حضر الفرس العتيق وهو يقول‏:‏ فررت من جور الشّراة شدّا إذ لم أجد من الفرار بدّا زعم العرب أن سكان أرض وبار جن ولا يدخلها إنسي أصلاً فإن دخلها غالظاً أو عامداً حثوا في وجهه التراب فإن أبى إلا الدخول خبلوه أو قتلوه أو ضل فيها ولا يعرف له خبر ولهذا قال الفرزدق‏:‏ ولقد ضللت أباك تطلب دارماً كضلال ملتمسٍ طريق وبار لا تهتدي به أبداً ولو بعثت به بسبيل واردةٍ ولا آثار منها الإبل الحوشية تزعم العرب أنها التي ضربها إبل الجن وهي إبل لم ير أحسن منها قال الشاعر‏:‏ كأني على حوشيّةٍ أو نعامةٍ لها نسبٌ في الطّير أو هي طائر حكي أن رجلاً من أهل اليمن يوماً رأى في إبله فحلاً كأنه كوكب بياضاً وحسناً فأقره فيها تى ضرب إبله فلما لقحها لم يره حتى كان العام المقبل وقد نتجت النوق أولاداً لم ير أحسن منها وهكذا في السنة الثانية والثالثة‏.‏
فلما ألقحها وأراد الانصراف هدر فاتبعه سائر ولده فتبعها الرجل حتى وصل إلى أرض وبار فرأى هناك أرضاً عظيمة وبها من الإبل الحوشية والبقر والحمير والظباء ما لا يحصى كثرةً ورأى نخلاً كثيراً حاملاً وغير حامل والتمر ملقى حول النخل قديماً وحديثاً بعضه على بعض ولم ير أحداً من الناس فبينا هو كذلك إذ أناه آت من الجن وقال له‏:‏ ما وقوفك ها هنا فقص عليه قصته وما كان من الإبل فقال له‏:‏ لو كنت فعلت ذلك على معرفة لقتلتك‏!‏ وإياك والمعاودة فإن ذاك لفحل من إبلنا عمد إلى أولاده فجاء بها‏.‏
وأعطاه جملاً وقال‏:‏ انج بنفسك وهذا الجمل لك‏.‏
قالوا‏:‏ إن النجائب المهرية من نسل ذلك الجمل‏.‏
ورور حصن منيع في جبال صنعاء من استولى عليه يختل دماغه يدعي نبوة أو خلافة أو سلطنة ولما استولى عليه عبد الله بن حمزة الزيدي ادعى الإمامة وأجابه خلق من اليمن زعم أنه من ولد أحمد بن الحسين بن القاسم بن إسمعيل ابن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ورواة الأنساب يقولون‏:‏ ان أحمد لم يعقب وكان ذا لسان وبلاغة وله تصانيف في مذهب الزيدية وله أشعار منها‏:‏ لا تحسبوا أنّ صنعا جلّ مأربتي ولا ذمار إذا أشمتّ حسّادي واذكر إذا شئت تشجيني وتطريبي كرّ الجياد على أبواب بغداد اليمن بلاد واسعة من عمان إلى نجران تسمى الخضراء لكثرة أشجارها وزروعها تزرع في السنة أربع مرات ويحصد كل زرع في ستين يوماً وتحمل أشجارهم في السنة مرتين‏.‏
وأهلها أرق الناس نفوساً وأعرفهم للحق سماهم الله تعالى الناس حيث قال‏:‏ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ إني لأجد نفس الرحمن من صوب اليمن‏.‏
أراد به نصرة الأوس والخزرج‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ الإيمان يمان والحكمة يمانية‏.‏
قال الأصمعي‏:‏ أربعة أشياء قد ملأت الدنيا ولا تكون إلا باليمن‏:‏ الورس والكندر والخطر والعقيق‏.‏
وبها الأحقاف وهي الآن تلال من الرمل بين عدن وحضرموت وكانت مساكن عاد أعمر بلاد الله وأكثرها عمارة وزرعاً وشجراً فلما سلط الله تعالى عليهم الريح طمها بالرمل وهي إلى الآن تحت تلك الأحقاف جعلها الله تعالى عبرة للناظرين وخبرة للغابرين كما قال تعالى‏:‏ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها‏.‏
وبها قصران من قصور عاد ولما بعث معاوية عبد الرحمن بن الحكم إلى اليمن والياً بلغه أن بساحل عدن قصرين من قصور عاد وان في بحرها كنزاً فطمع فيه وذهب في مائة فارس إلى ساحل عدن إلى أقرب القصرين فرأى ما حولهما من الأرض سباخاً بها آثار الآبار ورأى قصراً مبنياً بالصخر والكلس وعلى بعض أبوابه صخرة عظيمة بيضاء مكتوب عليها‏:‏ غنينا زماناً في عراضة ذا القصر بعيشٍ رخيٍّ غير ضنكٍ ولا نزر يفيض علينا البحر بالمدّ زاخراً وأنهارنا بالماء مترعةٌ تجري خلال نخيلٍ باسقاتٍ نواضرٍ تأنّق بالقسب المجزّع والتّمر ونصطاد صيد البرّ بالخيل والقنا وطوراً نصيد النّون من لجج البحر ونرفل في الخزّ المرقّم تارةً وفي القزّ أحياناً وفي الحلل الخضر يلينا ملوكٌ يبعدون عن الخنا شديدٌ على أهل الخيانة والغدر يقيم لنا من دين هودٍ شرائعاً ويؤمن بالآيات والبعث والنّشر إذا ما عدوّ حلّ أرضاً يريدنا برزنا جميعاً بالمثقّفة السّمر نحامي على أولادنا ونسائنا على الشّهب والكمت المعانيق والشّقر نقارح من يبغي علينا ويعتدي بأسيافنا حتى يولّون بالدّبر ثم مضى إلى القصر الآخر وبينهما أربعة فراسخ فرأى حوله آثار الجنان والبساتين‏.‏
قال‏:‏ غنينا بهذا القصر دهراً فلم يكن لنا همّةٌ إلاّ التّلذّذ والقصف يروح علينا كلّ يومٍ هنيدةٌ من الإبل يعشو في معاطنها الطّرف وأضعاف تلك الإبل شاءٌ كأنّها من الحسن آرامٌ أو البقر القطف فعشنا بهذا القصر سبعة أحقبٍ بأطيب عيشٍ جلّ عن ذكره الوصف فجاءت سنونٌ مجدباتٌ قواحلٌ إذا ما مضى عامٌ أتى آخرٌ يقفو فظلنا كأن لم تغن في الخير لمحةٌ فماتوا ولم يبق خفٌّ ولا ظلف كذلك من لم يشكر الله لم تزل معالمه من بعد ساحته تعفو قال‏:‏ فعجبنا من ذلك ثم مضينا إلى الساحل الذي ذكر أن فيه كنزاً فأمرنا الغواصين فغاصوا وأخرجوا جراراً من صفر مطبقة بصفر فلم نشك انه مال حتى جمعت جرار كثيرة ففتحنا بعضها فخرج منها شيطان وقال‏:‏ يا ابن آدم إلى متى تحبسنا فبينا نحن نتعجب من ذلك إذ رأينا سواداً عظيماً أقبل من جزيرة قريبة من الساحل ففزعنا فزعاً فاقتحم الماء وأقبل نحونا فإذا هي قردة قد اجتمع منها ما لا يعلم عددها إلا الله‏.‏
وكانت تلك الجزيرة مأواها وأمامها قرد عظيم في عنقه لوح حديد معلق بسلسلة فأقبل إلينا ورفع اللوح نحونا فأخذنا اللوح من عنقه فإذا فيه كتابة بالسريانية وكان معنا من يحسن قراءتها فقرأها فإذا هي‏:‏ بسم الله العظيم الأعظم‏.‏
هذا كتاب من سليمان بن داود رسول الله لمن في هذه الجزيرة من القردة إني قد أمرتهم بحفظ هؤلاء الشياطين المحبسين في هذه الناحية في هذه الجرار الصفر وجعلت لهن أماناً من جميع الجن والإنس فمن أرادهن أو عرض لهن فهو بريء مني وأنا بريء منه في الدنيا والآخرة‏.‏
فأردنا أن نمضي باللوح إلى معاوية لينظر إليه فلما ولينا وقفت القردة كلها أمامنا وحاصرتنا وضجت ضجة فرددنا اللوح إليها فأخذته واقتحمت الماء وعادت إلى الجزيرة‏.‏
ومن عجائب اليمن ما ذكر ابن فنجويه أن بأرض عاد تمثالاً على هيئة فارس‏.‏
ومياه تلك الأرض كلها ملحة فإذا دخلت الأشهر الحرم يفيض من ذلك التمثال ماء كثير عذب لا يزال يجري إلى انقضاء الأشهر الحرم وقد تطفحت حياضهم من ذلك الماء فيكفيهم إلى تمام السنة قال الشاعر‏:‏ وبأرض عادٍ فارسٌ يسقيهم بالعين عذباً كالفرات السّائح في الأشهر الحرم العظيمة قدرها يغنون عن شرب الزّعاق المالح فإذا انقضى الشّهر الحرام تطفّحت تلك الحياض بماء عين السّافح وبها جبل الشب وعلى رأس هذا الجبل ماء يجري من كل جانب وينعقد حجراً قبل أن وبها جبل شبام قال محمد بن أحمد بن إسحاق الهمذاني‏:‏ إنه جبل عظيم بقرب صنعاء بينها وبينه يوم واحد وهو صعب المرتقى ليس إليه إلا طريق واحد وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة مزارع وكروم ونخيل والطريق إليها في دار الملك وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك فمن أراد النزول إلى السهل استأذن الملك حتى يأذن بفتح الباب له وحول تلك الضياع والكروم جبال شاهقة لا تسلك ولا يعلم أحد ما وراءها إلا الله‏.‏
ومياه هذا الجبل تنسكب إلى سد هناك فإذا امتلأ السد ماء فتح ليجري إلى صنعاء ومخاليفها‏.‏
وبها جبل كوكبان إنه بقرب صنعاء عليه قصران مبنيان بالجواهر يلمعان بالليل كالكوكبين ولا طريق إليهما‏.‏
قيل‏:‏ إنهما من بناء الجن‏.‏
وبها نهر اليمن قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بأرض اليمن نهر عند طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب وعند غروبها من المغرب إلى المشرق‏.‏
وبها العلس وهو نوع من الحنطة حبتان منه في كمام لا يوجد إلا باليمن وهو طعام أهل صنعاء‏.‏
وبها الورس وهو نبت له خريطة كما للسمسم ذكروا انه يزرع سنة ويبقى عشرين سنة‏.‏
وبها الموز وهي ثمرة شبيهة بالعنب إلا أنه حلو دسم لا تحمل شجرتها إلا مرة واحدة‏.‏وبها نوع من الكمثرى من أكل منها واحدة يطلق عشر مرات وان أكل اثنتين يطلق عشرين مرة وإن أكل ثلاثاً يطلق ثلاثين‏.‏
ويتخذ منه عسل يلعق منه صاحب القولنج فينفتح في الحال‏.‏
ويجلب منها سيوف ليس في شيء من البلاد مثلها ويجلب منها البرود اليمانية وقرودها أخبث القرود وأسرع قبولاً للتعليم‏.‏
وبها الغدار وهو نوع من المتشيطنة يوجد بأكناف اليمن يلحق الإنسان ويقع عليه فإذا أصيب الإنسان منه يقول أهل تلك النواحي‏:‏ أمنكوح هو أم مذعور فإن قالوا منكوح أيسوا منه وإن كان مذعوراً سكن روعه وشجع ومن الناس من لم يكترث به لشجاعة نفسه‏.‏
وحكي عن الشافعي أنه قال‏:‏ دخلت بلدة من بلاد اليمن فرأيت فيها إنساناً من وسطه إلى أسفله بدن امرأة ومن وسطه إلى فوقه بدنان متفرقان بأربع أيد ورأسين ووجهين وهما يتلاطمان مرة ويصطلحان أخرى ويأكلان ويشربان‏.‏
ثم غبت عنهما سنين ورجعت فسألت عنها فقيل لي‏:‏ أحسن الله عزاءك في أحد الجسدين‏!‏ توفي فربط من أسفله بحبل حتى ذبل ثم قطع والجسد الآخر تراه في السوق ذاهباً وجائياً‏.‏
ومنها أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان اليماني افتخار اليمن كان من أعلم الناس بالحلال والحرام له نسل بقزوين مشايخ وعلماء إلى الآن وهو جدي من قبل الأم ذكر يوسف بن اسباط أن طاووساً مر بنهر سلطاني فهمت بغلته أن تشرب منه فمنعها‏.‏
وذكر بشر بن عبد الله أن طاووساً مر بالسوق فرأى رؤوساً مشوية بارزة الأسنان فلم ينعس تلك الليلة وقال إن الله تعالى يقول‏:‏ تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون‏.‏
وقال منعم بن ادريس‏:‏ صلى طاووس اليماني صلاة الفجر بوضوء العتمة أربعين سنة‏.‏
توفي سنة ست ومائة بمكة قبل يوم التروية عن بضع وتسعين سنة‏.‏
وكان الناس يقولون‏:‏ رحم الله أبا عبد الرحمن حج أربعين حجة وصلى عليه هشام بن عبد الملك وهو خليفة حج تلك السنة‏.‏
ومنها أويس بن عامر القرني‏.‏
روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لله تعالى من خلقه الأصفياء الأحفياء الشعثة شعورهم الغبرة وجوههم الخمصة بطونهم الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذنوا وإن خطبوا المنعمات لم ينكحوا وإن غابوا لم يفتقدوا وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم وإن مرضوا لم يعادوا وإن ماتوا لم يشهدوا‏.‏
قالوا‏:‏ يا رسول الله كيف لنا برجل منهم قال‏:‏ ذاك أويس القرني‏!‏ قالوا‏:‏ وما أويس القرني قال‏:‏ أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين الكتفين معتدل القامة آدم شديد الأدمة ضارب بذقنه إلى صدره رام ببصره إلى موضع سجوده واضع بيمينه على شماله يتلو القرآن يبكي على نفسه ذو طمرين لا يؤبه له متزر بإزار صوف ورداء صوف مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء لو أقسم على الله لأبر قسمه‏!‏ الا وان تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء الا وانه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد‏:‏ ادخلوا الجنة وقيل لأويس‏:‏ قف واشفع‏!‏ يشفعه الله عز وجل في مثل عدد ربيعة ومضر‏.‏
يا عمرو ويا علي إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما‏.‏
فكانا يطلبانه عشرين سنة فلما كان سنة هلك فيها عمر قام على أبي قبيس ونادى بأعلى صوته‏:‏ يا أهل الحجيج من اليمن أفيكم أويس فقام شيخ كبير وقال‏:‏ إنا لا ندري ما أويس لكن لي ابن أخ يقال له أويس هو أخمل ذكراً وأقل مالاً وأهون أمراً من أن نرفعه إليك‏!‏ وإنه ليرعى إبلنا حقين بين أظهرنا‏!‏ فقال له عمر‏:‏ إن ابن أخيك هذا عزمنا‏!‏ قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ فأين يصاب قال‏:‏ بأراك عرفات‏.‏
فركب عمر وعلي سراعاً إلى عرفات فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة والإبل حوله ترعى فأقبلا إليه وقالا‏:‏ السلام عليك ورحمة الله وبركاته‏!‏ فرد عليهما جواب السلام‏.‏
قالا له‏:‏ من الرجل قال‏:‏ راعي إبل وأجير قوم‏!‏ قالا‏:‏ ما اسمك قال‏:‏ عبد الله‏.‏
قالا‏:‏ اسمك الذي سمتك أمك به قال‏:‏ يا هذان ما تريدان إلي قالا‏:‏ وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أويساً القرني وقد عرفنا الصهوبة والشهولة أخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء أوضحها لنا‏.‏
فأوضح منكبه فإذا اللمعة فابتدرا يقبلانه وقالا‏:‏ نشهد أنك أويس القرني‏!‏ فاستغفر لنا يغفر الله لك‏!‏ فقال‏:‏ ما أخص باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم ولكنه من في البحر والبر من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات‏.‏
يا هذان قد شهر الله لكما حالي وعرفكما أمري فمن أنتما قال علي‏:‏ أما هذا فعمر أمير المؤمنين وأما أنا فعلي بن أبي طالب‏!‏ فاستوى أويس وقال‏:‏ السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته وعليك يا علي بن أبي طالب فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً‏!‏ قالا‏:‏ وأنت جزاك الله عن نفسك خيراً‏!‏ فقال له عمر‏:‏ مكانك يرحمك الله حتى أدخل مكة وآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي هذا المكان ميعاد بيني وبينك‏.‏
فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك لا أراك بعد اليوم تعرفني ما أصنع بالنفقة وما أصنع بالكسوة أما ترى علي إزاراً ورداء من صوف متى تراني أبليهما أما ترى أني أخذت رعائي أربعة دراهم متى تراني آكلها يا أمير المؤمنين إن بيتي يدي ويديك عقبة كؤوداً لا يجاوزها إلا ضامر مخف مهزول‏!‏ فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرته الأرض ثم قال بأعلى صوته‏:‏ يا ليت عمر لم تلده أمه‏!‏ يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها‏!‏ قال‏:‏ يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ها هنا فولى عمر نحو ناحية مكة وساق أويس إبله فأتى القوم بإبلهم وخلى الرعاية وأقبل على العبادة‏.‏
وحكي أن أويساً إذا خرج يرميه الصبيان بالحجارة وهو يقول‏:‏ إن كان لا بد فبالصغار حتى لا تدموا ساقي فتمنعوني من الصلاة‏.‏
وحدث عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنه نادى يوم صفين رجل من أهل الشام‏:‏ أفيكم أويس القرني قلنا‏:‏ نعم‏!‏ ما تريد منه قال‏:‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أويس القرني خير التابعين بإحسان‏.‏
وعطف دابته ودخل مع أصحاب علي فنادى مناد في القوم‏:‏ أويس‏!‏ فوجد في قتلى علي كرم الله وجهه‏.‏
ومنها أبو عبد الله وهب بن منبه وكان الغالب عليه قصص الأنبياء وأخبار القرون الماضية والوعظ قال‏:‏ قرأت في بعض الكتب أن منادياً ينادي من السماء الرابعة كل صباح‏:‏ أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده‏!‏ أبناء الخمسين ماذا قدمتم وماذا أخرتم أبناء الستين لا عذر لكم‏!‏ ليت الخلق لم يخلقوا وإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا‏.‏
قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم قال منعم بن ادريس‏:‏ إن وهب بن منبه صلى أربعين سنة صلاة الفجر بوضوء العشاء‏.‏
مات سنة أربع عشرة ومائة‏.‏
هذا آخر ما عرفناه من الإقليم الأول‏.‏
الاقليم الثاني
هو حيث يكون ظل الاستواء في أوله نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدمين وثلاثة أخماس قدم وآخره حيث يكون ظل الاستواء فيه نصف النهار ثلاثة أقدام ونصف وعشر سدس قدم يبتديء من المشرق فيمر على بلاد الصين وبلاد الهند والسند ويمر بملتقى البحر الأخضر ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة والبحرين ثم يقطع بحر القلزم ونيل مصر إلى أرض المغرب‏.‏
ويكون أطول نهار هؤلاء في أول الإقليم ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة وآخره ثلاث عشرة ساعة ونصف وربع وأوسطه ثلاث عشرة ساعة ونصف وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف وثلاثمائة واثنا عشر ميلاً واثنتان وأربعون دقيقة وعرضه أربعمائة ميل وميلان واحدى وخمسون دقيقة ومساحتها مكسراً ثلاثة آلاف الف وستمائة ألف ميل وتسعون ألف ميل وثلاثمائة وأربعون ميلاً وأربع وخمسون دقيقة وأما المدن الواقعة فيها فسنذكرها مرتبة على حروف المعجم ما انتهى خبرها إلينا والله المستعان‏.‏
الأبلق
حصن السموأل بن عاديا اليهودي الذي يضرب به مثل الوفاء والحصن يسمى الابلق الفرد لأنه كان في بنائه بياض وحمرة وهو بين الحجاز والشام على تل من تراب والآن بقي على التل آثار الأبنية القديمة بناه أبو السموأل عاديا اليهودي‏.‏
يقال‏:‏ أوفى من السموأل‏.‏
وكان من قصته أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما قتل أبوه مر إلى قيصر يستنجده على قتلة أبيه وكان اجتيازه على الأبلق الفرد فرآها قلعة حصينة ذاهبة نحو السماء وكان معه أدراع تركها عند السموأل وديعة وذهب‏.‏
فبلغ هذا الخبر الحرث بن ظالم الغساني فسار نحو الأبلق لأخذ الدروع فامتنع السموأل من تسليمها إليه فظفر بابن السموأل وكان خارج الحصن يتصيد فجاء به إلى أسفل الحصن وقال‏:‏ إن دفعت الدروع إلي وإلا قتلت ابنك‏!‏ فقال السموأل‏:‏ لست أخفر ذمتي فاصنع ما شئت‏!‏ فذبحه والسموأل ينظر إليه وانصرف الملك على يأس‏!‏ فضرب العرب المثل في الوفاء‏.‏
وقال السموأل‏:‏
بنى لي عاديا حصناً حصيناً ** وماءً كلّما شئت استقيت
رفيعاً تزلق العقبان عنه ** إذا ما نابني ضيمٌ أبيت
وأوصى عاديا قدماً بأن لا ** تهدّم يا سموأل ما بنيت
أجأ وسلمى
جبلان بأرض الحجاز وبها مسكن طيء وقراهم‏.‏
موضع نزه كثير المياه والشجر‏.‏
قيل‏:‏ أجأ اسم رجل وسلمى اسم امرأة كانا يألفان عند امرأة اسمها معروجا فعرف زوج سلمى بحالهما فهربا منه فذهب خلفهما وقتل سلمى على جبل سلمى وأجأ على جبل أجأ ومعروجا على معروجا فسميت المواضع بهم وقال الكلبي‏:‏ كان على أجأ أنف أحمر كأنه تمثال إنسان يسمونه فلساً كان طيء يعبدونه إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء الإسلام بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في مائة وخمسين من الأنصار فكسروا فلساً وهدموا بيته وأسروا بنت حاتم‏.‏
ينسب إليها أبو سليمان داود بن نصير الطائي الزاهد العابد قيل إنه سمع امرأة عند قبر تقول‏:‏ مقيمٌ إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلىً في كلّ يومٍ وليلةٍ وتبقى كما تبلى وأنت حبيب كان ذلك سبب توبته‏.‏
وقيل‏:‏ إنه ورث من أبيه أربعمائة درهم أنفها ثلاثين سنة وصام أربعين سنة ما علم أهله أنه صائم‏.‏
وكان حرازاً يأخذ أول النهار غداءه معه إلى الدكان ويتصدق به في الطريق ويرجع آخر النهار يتعشى في بيته ولا يعلم أهله أنه كان صائماً‏.‏
وكان له داية قالت‏:‏ يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز قال‏:‏ يا داية بين أكل الخبز وشرب القنيت أقرأ خمسين آية‏!‏ وقال حفص بن عمر الجعفي‏:‏ إن داود الطائي مر بآية يذكر فيها النار فكررها في ليلة مراراً فأصبح مريضاً فوجدوه مات ورأسه على لبنة سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي‏.‏
وينسب إليها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المفلق فاق على كل من كان بعده بفصاحة اللفظ وجزالة المعنى قيل إنه أنشد قصيدته في مدح المعتصم‏:‏ ما في وقوفك ساعةً من باس تقضي ذمام الأربع الدّرّاس فلما انتهى إلى المديح قال‏:‏ إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ في حلم أحنف في ذكاء إياس قال بعض الحاضرين‏:‏ مه‏!‏ من هؤلاء حتى تشبه الخليفة بهم فأطرق أبو تمام هنيةً ثم رفع رأسه وقال‏:‏ لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في النّدى والباس فالله قد ضرب الأقلّ لنوره مثلاً من المشكاة والنّبراس وحكى البحتري أنه دخل على بعض الولاة ومدحه بقصيدة قرأها عليه قال‏:‏ فلما تممتها قال رجل من الحاضرين‏:‏ يا هذا أما تستحي تأتي بشعري وتنشده بحضوري قلت‏:‏ تعني أن هذه القصيدة لك قال‏:‏ خذها‏!‏ وجعل يعيدها إلى آخرها‏.‏
قال‏:‏ فبقيت لا أرى بعيني شيئاً واسود وجهي فقمت حتى أخرج فلما شاهد مني تلك الحالة قام وعانقني وقال‏:‏ الشعر لك وأنت أمير الشعراء بعدي‏!‏ فسألت عنه قالوا‏:‏ هو أبو تمام الطائي‏.‏
وينسب إليها حاتم الطائي وكان جواداً شاعراً شجاعاً إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب وإذا سئل وهب وكان أقسم بالله أن لا يقتل واحد أمه وكان يقول لعبده يسار إذا اشتد كلب الشتاء‏:‏ أوقد فإنّ اللّيل ليلٌ قرٌّ والرّيح يا واقد ريحٌ صرّ عسى يرى نارك من يمرّ إن جاءنا ضيفٌ فأنت حرّ وقالوا‏:‏ لم يكن يمسك إلا فرسه وسلاحه‏.‏
وحكي أنه اجتاز في سفره على عترة فرأى فيهم أسيراً فاستغاث بحاتم فاشتراه من العتريين وقام مقامه في القد حتى أدى فكاكه‏.‏
ومن العجب ما ذكر أن قوماً نزلوا عند قبر حاتم وباتوا هناك وفيهم رجل يقال له أبو الخيبري يقول طول ليله‏:‏ يا حفر اقر أضيافك‏!‏ فقيل له‏:‏ مهلاً ما تكلم من رمة بالية‏!‏ فقال‏:‏ إن طيئاً يزعم أنه لم ينزل به أحد إلا قراه‏!‏ فلما نام رأى في نومه كأن حاتماً جاء ونحر راحلته فلما أصبح جعل يصيح‏:‏ وا راحلتاه‏!‏ فقال أصحابه‏:‏ ما شأنها قال‏:‏ عقرها حاتم بسيفه والله وأنا أنظر إليها حتى عقرها‏!‏ فقالوا‏:‏ لقد قراك‏!‏ فظلوا يأكلونها واردفوه فاستقبلهم في اليوم الثاني راكب قارن جملاً فإذا هو عدي بن حاتم فقال‏:‏ أيكم أبو الخيبري قالوا‏:‏ هذا‏.‏
فقال‏:‏ إن أبي جاني في النوم وذكر شتمك إياه وأنه قد قرى براحلتك أصحابك وقال في ذلك أبياتاً وهي هذه‏:‏ أبا الخيبريّ وأنت امرؤ حسود العشيرة شامها لماذا عمدت إلى رمّةٍ بدوّيّةٍ صخبٍ هامها تبغي أذاها وإعسارها وحولك غوثٌ وأنعامها وإنّا لنطعم أضيافنا من الكوم بالسّيف نعتامها وأمرني ببعير لك فدونكه‏!‏ فأخذه وركبه وذهب مع أصحابه‏.‏
وقال ابن دارة لما مدح عدياً‏:‏ أبوك أبو سفّانة الخير لم يزل لدن شبّ حتّى مات في الخير راغبا قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ولم يقر قبرٌ قبله قطّ راكبا ارام مدينة بأرض هند فيها هيكل فيه صنم مضطجم يسمع منه في بعض الأوقات صفير فيرى قائماً فإذا فعل ذلك كان دليلاً على الرخص والخصب في تلك السنة وإن لم يفعل يدل على الجدب والناس يمتارون من المواضع البعيدة ذكره صاحب تحفة الغرائب‏.‏
البحرين
ناحية بين البصرة وعمان على ساحل البحر بها مغاص الدر ودره أحسن الأنواع وينتقل إليها قفل الصدف في كل سنة من مجمع البحرين يحمل الصدف بالدر بمجمع البحرين ويأتي إلى البحرين ويستوي خلقه ها هنا وإذا وصل قفل الصدف يهنيء الناس بعضهم بعضاً وليس لأحد من الملوك مثل هذه الغلة ومن سكن بالبحرين يعظم طحاله وينتفخ بطنه ولهذا قال الشاعر‏:‏ ومن سكن البحرين يعظم طحاله ويعظم فيها بطنه وهو جائع وبها نوع من البسر من شرب من نبيذه وعليه ثوب أبيض صبغه عرقه حتى كأنه ثوب أحمر‏.‏ينسب إليها القرامطة أبو سعيد وأبو طاهر خالفوا ملة الإسلام وقتلوا الحجاج ونهبوا سلب الكعبة وخروجهم سنة خمس وسبعين ومائتين في عهد المعتمد بن المتوكل وقلعوا الحجر الأسود وأخذوه وبعث إليهم الخليفة العباس بن عمرو الغنوي في عسكر كثيف قتلوا الجميع وأسروا العباس ثم أطلقوه وحده حتى يخبر الناس بما جرى عليهم والحجر الأسود بقي عندهم سنين حتى اشتراه المطيع بالله بأربعة وعشرين ألف دينار ورده إلى مكانه‏.‏
حكي أن بعض القرامطة قال لبعض علما الإسلام‏:‏ عجبت من عقولكم‏!‏ بذلتم مالاً كثيراً في هذا الحجر فما يؤمنكم انا ما أمسكناه ورددنا إليكم غيره فقال العالم‏:‏ لنا في ذلك علامة وهي أنه يطفو على الماء ولا يرسب‏!‏ فألقمه الحجر‏.‏
بدر
موضع بين مكة والمدينة بها الواقعة المباركة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين وحضر فيها الملائكة والجن والانس والمسلمون كلهم‏.‏
وبها بئر ألقي فيها قتلى المشركين فدنا منها رسول الله عليه السلام وقال‏:‏ يا عتبة يا شيبة هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فقيل‏:‏ يا رسول الله هل يسمعون كلامنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
تبت
بلاد متاخمة للصين من إحدى جهاته وللهند من أخرى مقدار مسافتها مسيرة شهر بها مدن وعمارات كثيرة ولها خواص عجيبة في هوائها ومائها وأرضها من سهلها وجبلها ولا تحصى عجائب أنهارها وثمارها وآبارها‏.‏
وهي بلاد تقوى بها طبيعة الدم فلهذا الغالب على أهلها الفرح والسرور فلا يزال الإنسان بها ضاحكاً فرحاً لا يعرض له الهم والحزن ولا يكاد يرى بها شيخ حزين أو عجوز كئيبة بل الطرب في الشيوخ والكهول والشبان عام حتى يرى ذلك في وجه بهائمهم أيضاً وفي أهلها رقة طبع وبشاشة وأريحية تبعث على كثرة استعمال الملاهي وأنواع الرقص حتى ان أحدهم لو مات لا يدخل أهله كثير حزن‏.‏
وبها معدن الكبريت الأحمر الذي في الدنيا قليل من ظفر به فقد ظفر بمراده‏.‏
وبها جبل السم وهو جبل من مر به يضيق نفسه فإما يموت أو يثقل لسانه‏.‏
وبها ظباء المسك وانها في صورة ظباء بلادنا إلا أن لها نابين كنابات الخنازير وسرتها مسك ولكن مسك ظباء تبت أحسن أنواع المسك لأن ظباءها ترعى النسبل وأهل تبت لا يتعرضون للمسك حتى ترميه الغزال وذلك أنه يجتمع الدم في سرتها مثل الخراج فإذا تم ذلك الخراج تأخذ الغزال شبه الحكة فإذا رأت حجراً حاداً تحك به سرتها والدم ينفجر منها والغزال تجد بذلك لذة فتحك حتى تنصب المادة كلها من السرة وتقع على ذلك الحجر وأهل تبت يتبعون مراعيها فإذا وجدوا تلك المادة المنفجرة على الحجر أخذوها وأودعوها النوافج فإنها أحسن أنواع المسك لبلوغ نضجه وإن ذلك يكون عند ملوكهم يتهادون به قل ما يقع منه بيد التجار‏.‏
وبها فارة المسك وهي دويبة تصاد وتشد سربها شداً وثيقاً فيجتمع فيها الدم ثم يذبحونها ويقورون سرتها ويدفنونها في وسط الشعير أياماً فيجمد الدم فيها فيصير مسكاً ذكياً بعدما كان نتن الرائحة وهي أحسن أنواع المسك وأعزها وأيضاً في بيوتهم جرذان سود لها رائحة المسك ولا يحصل من سرتها شيء ينتفع به‏.‏
وأهل تبت ترك من نسل يافث بن نوح عليه السلام وبها قوم من حمير من نسل من حملهم إليها في زمن التبابعة‏.‏
تكناباذ
ناحية من أعمال قندهار في جبالها حجر إذا ألقي على النار ونظر إليه شيء من الحيوان ينتفخ بدنه حتى يصير ضعف ما كان‏.‏حكى لي الأمير حسام الدين أبو المؤيد نعمان أن تلك الخاصية في المرة الأولى كراكب البحر فإنه في المرة الأولى يغشاه الدوار والغشيان وبعد ذلك لا يكون شيء من ذلك‏.‏
وقال الأمير أبو المؤيد‏:‏ حضرت عند بعض الأمراء بتلك الديار فأحضر عندنا مجمرة عليها عود فرأيت وجه من كان قاعداً عندي انتفخ وشخصت عيناه وتغير عليه الحال وتهوع فأمر أم المثوى بإزالة المجمرة متبسماً فرجع صاحبي إلى حاله‏!‏ قلت له‏:‏ ما الذي دهمك فإني رأيت منك على صفة كذا فقال لي‏:‏ وأنا أيضاً رأيت منك مثل ما رأيت مني‏!‏ فأخبرتنا أم المثوى أن هذا من خاصية هذا الحجر وأنا أردت أن أريكم شيئاً عجيباً‏.‏
جاجلى
مدينة بأرض الهند حصينة جداً على رأس جبل مشرف نصفها على البحر ونصفها على البر‏.‏
قالوا‏:‏ ما امتنع على الإسكندر شيء من بلاد الهند إلا هذه المدينة‏.‏
قال مسعر بن المهلهل‏:‏ أهل هذه المدينة كلها من الكواكب يعظمون قلب الأسد ولهم بيت رصد وحساب ومعرفة بعلم النجوم‏.‏
وعمل الوهم في طباعهم إذا أرادوا حدوث حادث صرفوا همتهم إليه وما زالوا به حتى حدث‏.‏حكي أن بعض ملوكهم بعث إلى بعض الأكاسرة هدايا فيها صندوقان مقفلان فلما فتحوهما كان في كل صندوق رجل قيل‏:‏ من أنتما قالا‏:‏ نحن إذا أردنا شيئاً صرفنا همتنا إليه فيكون‏.‏
فاستنكروا ذلك فقالا‏:‏ إذا كان للملك عدو لا يندفع بالسيف فنحن نصرف همتنا إليه فيموت‏!‏ فقالوا لهما‏:‏ اصرفا همتكما إلى موتكما‏.‏
قالا‏:‏ اغلقوا علينا الباب فأغلقوا ثم عادوا إليهما فوجدوهما ميتين فندموا على ذلك وعلموا أن قولهما صحيح‏.‏
وبهذه المدينة شجرة الدارصيني وهي شجر حر لا مالك له‏.‏
وأهل هذه المدينة لا يذبحون الحيوان ولا يأكلون السمك ومأكولهم البر والبيض‏.‏
جزيرة برطاييل جزيرة قريبة من جزائر الزانج قال ابن الفقيه‏:‏ سكانها قوم وجوههم كالمجان المطرقة وشعورهم كأذناب البراذين وبها الكركدن وبها جبال يسمع منها بالليل صوت الطبل والدف والصياح المزعجة والبحريون يقولون‏:‏ إن الدجال فيها ومنها يخرج‏.‏
وبها القرنفل ومنها يجلب وذلك أن التجار ينزلون عليها ويضعون بضائعهم وأمتعتهم على الساحل ويعودون إلى مراكبهم ويلبثون فيها فإذا أصبحوا ذهبوا إلى أمتعتهم فيجدون إلى جانب كل شيء من البضاعة شيئاً من القرنفل فإن رضيه أخذه وترك البضاعة وإن أخذوا البضاعة والقرنفل لم تقدر مراكبهم على السير حتى يردوا أحدهما إلى مكانه وإن طلب أحدهم الزيادة فترك البضاعة فترك البضاعة والقرنفل فيزاد له فيه‏.‏
وحكى بعض التجار أنه صعد هذه الجزيرة فرأى فيها قوماً مرداً وجوههم كوجوه الأتراك وآذانهم مخرمة ولهم شعورهم على زي النسا فغابوا عن بصره ثم إن التجار بعد ذلك أقاموا يترددون إليها ويتركون البضائع على الساحل فلم يخرج إليهم شيء من القرنفل فعلموا أن ذلك بسبب نظرهم إليهم ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه‏.‏
ولباس هذا القوم ورق شجر يقال له اللوف يأكلون ثمرتها ويلبسون ورقها‏.‏
ويأكلون حيواناً يشبه السرطان وهذا الحيوان إذا أخرج إلى البر صار حجراً صلداً وهو مشهور يدخل في الاكحال ويأكلون السمك والموز والنارجيل والقرنفل وهذا القرنفل من أكله رطباً لا يهرم ولا يشيب شعره‏.‏
جزيرة
جابة جزيرة في بحر الهند فيها قوم شقر وجوههم على صدورهم‏.‏
وبها جبل عليه نار عظيمة بالليل ودخان عظيم بالنهار ولا يقدر أحد على الدنو منه وبها العود والنارجيل والموز وقصب السكر‏.‏
جزيرة سقطرى
جزيرة عظيمة فيها مدن وقرى توازي عدن يجلب منها الصبر ودم الأخوين أما الصبر فصمغ شجرة لا توجد إلا في هذه الجزيرة وكان أرسطاطاليس كاتب الإسكندر يوصيه في أمر هذه الجزيرة لأجل هذا الصبر الذي فيه منافع كثيرة سيما في الايارجات فأرسل الإسكندر جمعاً من اليونانيتين إلى هذه الجزيرة فغلبوا من كان فيها من الهند وسكنوها‏.‏
فلما مات الإسكندر وظهر المسيح عليه السلام تنصروا وبقوا على التنصر إلى هذا الوقت وهم نسل الحكماء اليونانيين وليس في الدنيا والله أعلم قوم من نسل اليونانيتين يحفظون أنسابهم غير أولئك ولا يداخلون فيها غيرهم‏.‏
وطول هذه الجزيرة نحو ثمانين فرسخاً وفيها عشرة آلاف مقاتل نصارى‏.‏
جزيرة السلامط
جزيرة في بحر الهند يجلب منها الصندل والسنبل والكافور‏.‏
وبها مدن وقرى وزروع وثمار وفي بحرها سمكة إذا أدركت ثمار أشجار هذه الجزيرة تصعد السمكة أشجارها وتمص ثمارها مصاً ثم تسقط كالسكران فيأتي الناس يأخذونها‏.‏
وحكى صاحب تحفة الغرائب‏:‏ أن بهذه الجزيرة عيناً فوارة يفور الماء منها وينزل في ثقبة بقربها فما يبقى من الرشاشات على أطرافها ينعقد حجراً صلداً فما كان من الرشاشات في اليوم يصير حجراً أبيض وما كان في الليل يصير حجراً أسود‏.‏
جزيرة سيلان
جزيرة عظيمة بين الصين والهند‏.‏
دورتها ثمانمائة فرسخ وسرنديب داخل فيها وبها قرى ومدن كثيرة وعدة ملوك لا يدين بعضهم لبعض والبحر عندها يسمى شلاهط ويجلب منها الأشياء العجيبة‏.‏
وبها الصندل والسنبل والدارصيني والقرنفل والبقم وسائر العقاقير وقد يوجد من العقاقير ما لا يوجد في غيرها وقيل‏:‏ بها معادن الجواهر وانها جزيرة كثيرة الخير‏.‏
جزيرة الشجاع
جزيرة عامرة واسعة بها قرى ومدن وجبال وأشجار ولبلدانها أسوار عالية ظهر فيها شجاع عظيم يتلف مواشيهم وكان الناس منه في شدة شديدة فجعلوا له كل يوم ثورين وظيفة ينصبونهما قريباً من موضعه وهو يقبل كالسحاب الأسود وعيناه تقدان كالبرق الخاطف والنار تخرج من فيه فيبلع الثورين ويرجع إلى مكانه وإن لم يفعلوا ذلك قصد بلادهم وأتلف من الناس والمواشي والمال ما شاء الله فشكا أهل هذه الجزيرة إلى الإسكندر فأمر بإحضار ثورين وسلخهما وحشا جلدهما زفتاً وكبريتاً وكلساً وزرنيخاً وكلاليب حديد وجعلهما مكان الثورين على العادة فجاء الشجاع وابتلعهما واضطرم الكلس في جوفه وتعلقت الكلاليب بأحشائه فرأوه ميتاً فاتحاً فاه ففرح الناس بموته‏.‏
جزيرة القصر
في بحر الهند ذكروا أن فيها قصراً أبيض يتراءى للمراكب فإذا رأوا ذلك تباشروا بالسلامة والربح‏.‏
قيل‏:‏ إنه قصر شاهق لا يدرى ما في داخله وقيل‏:‏ فيها أموات وعظام كثيرة وقيل‏:‏ إن بعض ملوك العجم سار إليها فدخل القصر بأتباعه فوقع عليهم النوم وخدرت أجسامهم فبادر بعضهم إلى المراكب وهلك الباقون‏.‏
وحكي أن ذا القرنين رأى في بعض الجزائر أمة رؤوسهم رؤوس الكلاب وأنيابهم خارجة من فيهم‏.‏
خرجوا إلى مراكب ذي القرنين وحاربوها فرأى نوراً ساطعاً فإذا هو قصر مبني من البلور الصافي وهؤلاء يخرجون منه فأراد النزول عليه فمنعه بهرام الفيلسوف الهندي وعرفه ان من دخل هذا القصر يقع عليه النوم والغشي ولا يستطيع الخروج فيظفر به هؤلاء والبحر لا تحصى عجائبه‏.‏
الحجاز
حاجز بين اليمن والشام وهو مسيرة شهر قاعدتها مكة حرسها الله تعالى لا يستوطنها مشرك ولا ذمي كانت تقام للعرب بها أسواق في الجاهلية كل سنة فاجتمع بها قبائلهم يتفاخرون ويذكرون مناقب آبائهم وما كان لهم من الأيام ويتناشدون أشعارهم التي أحدثوا‏.‏
وكانت العرب إذا أرادت الحج أقامت بسوق عكاظ شهر شوال ثم تنتقل إلى سوق مجنة فتقيم فيه عشرين يوماً من ذي القعدة ثم تنتقل إلى سوق ذي المجار فتقيم فيه إلى الحج والعرب اجتمعوا في هذه المواسم فإذا رجعوا إلى قومهم ذكروا لقومهم ما رأوا وما سمعوا‏.‏
عن ابن عباس رضي الله عنه ان وفد اياد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏ أيكم يعرف قس بن ساعدة قالوا‏:‏ كلنا نعرفه‏.‏
قال‏:‏ ما فعل قالوا‏:‏ هلك‏!‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام على حمل أورق وهو يخطب الناس ويقول‏:‏ أيها الناس اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت إن في السماء لخبراً‏:‏ سحائب تمور ونجوم تغور في فلك يدور‏.‏
ويقسم قس قسماً ان لله ديناً هو أرضى من دينكم هذا‏!‏ ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ارضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا ثم قال‏:‏ أيكم يروي شعره فقال أبو بكر‏:‏ أنا أحفظه يا رسول الله فقال‏:‏ هات فأنشد‏:‏ في الذّاهبين الأوّلين من القرون لنا بصائر لمّا رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر لا يرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر قال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ ذكر قس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ رحم الله قساً إني لأرجو أن يأتي أمة واحدة‏.‏
حكى رجل من ثقيف انه رأى بسوق عكاظ رجلاً قصير القامة على بعير في حجم شاة وهو يقول‏:‏ أيها الناس هل فيكم من يسوق لنا تسعاً وتسعين ناقة ينطلق بها إلى أرض وبار فيؤديها إلى حماله صبار قال‏:‏ فاجتمع الناس عليه يتعجبون منه ومن كلامه وبعيره‏.‏
فلما رأى ذلك عمد إلى بعيره وارتفع في الهواء ونحن ننظر إليه إلى أن غاب عن أعيننا‏.‏
ويكثر لأهل الحجاز الجذام لفرط الحرارة يحرق أخلاطهم فيغلب على مزاجهم السوداء سوى أهل مكة فإن الله كفاهم ذلك‏.‏
وبها أشجار عجيبة كالدوم وهو شجر المقل قيل‏:‏ إنها شجر النارجيل في غير الحجاز والعنم ولها ثمرة طويلة حمراء تشبه أصابع العذارى والاسحل شجر المساويك والكنهبل والبشام قالوا‏:‏ هو شجر البلسان بمصر والرتم والضال والسمر والسلع‏.‏
وبها جبل الحديد وهو في ديار بجيلة ويسمى جبل الحديد إما لصلابة حجره أو لأنه معدن الحديد‏.‏
أسرت بجيلة تأبط شراً فاحتال عليهم حيلة عجيبة وذاك أن تأبط شراً وعمرو بن براق والشنفرى خرجوا يرون بجيلة فبدرت بهم بجيلة فابتدر ستة عشر غلاماً من س
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:39 am

خط
قرية باليمن يقال لها خط هجر تنسب إليها الرماح الخطية وهي أحسن أنواع خفةً وصلابةً وتثقيفاً تحمل إليها من بلاد الهند والصناع بها يثقفونها أحسن التثقيف‏.‏
خيبر حصون على ثمانية برد من المدينة لمن أراد الشام ذات مزارع ونخيل كثيرة وهي موصوفة بكثرة الحمى ولا تفارق الحمى أهلها‏.‏
وكان أهلها يهوداً يزعمون ان من أراد دخول خيبر على بابها يقف على أربعه وينهق نهيق الحمار عشر مرات لا تضره حمى خيبر ويسمى ذلك تعشيراً والمعنى فيه أن الحمى ولوع بالناس واني حمار‏.‏
وحكى الهيثم بن عدي ان عروة الصعاليك وأصحابه قصدوا خيبر يمتارون بها فلما وصلوا إلى بابها عشروا خوفاً من وباء خيبر وأبى عروة الصعاليك أن يعشر وقال‏:‏ وقالوا‏:‏ أجب وانهق لا يضرّك خيبرٌ وذلك من دين اليهود ولوع لعمري إن عشّرت من خشية الرّدى نهاق الحمير إنّني لجزوع فكيف وقد ذكيّت واشتدّ جانبي سليمى وعندي سامعٌ ومطيع لسانٌ وسيفٌ صارمٌ وحفيظةٌ وراءٌ كآراء الرّجال صروع وحكي ان اعرابياً قدم خيبر بعيال كثير فقال‏:‏ قلت لحمّى خيبرٍ استعدّي هناك عيالي فاجهدي وجدّي وباكري بصالبٍ وورد أعانك الله على ذا الجند فحم ومات وبقي عياله‏.‏
رحا
بطان موضع بالحجاز زعم تأبط شراً انه لقي الغول هناك ليلاً وجرى بينه وبينها محاربة وفي الأخير قتلها وحمل رأسها إلى الحي وعرضها عليهم حتى عرفوا شدة جأشه وقوة جنانه وهو يقول‏:‏ ألا من مبلغٌ فتيان فهمٍ بما لاقيت عند رحا بطان فإني قد لقيت الغول تهوي بسهبٍ كالصّحيفة صحصحان فقلت لها‏:‏ كلانا نضو دهرٍ أخو سفرٍ فخلّي لي مكاني فشدّت شدّةً نحوي فأهوى لها كفّي بمصقولٍ يمان فأضربها بلا دهشٍ فخرّت صريعاً لليدين وللجران فلم أنفكّ متّكئاً لديها لأنظر مصبحاً ماذا أتاني إذا عينان في رأسٍ قبيحٍ كرأس الهرّ مشقوق اللّسان وساقا مخدجٍ وشواة كلبٍ وثوبٌ من عباءٍ أو شنان زغر قرية بينها وبين بيت المقدس ثلاة أيام في طرف البحيرة المنتنة وزغر اسم بنت لوط عليه السلام نزلت بهذه القرية فسميت باسمها وهي في واد وخم ردي في أشأم بقعة يسكنها أهلها بحب الوطن ويهيج بهم الوباء في بعض الأعوام فيفني جلهم‏.‏
بها عين زغر وهي العين التي ذكر أنها تغور في آخر الزمان وغورها من اشراط الساعة جاء ذكرها في حديث الجساسة قال البشاري‏:‏ زغر قتالة للغرباء من أبطأ عليه ملك الموت فليرحل إليها فإنه يجده بها قاعداً بالرصد وأهلها سودان غلاظ ماؤها حميم وهواؤها جحيم إلا أنها البصرة الصغرى والمتجر المربح وهي من بقية مدائن قوم لوط وإنما نجت لأن أهلها لم يكونوا آتين بالفاحشة‏.‏
زويلة
مدينة بإفريقية غير مسورة في أول حدود السودان ولأهلها خاصية عجيبة في معرفة آثار القدم ليس لغيرهم تلك الخاصية حتى يعرفون أثر قدم الغريب والبلدي والرجل والمرأة واللص والعبد الآبق والأمة والذي يتولى احتراس المدينة يعمد إلى دابة يشد عليها حزمة من جرائد النخل بحيث ينال سعفه الأرض ثم يدور به حول المدينة فإذا أصبح ركب ودار حول المدينة فإن رأى أثراً خارجاً تبعه حتى أدركه أينما توجه‏.‏
وقد بنى عبد الله المهدي جد خلفاء مصر إلى جانب زويلة مدينة أخرى سماها المهدية بينهما غلوة سهم‏.‏
كان يسكن هو وأهله بالمهدية وأسكن العامة في زويلة وكانت دكاكينهم وأموالهم بالمهدية وبزويلة مساكنهم فكانوا يدخلون بالنهار زويلة للمعيشة ويخرجون بالليل إلى أهاليهم فقيل للمهدي‏:‏ إن رعيتك في هذا في عناء‏!‏ فقال‏:‏ لكن أنا في راحة لأني بالليل أفرق بينهم وبين أموالهم وبالنهار أفرق بينهم وبين أهاليهم فآمن غائلتهم بالليل والنهار‏!‏ السند ناحية بين الهند وكرمان وسجستان قالوا‏:‏ السند والهند كانا أخوين من ولد توقير بن يقطن بن حام بن نوح عليه السلام‏.‏بها بيت الذهب قال مسعر بن مهلهل‏:‏ مشيت إلى بيت الذهب المشهور بها فإذا هو من ذهب في صحراء يكون أربعة فراسخ لا يقع عليها الثلج ويثلج ما حولها وفي هذا البيت ترصد الكواكب وهو بيت تعظمه الهند والمجوس وهذه الصحراء تعرف بصحراء زردشت نبي المجوس ويقول أهل تلك الناحية‏:‏ متى يخرج منه إنسان يطلب دولة لم يغلب ولا يهزم له عسكر حيث أراد‏.‏
وحكي أن الإسكندر لما فتح تلك البلاد ودخل هذا البيت أعجبه فكتب إلى أرسطاطاليس وأطنب في وصف قبة هذا البيت فأجابه أرسطو‏:‏ إني رأيتك تتعجب من قبة عملها الآدميون وتدع التعجب من هذه القبة المرفوعة فوقك وما زينت به من الكواكب وأنوال الليل والنهار‏!‏ وسأل عثمان بن عفان عبد الله بن عامر عن السند فقال‏:‏ ماؤها وشل وتمرها دقل ولصها بطل‏!‏ إن قل الجيش بها ضاعوا وإن كثروا جاعوا‏!‏ فترك عثمان غزوها‏.‏
وبها نهر مهران وهو نهر عرضه كعرض دجلة أو أكثر يقبل من المشرق آخذاً إلى الجنوب متوجهاً نحو المغرب ويقع في بحر فارس أسفل السند قال الاصطخري‏:‏ نهر مهران يخرج من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون ثم يظهر بناحية ملتان على حد سمندور ثم على المنصورة ثم يقع في البحر شرقي الديبل وهو نهر كبير عذب جداً وان فيه تماسيح كما في نيل مصر وقيل‏:‏ إن تماسيح نهر السند أصغر حجماً وأقل فساداً‏.‏
وجري نهر السند كجري نهر النيل يرتفع على وجه الأرض ثم ينصب فيزرع عليه كما يزرع بأرض مصر على النيل‏.‏
سومناة
بلدة مشهورة من بلاد الهند على ساحل البحر بحيث تغلبه أمواجه‏.‏
كان من عجائبها هيكل فيه صنم اسمه سومناة وكان الصنم واقفاً في وسط هذا البيت لا بقائمة من أسفله تدعمه ولا بعلاقة من أعلاه تمسكه وكان أمر هذا الصنم عظيماً عند الهند من رآه واقفاً في الهواء تعجب مسلماً كان أو كافراً وكانت الهند يحجون إليه كل ليلة خسوف يجتمع عنده ما يزيد على مائة ألف إنسان وتزعم الهند أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه وهو ينشئها في من شاء كما هو مذهب أهل التناسخ وان المد والجزر عبادة البحر له‏.‏
وكانوا يحملون إليه من الهدايا كل شيء نفيس وكان له من الوقوف ما يزيد على عشرة آلاف قرية‏.‏
ولهم نهر يعظمونه بينه وبين سومناة مائتا فرسخ يحمل ماؤها إلى سومناة كل يوم ويغسل به البيت وكانت سدنته ألف رجل من البراهمة لعبادته وخدمة الوفود وخمسمائة أمة يغنين ويرقصن على باب الصنم وكل هؤلاء كانت أرزاقهم من أوقاف الصنم وأما البيت فكان مبنياً على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص وكانت قبة الصنم مظلمة وضوءها كان من قناديل الجوهر الفائق وعنده سلسلة ذهب وزنها مائتا من كلما مضت طائفة من الليل حركت السلسلة فتصوت الأجراس فتقوم طائفة من البراهمة للعبادة‏.‏
حكي أن السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين لما غزا بلاد الهند سعى سعياً بليغاً في فتح سومناة وتخريبها طمعاً بدخول الهند في الإسلام فوصل إليها منتصف ذي القعدة سنة ست عشرة وأربعمائة فقاتل الهنود عليها أشد القتال وكان الهند يدخلون على سومناة ويبكون ويتضرعون ثم يخرجون إلى القتال فقوتلوا حتى استوعبهم الفناء وزاد عدد القتلى على خمسين ألفاً فرأى السلطان ذلك الصنم وأعجبه أمره وأمر بنهب سلبه وأخذ خزانته فوجدوا أصناماً كثيرة من الذهب والفضة وستوراً مرصعة بالجواهر كل واحد منها بعث عظيم من عظماء الهند‏.‏
وكانت قيمة ما في بيوت الأصنام أكثر من عشرين ألف دينار‏.‏
ثم قال السلطان لأصحابه‏:‏ ماذا تقولون في أمر هذا الصنم ووقوفه في الهواء بلا عماد وعلاقة فقال بعضهم‏:‏ إنه علق بعلاقة وأخفيت العلاقة عن النظر فأمر السلطان شخصاً أن يذهب إليه برمح ويدور به حول الصنم وأعلاه وأسفله ففعل وما منع الرمح شيء‏.‏
وقال بعض الحاضرين‏:‏ إني أظن أن القبة من حجر المغناطيس والصنم من الحديد والصانع بالغ في تدقيق صنعته وراعى تكافؤ قوة المغناطيس من الجوانب بحيث لا تزيد قوة جانب على الجانب الآخر فوقف الصنم في الوسط فوافقه قوم وخالفه آخرون‏.‏
فقال للسلطان‏:‏ ائذن لي برفع حجرين من رأس القبة ليظهر ذلك فأذن له فلما رفع حجرين اعوج الصنم ومال إلى أحد الجوانب فلم يزل يرفع الأحجار والصنم ينزل حتى وقع على الأرض‏.‏
صنف
موضع بالهند أو الصين ينسب إليه العود الصنفي وهو أردأ أصناف العود ليس بينه وبين الحطب إلا فرق يسير‏.‏
صيمور
مدينة بأرض الهند قريبة بناحية السند لأهلها حظ وافر في الجمال والملاحة لكونهم متولدين من الترك والهند وهم مسلمون ونصارى ويهود ومجوس ويخرج إليها تجارات الترك وينسب إليها العود الصيموري‏.‏
بها بيت الصيمور وهو هيكل على رأس عقبة عظيمة عندهم ولها سدنة وفيها أصنام من وفي المدينة مساجد وبيع وكنائس وبيت النار وكفارها لا يذبحون الحيوان ولا يأكلون اللحم ولا السمك ولا البيض وفيهم من يأكل المتردية والنطيحة دون ما مات حتف أنفه‏.‏
أخبر بذلك كله مسعر بن مهلهل صاحب عجائب البلدان وانه كان سياحاً دار البلاد وأخبر بعجائبها‏.‏
الطائف
بليدة على طرف واد بينها وبين مكة اثنا عشر فرسخاً طيبة الهواء شمالية ربما يجمد الماء بها في الشتاء‏.‏
قال الأصمعي‏:‏ دخلت الطائف وكأني أبشر وقلبي ينضح بالسرور ولم أجد لذلك سبباً إلا انفساح جوها وطيب نسيمها‏.‏
بها جبل عروان يسكنه قبائل هذيل وليس بالحجاز موضع أبرد من هذا الجبل ولهذا اعتدال هواء الطائف ويجمد الماء به وليس في جميع الحجاز موضع يجمد الماء به إلا جبل عروان‏.‏
ويشق مدينة الطائف واد يجري بينها يشقها وفيها مياه المدابغ التي يدبغ فيها الأديم والطير تصرع إذا مرت بها من نتن رائحتها‏.‏
وأديمها يحمل إلى سائر البلدان ليس في شيء من البلاد مثله‏.‏
وفي أكنافها من الكروم والنخيل والموز وسائر الفواكه ومن العنب العدي ما لا يوجد في شيء بها وج الطائف وإنها واد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ صيدها واختلاء حشيشها‏.‏
بها حجر اللات تحت منارة مسجدها وهو صخرة كان في قديم الزمان يجلس عليه رجل يلت السويق للحجيج فلما مات قال عمرو بن لحي‏:‏ إنه لم يمت لكن دخل في هذه الصخرة‏!‏ وأمر قومه بعبادة تلك الصخرة وكان في اللات والعزى شيطانان يكلمان الناس فاتخذت ثقيف اللات طاغوتاً وبنت لها بيتاً وعظمته وطافت به وهي صخرة بيضاء مربعة فلما أسلمت ثقيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب ومغيرة بن شعبة فهدماه والحجر اليوم تحت منارة مسجد الطائف‏.‏
وبها كرم الرهط كرم كان لعمرو بن العاص معروشاً على ألف ألف خشبة شري كل خشبة درهم فلما حج سليمان بن عبد الملك أحب أن ينظر إليه فلما رآه قال‏:‏ ما رأيت لأحد مثله لولا أن هذه الحرة في وسطه‏!‏ قالوا‏:‏ ليس بحرة بل مسطاح الزبيب‏.‏
وكان زبيبه جمع في وسطه ليجف فرآه من بعيد فظنه حرة‏.‏
وبها سجن عارم وهو الحبس الذي حبس فيه عبد الله بن الزبير محمد ابن الحنفية يزوره الناس ويتبركون به سيما الشيعة سيما الكيسانية قال كثير يخاطب ابن الزبير‏:‏ ومن يلق هذا الشّيخ بالخيف من منى من النّاس يعلم أنّه غير ظالم سميّ النبيّ المصطفى وابن عمّه وفكّاك أغلالٍ وقاضي مغارم أبى هو لا يشري هدىً بضلالةٍ ولا يتّقي في الله لومة لائم فما نعمة الدّنيا بباقٍ لأهله ولا شدّة البلوى بضربة لازم وينسب إليها الحجاج بن يوسف الثقفي من فحول الرجال كان أول أمره معلماً لوشاقية سليمان بن نعيم وزير عبد الملك بن مروان وكان فصيحاً شاطراً قال عبد الملك لوزيره‏:‏ إني إذا ترحلت يتخلف مني أقوام أريد شخصاً يمنع الناس عن التخلف‏.‏
فاختار الوزير الحجاج لذلك فرأى في بعض الأيام أن الخليفة قد رحل وتخلف عنه قوم من أصحاب الوزير فأمرهم بالرحيل فامتنعوا وشتموه في أمه وأخته فأخذ الحجاج النار وأضرمها في رحل الوزير فانتهى الخبر إلى عبد الملك فأحضر الحجاج وقال‏:‏ لم أحرقت رحل الوزير فقال‏:‏ لأنهم خالفوا أمرك ‏!‏ فقال للحجاج‏:‏ ما عليك لو فعلت ذلك بغير الحرق فقال الحجاج‏:‏ وما عليك لو عوضته من ذلك ولا يخالف أحد بعد هذا أمرك‏!‏ فأعجب الخليفة كلامه وما زال يعلو أمره حتى ولي اليمن واليمامة ثم استعمل على العراق سنة خمس وسبعين‏.‏
وكان أهل العراق كل من جاءهم والياً استخفوا به وضحكوا منه وإذا صعد المنبر رموه بالحصاة فبعث عبد الملك إليهم الحجاج فلما صعد المنبر متلثماً وكان قصير القامة ضحكوا منه فعرف الحجاج ذلك فأقبل عليهم وقال‏:‏ أنا ابن جلا وطلاّع الثّنايا متى أضع العمامة تعرفوني إن أمير المؤمنين نثل كنانته فوجدني أصلبها عوداً فرماكم بي واني أرى رؤوساً دنا أوان حصادها وأنا الذي أحصدها‏.‏
فدخل القوم منه رعب فما زال بهم حتى أراهم الكواكب بالنهار‏.‏
ولما بنى واسط عد في حبسه ثلاثة وثلاثون ألف إنسان حبسوا بلا دم ولا تبعة ولا دين ومات في حبسه واحد وعشرون ألفاً صبراً ومن قتله بالسيف فلا يعد ولا يحصى‏!‏ وقال يوماً على المنبر في خطبته‏:‏ أتطلبون مني عدل عمر ولستم كرعية عمر وإنما مثلي لمثلكم كثير لبئس المولى ولبئس العشير‏!‏ وكان في مرض موته يقول‏:‏ يا ربّ قد زعم الأعداء واجتهدوا أيمانهم أنّني من ساكني النّار أيحلفون على عمياء ويحهم ما علمهم بعظيم العفو غفّار وحكى عمر بن عبد العزيز أنه رأى الحجاج في المنام بعد مدة من موته قال‏:‏ فرأيته على شكل رماد على وجه الأرض فقلت له‏:‏ أحجاج قال‏:‏ نعم قلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ قتلني وينسب إلى الطائف سعيد بن السائب كان من أولياء الله وعباد الله الصالحين نادر الوقت عديم النظير وكان الغالب عليه الخوف من الله تعالى لا يزال دمعه جارياً فعاتبه رجل على كثرة بكائه فقال له‏:‏ إنما ينبغي أن تعاتبني على تقصيري وتفريطي لا على بكائي‏!‏ وقال له صديق له‏:‏ كيف أصبحت قال‏:‏ أصبحت أنتظر الموت على غير عدة‏!‏ وقال سفيان الثوري‏:‏ جلسنا يوماً نحدث ومعنا سعيد بن السائب وكان يبكي حتى رحمه الحاضرون فقلت له‏:‏ يا سعيد لم تبكي وأنت تسمع حديث أهل الخير فقال‏:‏ يا سفيان ما ينفعني إذا ذكرت أهل الخير وأنا عنهم بمعزل طيفند قلعة في بلاد الهند منيعة على قلة جبل ليس لها إلا مصعد واحد وعلى رأس الجبل مياه ومزارع وما احتاجوا إليه غزاها يمين الدولة محمود بن سبكتكين سنة أربع عشرة وأربعمائة وحاصرها زماناً وضيق على أهلها وكان عليها خمسمائة قيل فطلبوا الأمان فآمنهم وأقر صاحبها فيها على خراج فأهدى صاحب القلعة إلى السلطان هدايا كثيرة منها طائر على هيئة القمري خاصيته إذا أحضر الطعام وفيه سم دمعت عيناه وجرى منهما ماء وتحجر فإذا تحجر سحق وجعل على الجراحات الواسعة الحمها وهذا الطائر لا يوجد إلا في ذلك الموضع ولا يتفرج إلا فيه‏.‏
عدن
مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن سميت بعدن بن سنان بن إبراهيم عليه السلام لا ماء بها ولا مرعى شربهم من عين بينها وبين عدن مسيرة يوم وكان عدن فضاء في وسط جبل على ساحل البحر والفضاء يحيط به الجبل من جميع الجوانب فقطع لها باب بالحديد في الجبل فصار طريقاً إلى البر‏.‏
وإنها مرفأ مراكب الهند وبلدة التجار ومرابح الهند فلهذا يجتمع إليها الناس ويحمل إليها متاع الهند والسند والصين والحبشة وفارس والعراق وقال الاصطخري‏:‏ بها مغاص اللؤلؤ‏.‏
بها جبل النار وهو جبل أحمر اللون جداً في وسط البحر قالوا‏:‏ هو الجبل الذي تخرج منه النار التي هي من اشراط الساعة وسكان عدن يزعمون أنهم من نسل هارون عليه السلام وهم المربون‏.‏
وبها البئر المعطلة التي ذكرها الله تعالى في القرآن‏.‏
ومن حديثها أن قوم صالح عليه السلام بعد وفاته تفرقوا بفلسطين فلحقت فرقة منهم بعدن وكانوا إذا حبس عنهم المطر عطشوا وحملوا الماء من أرض بعيدة فأعطاهم الله بئراً فتعجبوا بها وبنوا عليها أركاناً على عدد القبائل كان لكل قبيلة فيها دلو‏.‏
وكان لهم ملك عادل يسوسهم فلما مات حزنوا عليه فمثل لهم الشيطان صنماً على صورة ذلك الملك وكلم القوم من جوف الصنم‏:‏ إني ألبسني ربي ثوب الالهية والآن لا آكل ولا أشرب وأخبركم بالغيوب فاعبدوني فإني أقربكم إلى ربكم زلفى‏!‏ ثم كان الصنم يأمرهم وينهاهم فمال إلى عبادة الصنم جميعهم فبعث الله إليهم نبياً فكذبوه فقال لهم نبيهم‏:‏ إن لم تتركوا عبادة الصنم يغور ماء بئركم‏!‏ فقتلوه فأصبحوا لم يجدوا في البئر قطرة ماء‏.‏
فمضوا إلى الصنم فلم يكلمهم الشيطان لما عاين نزول ملائكة العذاب فأتتهم صيحة فأهلكوا فأخبر الله تعالى عنهم وعن أمثالهم‏:‏ وكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد‏.‏
والقصر المشيد بحضرموت وقد مر ذكره ويقال‏:‏ إن سليمان بن داود عليه السلام حبس المردة مصفدين في هذه البئر وهي محبسهم‏.‏
فاس
مدينة كبيرة مشهورة في بلاد بربر على بر المغرب بين ثنيتين عظيمتين والعمارة قد تصاعدت حتى بلغت مستواها وقد تفجرت كلها عيوناً تسيل إلى قرارة إلى نهر منبسط إلى الأرض ينساب إلى مروج خضر وعليها داخل المدينة تمائة رحىً ولها قهندز في أرفع موضع منها ويسقيها نهر يسمى المفروش‏.‏
قال أبو عبيد البكرى‏:‏ فاس منقسمة قسمين وهي مدينتان مسورتان يقال لإحداهما عدوة القروبيين وللأخرى عدوة الأندلسيين وفي كل دار جدول ماء وعلى بابها رحىً وبستان وهي من أكثر بلاد المغرب ثماراً وخيراً وأكثر بلاد المغرب يهوداً منها يختلفون إلى سائر الآفاق بها تفاح حلو يعرف بالاطرابلسي حسن الطعم جداً يصلح بعدوة الأندلسيين ولا يصلح بعدوة القروبيين وسميذ عدوة الأندلسيين أطيب من سميذ عدوة القروبيين ورجال الأندلسيين أشجع من رجال القروبيين ونساؤهم أجمل ورجال القروبيين أحمد من رجال الأندلسيين قال إبراهيم الأصيلي‏:‏ دخلت فاساً وبي شوقٌ إلى فاس والجبن يأخذ بالعينين والرّاس فلست أدخل فاساً ما حييت ولو أعطيت فاساً وما فيها من النّاس بلاد بأرض الهند يجلب منها الكافور القيصوري وهو أحسن أنواعه‏.‏
وذكروا أن الكافور يكثر في سنة فيها رعود وبروق ورجف وزلازل وان قل ذلك كان نقصاً في وجوده‏.‏
قبا
قرية على ميلين من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
بها مسجد التقوى وهو المسجد الذي ذكره الله تعالى‏:‏ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين‏.‏
ولما قدم رسول الله عليه السلام قبا مهاجراً يريد المدينة أسس هذا المسجد ووضع بيده الكريمة أول حجر في محرابه ووضع أبو بكر رضي الله عنه حجراً ثم أخذ الناس في البناء وهو عامر إلى زماننا هذا وسئل أهله عن تطهرهم فقالوا‏:‏ إنا نجمع بين الحجر والماء‏.‏
وبها مسجد الضرار ويتطوع الناس بهدمه وبها بئر غرس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيب ماءها وبصق فيها وقال‏:‏ إن فيها عيناً من عيون الجنة‏.‏
قزدار ناحية بأرض الهند‏.‏
قال أبو الحسن المتكلم‏:‏ كنت مجتازاً بناحية قزدار فدخلت قرية من قراه فرأيت شيخاً خياطاً في مسجد فأودعت ثيابي عنده ومضيت‏.‏
ثم رجعت من الغد فرأيت باب المسجد مفتوحاً والرزمة يشدها في المحراب فقلت‏:‏ ما أجهل هذا الخياط‏!‏ فجلست أفتحها وأرى شيئاً فشيئاً إذ دخل الخياط فقلت له‏:‏ كيف تركت ثيابي ههنا فقال‏:‏ افتقدت منها شيئاً قلت‏:‏ لا‏.‏
قال‏:‏ فما سؤالك فأقبلت أخاصمه وهو يضحك‏.‏
قال‏:‏ أنتم نشأتم في بلاد الظلم وتعودتم أخلاق الأراذل التي توجب السرقة والخيانة وانها لا تعرف ههنا ولو بقيت ثيابك في المحراب حتى بليت ما مستها أحد‏!‏ وإذا وجدنا شيئاً من ذلك في مدد متطاولة نعلم أنه كان من غريب اجتاز بنا فنركب خلفه ولا يفوتنا فندركه ونقتله‏.‏
فسألت عن غيره سيرة أهل البلد فقال كما ذكره الخياط‏.‏
وكانوا لا يغلقون الأبواب بالليل وما كان لأكثرهم أبواب بل شيء يرد الوحش والكلاب‏.‏
قشمير ناحية بأرض الهند متاخمة لقوم من الترك فاختلط نسل الهند بالترك فأهلها أكثر الناس ملاحةً وحسناً‏.‏
ويضرب بحسن نسائهم المثل لهن قامات تامة وصور مستوية وملاحة كثيرة وشعور طوال غلاظ وهذه الناحية تحتوي على نحو ستين ألفاً من المدن والضياع ولا سبيل وحواليها جبال شوامخ لا سبيل للوحش أن يتسلق إليها فضلاً عن الانس‏.‏
وفيها أودية وعرة وأشجار ورياض وأنهار‏.‏
قال مسعر بن مهلهل‏:‏ شاهدتها وهي في غاية المنعة‏.‏
ولأهلها أعياد في رؤوس الاهلة وفي نزول النيرين شرقهما ولهم رصد كبير في بيت معمول من الحديد الصيني لا يعمل فيه الزمان ويعظمون الثريا ولا يذبحون الحيوان ولا يأكلون البيض‏.‏
قمار
مدينة مشهورة بأرض الهند‏.‏
قال ابن الفقيه‏:‏ أهلها على خلاف سائر الهنود ولا يبيحون الزنا ويحرمون الخمر وملكها يعاقبهم على شرب الخمر فيحمي الحديدة بالنار وتوضع على بدن الشارب ولا تترك إلى أن تبرد فربما يفضي إلى التلف‏!‏ وينسب إليها العود القماري وهو أحسن أنواع العود‏.‏
كلبا مدينة بأرض الهند قال في تحفة الغرائب‏:‏ بها عمود من النحاس وعلى رأس العمود تمثال بطة من النحاس وبين يدي العمود عين‏.‏
فإذا كان يوم عاشوراء في كل سنة ينشر البط جناحيه ويدخل منقاره العين ويعب ماءها فيخرج من العمود ماء كثير يكفي لأهل المدينة سنتهم والفاضل يجري إلى مزارعهم‏.‏
كله مدينة عظيمة منيعة عالية السور في بلاد الهند كثيرة البساتين بها اجتماع البراهمة حكماء الهند قال مسعر بن مهلهل‏:‏ إنها أول بلاد الهند مما يلي الصين وانها منتهى مسير المراكب إليها ولا يتهيأ لها أن تجاوزها وإلا غرقت‏.‏
بها قلعة يضرب بها السيوف القلعية وهي الهندية العتيقة لا تكون في سائر الدنيا إلا في هذه القلعة وملكها من قبل ملك الصين وإليه قبلته وبيت عبادته ورسومه رسوم صاحب الصين ويعتقدون أن طاعة ملك الصين عليهم مباركة ومخالفته شؤم وبينه وبين الصين ثلاثمائة فرسخ‏.‏
كنزة وقران موضعان باليمامة بهما نخل كثير ومواش قال أبو زياد الكلابي‏:‏ نزل بهم رجل من بني عقيل كنيته أبو مسلم كان يصطاد الذئاب قالوا له‏:‏ إن ههنا ذئباً لقينا منه التباريح إن أنت اصطدته فلك في كل غنم شاة‏!‏ فنب له الشبكة وحبله وجاء به يقوده وقال‏:‏ هذا ذئبكم فأعطوني ما شرطتم‏.‏
فأبوا وقالوا‏:‏ كل ذئبك‏!‏ فشد في عنق الذئب قطعة حبل وخلى سبيله وقال‏:‏ ادركوا ذئبكم‏!‏ فوثبوا عليه وأرادوا قتله فقال‏:‏ لا عليكم ان وفيتم لي رددته‏!‏ فخلوه ليرده فذهب وهو يقول‏:‏ علّقت في الذّئب حبلاً ثمّ قلت له الحق بأهلك واسم أيّها الذّئب‏!‏ إن كنت من أهل قرّانٍ فعد لهم أو أهل كنزة فاذهب غير مطلوب المخلفين لما قالوا وما وعدوا وكلّ ما يلفظ الإنسان مكتوب سألته في خلاءٍ‏:‏ كيف عيشته فقال‏:‏ ماض على الأعداء مرهوب لي الفصيل من البعران آكله وإن أصادفه طفلاً فهو مصقوب والنّخل أفسده ما دام ذا رطبٍ وإن شتوت ففي شاء الأعاريب يا أبا مسلم أحسن في أسيركم فإنّني في يديك اليوم مجنوب كولم مدينة عظيمة بأرض الهند قال مسعر بن مهلهل‏:‏ دخلت كولم وما رأيت بها بيت عبادة ولا صنماً وأهلها يختارون ملكاً من الصين إذا مات ملكهم‏.‏
وليس للهند طبيب إلا في هذه المدينة عماراتهم عجيبة أساطين بيوتهم من خرز أصلاب السمك ولا يأكلون السمك ولا يذبحون الحيوان ويأكلون الميتة وتعمل بها غضائر تباع في بلادنا على انه صيني وليس كذلك لأن طين الصين أصلب من طين كولم وأصبر على النار وغضائر كولم لونها أدكن وغضائر الصين أبيض وغيره من الألوان‏.‏
بها منابت الساج المفرط الطول ربما جاوز مائة ذراع وأكثر‏.‏
وبها البقم والخيزران والقنا بها كثير جداً وبها الراوند وهو قرع ينبت هناك ورقه الساذج الهندي العزيز الوجود لأجل أدوية العين ويحمل إليها أصناف العود والكافور واللبان والعود يجلب من جزائر خلف خط الاستواء لم يصل إلى منابته أحد ولا يدرى كيف شجره وإنما الماء يأتي به إلى جانب الشمال‏.‏
وبها معدن الكبريت الأصفر ومعدن النحاس ينعقد دخانه توتياء جيداً‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:40 am

مدينة يثرب
هي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي في حرة سبخة مقدار نصف مكة‏.‏
من خصائصها أن من دخلها يشم رائحة الطيب وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرا وأهلها أحسن الناس صوتاً‏.‏
قيل لبعض المدنيين‏:‏ ما بالكم أنتم أطيب الناس صوتاً فقال‏:‏ بها التمر الصيحاني لم يوجد في غيرها من البلاد‏.‏
وبها حب البان يحمل منها إلى سائر البلاد‏.‏
وعن ابن عباس ان النبي عليه السلام حين عزم الهجرة قال‏:‏ اللهم إنك قد أخرجتني من أحب أرضك إلي فأنزلني أحب أرضك إليك‏!‏ فأنزله المدينة ورأى النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن حمامة وقد هاجر فاجتوى المدينة وهو يقول‏:‏ ألا ليت شعري‏!‏ هل ابيتنّ ليلةً بفخٍّ وحولي إذخرٌ وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنّةٍ وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ خفت يا ابن السوداء‏!‏ ثم قال‏:‏ اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة وأشد وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها إلى خيبر والجحفة‏.‏
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن إبراهيم عبد الله وخليله وأنا عبد الله ورسوله وان إبراهيم حرم مكة واني حرمت المدينة ما بين لابتيها عضاهها وصيدها لا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تقطع منها شجرة إلا لعلف البعير‏.‏
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من صبر على لأواء المدينة وشدتها كنت له يوم القيامة شفيعاً أو شهيداً‏.‏
والمدينة مسورة ومسجد النبي عليه السلام في وسطها وقبره في شرقي المسجد وبجنبه قبر وكتب الوليد بن عبد الملك إلى صاحب الروم يطلب منه صناعاً لعمارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه أربعين رجلاً من صناع الروم وأربعين من صناع القبط ووجه معهم أربعين ألف مثقال ذهباً وأحمالاً من الفسيفساء‏.‏
فجاء الصناع وخمروا النورة سنة للفسيفساء وجعلوا أساسها بالحجارة وجعلوا أسطوانات المسجد من حجارة مدورة في وسطها أعمدة حديد وركبوها بالرصاص وجعلوا سقفها منقشة مزوقة بالذهب وجعلوا بلاط المحراب مذهباً وجعلوا وجه الحائط القبلي من داخله بازار رخام من أساسه إلى قدر قامة وفي وسط المحراب مرآة مربعة ذكروا أنها كانت لعائشة والمنبر كان للنبي قد غشي بمنبر آخر وقال عليه السلام‏:‏ ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة‏.‏
بها بئر بضاعة‏.‏
روي أن النبي عليه السلام توضأ بمائها في دلو ورد الدلو إلى البئر وشرب من مائها وبصق فيها وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول‏:‏ اغسلوه بماء بضاعة فإذا غسل فكأنما أنشط من عقال‏.‏
وقالت أسماء بنت أبي بكر‏:‏ كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيعافون‏.‏
بها بئر ذروان ويقال لها بئر كملى هي البئر المشهورة‏.‏
عن ابن عباس‏:‏ طب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرض مرضاً شديداً فبينا هو بين النائم واليقظان رأى ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه‏:‏ ما وجعه فقال‏:‏ طب‏!‏ قال‏:‏ ومن طبه قال لبيد بن الأعصم اليهودي‏.‏
قال‏:‏ وأين طبه قال‏:‏ في كربة تحت صخرة في بئر كملى وهي بئر ذروان‏.‏
فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ كلام الملكين فبعث علياً وعماراً مع جمع من الصحابة إلى البئر فنزحوا ماءها حتى انتهوا إلى الصخرة فقلبوها ووجدوا الكربة تحتها وفيها وتر فيها إحدى عشرة عقدة فأحرقوا الكربة بما فيها فزال عنه عليه السلام ما كان به وكأنه أنشط من عقال‏.‏
فأنزل الله تعالى عليه المعوذتين إحدى عشرة آية على عدد عقده‏.‏
بها بئر عروة تنسب إلى عروة بن الزبير قال الزبير بن بكار‏:‏ ماء هذه البئر من مر بالعقيق يأخذه هدية لأهله ورأيت أبي يأمر به فيغلى ثم يأخذه في قوارير يهديه إلى الرشيد وهو بالرقة وقال السري بن عبد الرحمن الأنصاري‏:‏ كفّنوني إن متّ في درع أروى واجعلوا لي من بئر عروة مائي سخنةٌ في الشّتاء باردة الصّي ف سراجٌ في اللّيلة الظّلماء وأهل المدينة الأنصار عليهم الرحمة والرضوان ان الله تعالى أكثر من الثناء عليهم في القرآن‏.‏
وقد خص بعضهم بخاصية لم توجد في غيرهم منهم حمي الدبر وهو عاصم بن الأفلح رضوان الله عليه استشهد وأراد المشركون أن يمثلوا به فبعث الله الزنابير أحاطت به ومنعت المشركين الوصول إليه‏.‏
ومنهم بليع الأرض وهو حبيب بن ثابت رضوان الله عليه صلبه المشركون فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذه ويدفنه فأخذوه وقبل دفنه فقدوه وبلعته الأرض‏.‏
ومنهم غسيل الملائكة وهو حنظلة بن راهب رضوان الله عليه استشهد يوم أحد فبعث الله تعالى فوجاً من الملائكة رفعوه من بين القتلى وغسلوه فسمي غسيل الملائكة ومنهم ذو الشهادتين وهو خزيمة بن ثابت رضوان الله عليه اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً من أعرابي والاعرابي أنكر الشراء فقال رسول الله عليه السلام إني اشتريت منك‏!‏ فقال الاعرابي‏:‏ من يشهد بذلك فقال خزيمة بن ثابت‏:‏ إني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى منك‏.‏
فقال له رسول الله عليه السلام‏:‏ كيف تشهد وما كنت حاضراً فقال‏:‏ يا رسول الله إني أصدقك في أخبار السموات والاخبار عن الله تعالى فما أصدقك في شراء فرس‏!‏ فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يجعل شهادته مكان شهادتين‏.‏
ومنهم من اهتز العرش لموته وهو سعد بن معاذ رضوان الله عليه سيد الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اهتز العرش لموت سعد ابن معاذ‏.‏حصن بين نجران والبحرين على تل عال يقال انه من بناء طسم يقال له فج بني تميم لأن المكعبر عامل كسرى غدر بني تميم فيه وسببه أن وهرز عامل كسرى على اليمن بعت أموالاً وطرفاً إلى كسرى فلما كانت ببلاد بني تميم وثبوا عليها وأخذوها فأخبر كسرى بذلك فأراد أن يبعث إليهم جيشاً فأخبر أن بلادهم بلاد سوء قليلة الماء‏.‏
فأشير إليه بأن يرسل إلى عامله بالبحرين أن يقتلهم وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة فأمر العامل أن ينادي‏:‏ لا تطلق الميرة إلا لبني تميم‏!‏ فأقبل إليه خلق كثير فأمرهم بدخول المشقر وأخذ الميرة والخروج من باب آخر فيدخل قوم بعد قوم فيقتلهم حتى قتلوا عن آخرهم وبعث بذراريهم في السفن إلى فارس‏.‏
مغمس
موضع بين مكة والطائف به قبر أبي رغال مر به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر برجمه فصار ذلك سنة من مر به يرجمه‏.‏
قيل‏:‏ إن أبا رغال اسمه زيد بن محلف كان ملكاً بالطائف يظلم رعيته فمر بامرأة ترضع يتيماً بلبن ماعز لها فأخذ الماعز منها فبقي اليتيم بلا لبن فمات وكانت سنة مجدبة فرماه الله تعالى بقارعة أهلكته‏.‏وقيل‏:‏ إن أبرهة بن الصباح لما عزم هدم الكعبة مر بالطائف بجنوده وفيوله فأخرج إليه أبو مسعود الثقفي في رجال ثقيف سامعين مطيعين فطلب أبرهة منهم دليلاً يدله على مكة فبعثوا معه رجلاً يقال له أبو رغال حتى نزل المغمس فمات أبو رغال هناك فرجم العرب قبره وفيه قال جرير ابن الخطفى‏:‏ إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبي رغال
مراكش
مدينة من أعظم مدن بلاد المغرب واليوم سرير ملك بني عبد المؤمن وهي في البر الأعظم بينها وبين البحر عشرة أيام في وسط بلاد البربر‏.‏
وإنها كثيرة الجنان والبساتين ويخرق خارجا الخلجان والسواقي ويأتيها الارزاق من الأقطار والبوادي مع ما فيها من جني الأشجار والكروم التي يتحدث بطيبها في الآفاق‏.‏
والمدينة ذات قصور ومبان محكمة‏.‏
بها بستان عبد المؤمن بن علي أبي الخلفاء وهو بستان طوله ثلاثة فراسخ وكان ماؤه من الآبار فجلب إليها ماء من أعماق تسير تسقي بساتين لها‏.‏
وحكى أبو الربيع سليمان الملتاني ان دورة مراكش أربعون ميلاً‏.‏ينسب إليها الشيخ الصالح سني بن عبد الله المراكشي وكان شيخاً مستجاب الدعوة ذكر أن القطر حبس عنهم في ولاية يعقوب بن يوسف فقال‏:‏ ادع الله تعالى ان يسقينا‏.‏
فقال الشيخ‏:‏ ابعث إلي خمسين ألف دينار حتى أدعو الله تعالى أن يسقيكم في أي وقت شئتم‏!‏ فبعث إليه ذلك ففرقها على المحاويج ودعا فجاءهم غيث مدرار أياماً فقالوا له‏:‏ كفينا ادع الله أن يقطعه‏!‏ فقال‏:‏ ابعث إلي خمسين ألف دينار حتى أدعو الله أن يقطعه‏.‏
ففعل ذلك ففرق المال على المحاويج ودعا الله تعالى فقطعه‏.‏
والله الموفق‏.‏
مكة
هي البلد الأمين الذي شرفه الله تعالى وعظمه وخصه بالقسم وبدعاء الخليل عليه السلام‏:‏ رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات‏.‏
واجعله مثابة للناس وأمناً للخائف وقبلةً للعباد ومنشأ لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
وعن رسول الله عليه السلام‏:‏ من صبر على حر مكة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة عام وتقربت منه الجنة مائتي عام‏!‏ إنها لم تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد كان بعدي وما أحلت لي إلا ساعة من نهار ثم هي حرام لا يعضد شجرها ويحتش خلاها ولا يلتقط ضالتها إلا لمنشد‏.‏
وعن ابن عباس‏:‏ ما أعلم على الأرض مدينة يرفع فيها حسنة مائةً إلا مكة ويكتب لمن صلى ركعة مائة ركعة إلا مكة ويكتب لمن نظر إلى بعض بنيانها عبادة الدهر إلا مكة ويكتب لمن يتصدق بدرهم ألف درهم إلا مكة‏!‏ وهي مدينة في واد والجبال مشرفة عليها من جوانبها وبناؤها حجارة سود ملس وبيض أيضاً‏.‏
وهي طبقات مبيضة نظيفة حارة في الصيف جداً إلا أن ليلها طيب وعرضها سعة الوادي وماؤها من السماء ليس بها نهر ولا بئر يشرب ماؤها وليس بجميع مكة شجر مثمر فإذا جزت الحرم فهناك عيون وآبار ومزارع ونخيل وميرتها تحمل إليها من غيرها بدعاء الخليل عليه السلام‏:‏ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع إلى قوله من الثمرات‏.‏
وأما الحرم فله حدود مضروبة بالمنار قديمة بينها الخليل عليه السلام وحده عشرة أميال في مسيرة يوم وما زالت قريش تعرفها في الجاهلية والإسلام‏.‏
فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر قريشاً على ما عرفوه فما كان دون المنار لا يحل صيده ولا يختلى خشيشه ولا يقطع شجره ولا ينفر طيره ولا يترك الكافر فيه‏.‏
ومن عجيب خواص الحرم ان الذئب يتبع الظبي فإذا دخل الحرم كف عنه‏!‏ وأما المسجد الحرام فأول من بناه عمر بن الخطاب في ولايته والناس ضيقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها فقال عمر‏:‏ إن الكعبة بيت الله ولا بد لها من فناء‏.‏
فاشترى تلك الدور وزادها فيه واتخذ للمسجد جداراً نحو القامة ثم زاد عثمان فيه ثم زاد عبد الله بن الزبير في اتقانه وجعل فيها عمداً من الرخام وزاد في أبوابه وحسنه‏.‏
ثم زاد عبد الملك بن مروان في ارتفاع حيطانها وحمل السواري إليها من مصر في الماء إلى جدة ومن جدة إلى مكة على العجل وأمر الحجاج فكساها الديباج ثم الوليد بن عبد الملك زاد في حلى البيت لما فتح بلاد الأندلس فوجد بطليطلة مائدة سليمان عليه السلام كانت من ذهب ولها أطواق من الياقوت والزبرجد فضرب منها حلى الكعبة والميزاب فالأولى المنصور وابنه المهدي زادوا في اتقان المسجد وتحسين هيئته والآن طول المسجد الحرام ثلاثمائة ذراع وسبعون ذراعاً وعرضه ثلاثمائة ذراع وخمس عشرة ذراعاً وجميع أعمدة المسجد أربعمائة وأربعة وثلاثون عموداً وأما الكعبة زادها الله شرفاً فإنها بيت الله الحرام‏.‏
إن أول ما خلق الله تعالى في الأرض مكان الكعبة ثم دحا الأرض من تحتها فهي سرة الأرض ووسط الدنيا وأم القرى قال وهب‏:‏ لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة حزن واشتد بكاؤه فعزاه الله بخيمة من خيامها وجعلها موضع الكعبة وكانت ياقوتة حمراء وقيل درة مجوفة من جواهر الجنة ثم رفعت بموت آدم عليه السلام فجعل بنوه مكانها بيتاً من حجارة فهدم بالطوفان وبقي على ذلك ألفي سنة حتى أمر الله تعالى خليله ببنائه فجاءت السكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم فبنى الخليل وإسمعيل عليهما السلام على ما ظللته‏.‏
وأما صفة الكعبة فإنها في وسط المسجد مربع الشكل بابه مرتفع على الأرض قدر قامة عليه مصراعان ملبسان بصفائح الفضة طليت بالذهب وطول الكعبة أربعة وعشرون ذراعاً وشبر وعرضها ثلاثة وعشرون ذراعاً وشبر وذرع دور الحجر خمسة وعشرون ذراعاً وارتفاع الكعبة سبعة وعشرون ذراعاً‏.‏
والحجر من جهة الشام يصب فيه الميزاب وقد ألبست حيطان الحجر مع أرضه الرخام وارتفاعه حقو وحول البيت شاذروان مجصص ارتفاعه ذراع في عرض مثله وقاية للبيت من السيل‏.‏
والباب في وجهها الشرقي على قدر قامة من الأرض طوله ستة أذرع وعشر أصابع وعرضه ثلاثة أذرع وثماني عشرة إصبعاً‏.‏
والحجر الأسود على رأس صخرتين وقد نحت من الصخر مقدار ما دخل فيه الحجر‏.‏
والحجر الأسود حالك على الركن الشرقي عند الباب في الزاوية وهو على مقدار رأس إنسان وذكر بعض المكيين حديثاً رفعوا على مشايخهم انهم نظروا إلى الحجر الأسود عند عمارة ابن الزبير البيت فقدروا طوله ثلاثة أذرع وهو ناصع البياض إلا وجهه الظاهر وارتفاع الحجر من الأرض ذراعان وثلث ذراع وما بين الحجر والباب الملتزم سمي بذلك لالتزامه الدعاء‏.‏
كانت العرب في الجاهلية تتحالف هناك فمن دعا على ظالم هناك أو حلف اثماً عجلت عقوبته وداخل البيت في الحائط الغربي الجزعة على ستة أذرع من قاع البيت وهي سوداء مخططة ببياض طولها اثنا عشر في مثل ذلك وحولها طوق من ذهب عرضه ثلاث أصابع ذكر أن النبي عليه السلام جعلها على حاجبه الأيمن‏.‏
والميزاب متوسط على جدار الكعبة بارز عنه قدر أربعة أذرع وسعته وارتفاع حيطانه كل واحد ثماني أصابع وباطنه صفائح الذهب والبيت مستر بالديباج ظاهره وباطنه ويجدد لباسه كل سنة عند الموسم‏.‏
فإذا كثرت الكسوة خفف عنه وأخذها سدنة البيت وهم بنو شيبة‏.‏
وهذه صفة الكعبة والمسجد الحرام حولها ومكة حول المسجد والحرم حول مكة والأرض حول الحرم هكذا‏.‏
روي عن النبي عليه السلام ان الله تعالى قد وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف فإن نقصوا كملهم بالملائكة وان الكعبة كالعروس المزفوفة وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون معها حتى تدخل الجنة فيدخلون معها‏.‏
وعن علي‏:‏ ان الله تعالى قال للملائكة‏:‏ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا‏:‏ أتجعل فيها من يفسد فيها فغضب عليهم وأعرض عنهم‏.‏
فطافوا بعرش الله سبعاً كما يطوف الناس بالبيت اليوم يسترضونه يقولون‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏!‏ ربنا معذرة إليك‏!‏ نستغفرك ونتوب إليك‏!‏ فرضي عنهم وقال‏:‏ ابنوا في الأرض بيتاً يطوف به عبادي من غضبت عليه أرضى عنه كما رضيت عنكم‏.‏
وأما خصائص البيت وعجائبه فإن أبرهة بن الصباح قصده وأراد هدمه فأهلكه الله تعالى بطير أبابيل‏.‏
وذكر أن اساف بن عمرو ونائلة بنت سهيل زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين نصب أحدهما على الصفا والآخر على المروة ليعتبر بهما الناس‏.‏
فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها إلى أن كسرهما رسول الله فيهما كسر من الأصنام‏.‏
ومن عجائب البيت أن لا يسقط عليه حمام إلا إذا كان عليلاً وإذا حاذى الكعبة عرقة من طير تفرقت فرقتين ولم يعلها طائر منها‏.‏
وإذا أصاب المطر أحد جوانبها يكون الخصب في تلك السنة في ذلك الجانب فإذا عم المطر جميع الجوانب عم الخصب جميع الجوانب ومن سنة أهل مكة ان من علا الكعبة من عبيدهم يعتقونه وفي مكة من الصلحاء من لم يدخل الكعبة تعظيماً لها‏.‏
وعن يزيد بن معاوية‏:‏ ان الكعبة كانت على بناء الخليل عليه السلام إلى أن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة فجاءها سيل عظيم هدمها فاستأنفوا عمارتها وقريش ما وجدوا عندهم مالاً لعمارة الكعبة إلى أن رمى البحر بسفينة إلى جدة فتحطمت فأخذوا خشبها واستعانوا بها على عمارتها فلما انتهوا إلى موضع الركن اختصموا وأراد كل قوم أن يكونوا هم الذين يضعونه في موضعه وتفاقم الأمر بينهم حتى تناصفوا على أن يجعلوا ذلك لأول طالع فطلع عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فاحتكموا إليه فقال‏:‏ هلموا ثوباً‏!‏ فأتي به فوضع الركن فيه ثم قال‏:‏ لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ففعلوا ذلك حتى إذا رفعوه إلى موضعه أخذ النبي عليه السلام الحجر بيده ووضع في الركن‏.‏
وعن عائشة قالت‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجر أمن البيت هو قال‏:‏ نعم‏.‏
قلت‏:‏ فما بالهم لم يدخلوه في البيت فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن قومك قصرت بهم النفقة‏.‏
قلت‏:‏ فما شأن بابه مرتفعاً قال‏:‏ فعلوا ذلك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية أخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت اني أدخل الحجر في البيت‏.‏
فأدخل عبد الله بن الزبير عشرة من الصحابة حتى سمعوا منها ذلك ثم هدم البيت وبناها على ما حكت عائشة‏.‏
فلما قتل الحجاج ابن الزبير ردها على ما كان وأخذ بقية الأحجار وسد بها الغربي ورصف الباقي في البيت فهي الآن على بناء الحجاج‏.‏
وأما الحجر الأسود فجاء في الخبر انه ياقوتة من يواقيت الجنة وانه يبعث يوم القيامة وله عينان روي أن عمر بن الخطاب قبله وبكى حتى علا نشيجه فالتفت فرأى علياً فقال‏:‏ يا أبا الحسن ههنا تسكب العبرات واعلم انه حجر لا يضر ولا ينفع‏!‏ ولولا اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ما قبلته‏!‏ فقال علي‏:‏ بلى هو يضر وينفع يا عمر لأن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتاباً وألقمه هذا الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود وذلك قول الناس عند الاستلام‏:‏ اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك‏.‏
قال عبد الله بن عباس‏:‏ ليس في الأرض شيء من الجنة إلا الركن الأسود والمقام فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة ولولا مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى‏.‏
ولم يزل هذا الحجر محترماً في الجاهلية والإسلام يقبلونه إلى أن دخلت القرامطة مكة سنة سبع عشرة وثلاثمائة عنوة فنهبوها وقتلوا الحجاج وأخذوا سلب البيت وقلعوا الحجر الأسود وحملوه إلى الاحساء من أرض البحرين حتى توسط فيه الشريف أبو علي عمر بن يحيى العلوي بين الخليفة المطيع لله وبين القرامطة سنة خمس وثلاثين فأخذوا مالاً عظيماً وردوه‏.‏
فجاءوا به إلى الكوفة وعلقوه على الأسطوانة السابعة من أساطين الجامع ثم حملوه على مكانه‏.‏
وحكي أن رجلاً من القرامطة قال لبعض علماء الكوفة وقد رآه يقبل الحجر ويتمسح به‏:‏ ما يؤمنكم انا غيبنا ذلك الحجر وجئنا بمثله فقال‏:‏ ان لنا فيه علامةً وهي انا إذا طرحناه في الماء وأما المقام فإنه الحجر الذي وقف عليه الخليل عليه السلام حين أذن في الناس بالحج‏.‏
وذرع المقام ذراع وهو مربع سعة أعلاه أربع عشرة إصبعاً في مثلها ومن أسفله مثل ذلك وفي طرفيه طوق من ذهب وما بين الطرفين بارز لا ذهب عليه طوله من نواحيه كلها تسع أصابع وعرضه عشر أصابع وعرضه من نواحيه إحدى وعشرون إصبعاً والقدمان داخلتان في الحجر سبع أصابع وبين القدمين من الحجر إصبعان ووسطه قد استدق من التمسح‏.‏
وهو في حوض مربع حوله رصاص وعليه صندوق ساج في طرفه سلسلتان يقفل عليهما قفلان‏.‏
قال عبد الله بن شعيب بن شيبة‏:‏ ذهبنا نرفع المقام في عهد المهدي فانثلم وهو حجر رخو فخشينا أن يتفتت فكتبنا به إلى المهدي فبعث إلينا ألف دينار فصببناها في أسفله وأعلاه وهو الذي عليه اليوم‏.‏
وبها جبل أبي قبيس وهو جبل مطل على مكة تزعم العوام ان من أكل عليه الرأس المشوي يأمن من وجع الرأس وكثير من الناس يفعلون ذلك والله أعلم بصحته‏.‏
وبها الصفا والمروة وهما جبلان ببطحاء مكة‏.‏
قيل‏:‏ ان الصفا اسم رجل والمروة اسم امرأة زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجراً فوضعا كل واحد على الجبل المسمى باسمه لاعتبار الناس‏.‏
وجاء في الحديث‏:‏ ان الدابة التي هي من اشراط الساعة تخرج من الصفا والواقف على الصفا يكون بحذاء الحجر الأسود والمروة تقابل الصفا‏.‏
وبها جبل ثور أطحل وهو جبل مبارك بقرب مكة يقصده الناس لزيارة الغار الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر حين خرج من مكة مهاجراً‏.‏
وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز‏:‏ إذ أخرجه الذين كفروا الآية يزوره الناس متبركين به‏.‏
وبها ثبير وهو جبل عظيم بقرب منى يقصده الناس زائرين متبركين به لأنه أهبط عليه الكبش الذي جعله الله فداء لإسمعيل عليه السلام وكان قرنه معلقاً على باب الكعبة إلى وقت الغرق قبل المبعث بخمس سنين‏.‏
رآه كثير من الصحابة ثم ضاع بخراب الكعبة بالغرق‏.‏
وتقول العرب‏:‏ أشرق ثبير كيما نغير إذا أرادوا استعجال الفجر‏.‏
وبها جبل حراء وهو جبل مبارك على ثلاثة أميال من مكة يقصده الناس زائرين‏.‏
وكان النبي عليه السلام قبل أن يأتيه الوحي حبب إليه الخلوة وكان يأتي غاراً فيه‏.‏
وأتاه جبرائيل عليه السلام في ذلك الغار وذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم ارتقى ذروته ومعه نفر من أصحابه فتحرك فقال عليه السلام‏:‏ اسكن حرا فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد‏!‏ فسكن‏.‏
وبها قدقد وهو من الجبال التي لا يوصل إلى ذروتها وفيه معدن البرام يحمل إلى سائر بلاد وبها بئر زمزم وهي البئر المشهورة المباركة بقرب الكعبة قال مجاهد‏:‏ ماء زمزم إن شربت منه تريد شفاءً شفاك الله وان شربته لظمإ أرواك الله وان شربته لجوع أشبعك الله‏.‏
قال محمد بن أحمد الهمذاني‏:‏ كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها أربعين ذراعاً وفي قعرها ثلاث عيون‏:‏ عين حذاء الركن الأسود وأخرى حذاء أبي قبيس وقل ماؤها في سنة ثلاث وعشرين ومائتين فحفروا فيها تسعة أذرع فزاد ماؤها ثم جاء الله تعالى بالأمطار والسيول في سنة خمس وعشرين ومائتين فكثر ماؤها وذرعها من رأسها إلى الجبل المنقور فيه إحدى عشرة ذراعاً وهو مطوي والباقي وهو تسع وعشرون ذراعاً منقور في الحجر وذرع تدويرها إحدى عشرة ذراعاً وسعة فمها ثلاث أذرع وثلثا ذراع وعليها ميلان ساج مربعة فيها اثنتا عشرة بكرة يستقى عليها‏.‏
وأول من عمل الرخام عليها وفرش به أرضها المنصور‏.‏
وعلى زمزم قبة مبنية في وسط الحرم عند باب الطواف تجاه باب الكعبة‏.‏
في الخبر‏:‏ ان الخليل عليه السلام ترك إسمعيل وأمه عند الكعبة وكر راجعاً‏.‏
قالت له هاجر‏:‏ إلى من تكلنا قال‏:‏ إلى الله‏.‏
قالت‏:‏ حسبنا الله‏!‏ فأقامت عند ولدها حتى نفد ماؤها فأدركتها الحنة على ولدها فتركت إسمعيل بموضعه وارتقت إلى الصفا تنظر هل ترى عيناً أو شخصاً فلم تر شيئاً فدعت ربها واستسقته ثم نزلت حتى أتت المروة ففعلت مثل ذلك ثم سمعت صوت السباع فخشيت على ولدها فأسرعت نحو إسمعيل فوجدته يفحص الماء من عين قد انفجرت من تحت خده وقيل بل من تحت عقبه فلما رأت هاجر الماء يسري جعلت تحوطه بالتراب لئلا يسيل قيل‏:‏ لو لم تفعل ذلك لكان عيناً جارية‏.‏
قالوا‏:‏ وتطاولت الأيام على ذلك حتى عفتها السيول والأمطار ولم يبق لها أثر‏.‏
وعن علي كرم الله وجهه‏:‏ ان عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر إذ أمر بحفر زمزم‏.‏
قال‏:‏ وما زمزم قالوا‏:‏ لا تنزف ولا تهدم يسقي الحجيج الأعظم عند نقرة الغراب الأعصم‏.‏
فغدا عبد المطلب ومعه الحرث ابنه فوجد الغراب ينقر بين أساف ونائلة فحفر هناك فلما بدا الطي كبر فاستشركه قريش وقالوا‏:‏ انه بئر أبينا إسمعيل ولنا فيه حق‏!‏ فتحاكموا إلى كاهنة بني سعد باشراف الشام وساروا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نفد ماؤهم وظمئوا وأيقنوا بالهلاك فانفجرت من تحت خف عبد المطلب عين ماء فشربوا منها وعاشوا‏.‏
وقالوا‏:‏ قد والله قضي لك علينا لا نخاصمك فيها أبداً إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم‏!‏ فانصرفوا فحفر عبد المطلب زمزم فوجد فيها غزالين من ذهب وأسيافاً قلعية كانت جرهم دفنتها فيها وقت خروجهم من مكة فضرب الغزالين بباب الكعبة وأقام سقاية الحاج بمكة والله الموفق‏.‏
وينسب إلى مكة المهاجرون الذين أكثر الله تعالى عليهم من الثناء في كتابه المجيد وخص بعضهم بمزيد فضيلة وهم المبشرة العشرة ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إنهم في الجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله عليهم أجمعين‏.‏
ملتان
هي آخر مدن الهند مما يلي الصين مدينة عظيمة منيعة حصينة جليلة عند أهل الصين والهند وانها بيت حجهم ودار عبادتهم كمكة لنا‏.‏
وأهلها مسلمون وكفار‏.‏
والمدينة في دولة المسلمين وللكفار بها القبة العظمى والبد الأكبر والجامع مصاقب لهذه القبة والإسلام بها ظاهر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شامل كل ذلك عن مسعر بن مهلهل‏.‏
وقال الاصطخري‏:‏ مدينة حصينة منيعة دار الملك ومجمع العسكر والملك مسلم لا يدخل المدينة إلا يوم الجمعة يركب الفيل ويدخل المدينة لصلاة الجمعة‏.‏
بها صنم يعظمه الهند ويحج إليه من أقصى بلاد الهند ويتقرب إليه كل سنة بأموال عظيمة لينفق على بيت الصنم والمعتكفين منهم‏.‏
وبيت الصنم قصر مبني في أعمر موضع بين سوق قال مسعر بن مهلهل‏:‏ سمك القبة في الهواء ثلاثمائة ذراع وطول الصنم عشرون ذراعاً وحول القبة بيوت يسكنها خدم الصنم والعاكفون عليه وليس في ملتان عباد الصنم إلا في هذا القصر‏.‏
وصورة الصنم إنسان جالس مربعاً على كرسي وعيناه جوهرتان وعلى رأسه إكليل ذهب ماد ذراعيه على ركبتيه منهم من يقول من خشب ومنهم من يقول من غير خشب ألبس بدنه مثل جلد السختيان الأحمر إلا أن يديه لا تنكشفان وجعل أصابعه من يديه كالقابض أربعة في الحساب وملك ملتان لا يبطل ذلك الصنم لأنه يحمل إليه أموالاً عظيمة يأخذها الملك وينفق على سدنة الصنم شيئاً معلوماً‏.‏
وإذا قصدهم الهند محاربين أخرج المسلمون الصنم ويظهرون كسره أو إحراقه فيرجعون عنهم‏.‏
حكى ابن الفقيه أن رجلاً من الهند أتى هذا الصنم وقد اتخذ لرأسه تاجاً من القطن ملطخاً بالقطران ولأصابعه كذلك وأشعل النار فيها ووقف بين يدي الصنم حتى احترق‏.‏
وينسب إليها هارون بن عبد الله مولى الأزد كان شجاعاً شاعراً ولما حارب الهند المسلمين بالفيل لم يقف قدام الفيل شيء وقد ربطوا في خرطومه سيفاً هذاماً طويلاً ثقيلاً يضرب به يميناً وشمالاً لا يرفعه فوق رأس الفيالين على ظهره ويضرب به فوثب هارون وثبة أعجله بها عن الضرب ولزق بصدر الفيل وتعلق بأنيابه فجال به الفيال جولة كاد يحطمه من شدة ما جال به‏.‏
وكان هارون شديد الخلق رابط الجأش فاعتمد في تلك الحالة على نابيه وأصلهما مجوف فانقلعا من أصلهما وأدبر الفيل وبقي النابان في يد هارون وكان ذلك سبب هزيمة الهند وغنم المسلمون فقال هارون في ذلك‏:‏ مشيت إليه رادعاً متمهّلاً وقد وصلوا خرطومه بحسام فقلت لنفسي‏:‏ إنّه الفيل ضارباً بأبيض من ماء الحديد هذام فإن تنكإي منه فعذرك واضحٌ لدى كلّ منخوب الفؤاد عبام ولمّا رأيت السّيف في رأس هضبةٍ كما لاح برقٌ من خلال غمام فعافسته حتى لزقت بصدره فلمّا هوى لازمت أيّ لزام وعذت بنابيه وأدبر هارباً وذلك من عادات كلّ محامي مليبار ناحية واسعة بأرض الهند تشتمل على مدن كثيرة بها شجرة الفلفل وهي شجرة عالية لا يزول الماء من تحتها وثمرتها عناقيد إذا ارتفعت الشمس واشتد حرها تنضم على عناقيدها أوراقها وإلا أحرقتها الشمس قبل إدراكها وشجر الفلفل مباح إذا هبت الريح سقطت عناقيدها على وجه الماء فيجمعها الناس وكذلك تشنجها ويحمل الفلفل من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب وأكثر الناس انتفاعاً به الفرنج يحملونه في بحر الشام إلى أقصى المغرب‏.‏
منىً
بلدة على فرسخ من مكة طولها ميلان وهي بين جبلين مطلين عليها بها مصانع وآبار وخانات وحوانيت تعمر أيام الموسم وتخلو بقية السنة إلا ممن يحفظها‏.‏
من عجائبها أن الجمار التي ترمى منذ حج الناس إلى زماننا هذا لا يظهر بها من غير أن تكسحها السيول أو يأخذها الناس ولولا الآية الأعجوبة التي فيها لكان ذلك الموضع كالجبال الشاهقة‏.‏
وبها مسجد الخيف ومسجد الكبش وقل أن يكون في الإسلام بلد إلا ولأهله مضرب‏.‏
مندورفين
مدينة بأرض الهند قال مسعر بن مهلهل‏:‏ بها غياض هي منابت القنا ومنها يحمل الطباشير والطباشير رماد هذا القنا وذلك انها إذا جفت وهبت بها الرياح احتك بعضها ببعض واشتدت فيها الحرارة فانقدحت فيها نار ربما أحرقت مسافة خمسين فرسخاً فرماد هذا مندل مدينة بأرض الهند يكثر بها العود حتى يقال للعود المندل وليس هي منبته فإن منابته لا يصل إليها أحد قالوا‏:‏ ان منابت العود جزائر وراء خط الاستواء ويأتي به الماء إلى جانب الشمال فما انقلع رطباً فإذا أصابته ريح الشمال يبقى رطباً وهو الذي يقال له القامروني وما جف ورمته يابساً فإنه المندلي الثقيل المصمت فإن رسب في الماء فهو غاية جداً ليس فوقه خير منه‏.‏
المنصورة مدينة مشهورة بأرض السند كثيرة الخير بناها المنصور أبو جعفر الثاني من خلفاء بني العباس وفيها ينزل الولاة لها خليج من نهر مهران يحيط بالمدينة وهي في وسطه كالجزيرة إلا أنها شديدة الحر كثيرة البق‏.‏
بها ثمرتان لا توجدان في مدينة غيرها‏:‏ إحداهما الليمو على قدر التفاح والأخرى الانبج على شبه الخوخ‏.‏
وأهل المدينة موافقون على أنهم لا يشترون شيئاً من المماليك السندية وسببه أن بعض رؤسائها من آل مهلب ربى غلاماً سندياً فلما بلغ رآه يوماً مع زوجته فجبه ثم عالجه حتى هدأ وكان لمولاه ابنان‏:‏ أحدهما بالغ والآخر طفل فأخذ الغلام الصبيين وصعد بهما إلى أعالي سور الدار ثم قال لمولاه‏:‏ والله لئن لم تجب نفسك الآن لأرمين بهما‏!‏ فقال الرجل‏:‏ الله الله في وفي ولدي‏!‏ فقال‏:‏ دع عنك هذا والله ما هي إلا نفس وإني لأسمح بها من شربة ماء ‏!‏ وأهوى ليرمي بهما فأسرع الرجل وأخذ مديةً وجب نفسه فلما رأى الغلام ذلك رمى بالصبيين وقال‏:‏ فعلت بك ما فعلت بي وزيادة قتل الولدين‏.‏
فقتل الغلام بأفظ العذاب وأخرج من المدينة جميع المماليك السندية فكانوا يتداولون في البلاد ولا يرغب أحد بالثمن اليسير في شرائهم‏.‏
بها نهر مهران عرضه كعرض دجلة أو أكثر يقبل من المشرق آخذاً جهة الجنوب متوجهاً إلى المغرب حتى يقع في بحر فارس أسفل السند قال الاصطخري‏:‏ مخرجه من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون ويظهر بملتان على حد سمندور ثم على المنصورة ثم يقع في البحر وهو نهر كبير عذب جداً يقال فيه تماسيح كما في النيل وجريه مثل جريه يرتفع على الأرض ثم ينصب ويزرع عليه مثل ما يزرع على النيل بأرض مصر‏.‏
وقال الجاحظ‏:‏ ان تماسيح نهر مهران أصغر حجماً من تماسيح النيل وأقل ضرراً وذكر أنه مهيمة قرية بين مكة والمدينة على ميل من الأبواء‏.‏
بها ماء مهيمة وهو ماء ساكن لا يجري إذا شربته الإبل يأخذها الهيام وهو حمي الإبل لا تعيش الإبل بها‏.‏
والقرية موبأة لفساد مائها‏.‏
نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة بناها نجران بن زيدان بن سبا بن يشجب قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ القرى المحفوظة أربع‏:‏ مكة والمدينة وإيليا ونجران وما من ليلة إلا وينزل على نجران سبعون ألف ملك يسلمون على أصحاب الأخدود ثم لا يعودون إليها أبداً‏.‏
كان بها كعبة نجران بناها عبد المدان بن الريان الحرثي مضاهاة للكعبة وعظموها وسموها كعبة نجران وكان بها أساقفة مقيمون وهم الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمباهلة‏.‏
قال هشام بن الكلبي‏:‏ انها كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد إذا جاءها الخائف أمن أو طالب حاجة قضيت حاجته أو مسترفد أرفد‏.‏
وكانت القبة على نهر يستغل عشرة آلاف دينار تستغرق القبة جميعها‏.‏ينسب إليها عبد الله بن النامر سيد شهداء نجران قال محمد بن القرطي‏:‏ كان أهل نجران أهل الشرك وكان عندهم ساحر يعلم صبيانهم السحر فنزل بهم رجل صالح وابتنى خيمة بجنب قرية الساحر فجعل أهل نجران يبعثون أولادهم إلى الساحر لتعلم السحر وفيهم غلام اسمه عبد الله وكان ممره على خيمة الرجل الصالح فأعجبه عبادة الرجل فجعل يجلس إليه ويسمع منه أمور الدين حتى أسلم وتعلم منه الشريعة والاسم الأعظم‏.‏
فقال له الرجل الصالح‏:‏ عرفت الاسم الأعظم فاحفظ على نفسك وما أظن أن تفعل‏.‏
فجعل عبد الله إذا رأى أحداً من أصحاب العاهات يقول له‏:‏ إن دخلت في ديني فإني أدعو الله ليعافيك‏!‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏
فيدخل فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد ذو ضربة فرفع أمره إلى الملك فأحضره وقال‏:‏ أفسدت على أهل نجران وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك‏!‏ فقال عبد الله‏:‏ أنت لا تقدر على ذلك‏!‏ فجعل يلقيه من شاهق فيقوم سليماً ويرميه في ماء مغرق فيخرج سليماً‏!‏ فقال له عبد الله‏:‏ لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بمن آمنت به‏.‏
فوحد الله ودخل في دينه ثم ضربه بعصاً كانت في يده فشجه شجة يسيرة فمات عليها‏.‏
فلما رأى أهل نجران ذلك قالوا‏:‏ آمنا برب عبد الله‏.‏
فحفر الملك اخدوداً وملأها حطباً وأضرم فيه النار وأحضر القوم فمن رجع عن دينه تركه ومن لم يرجع ألقاه في النار فذلك قوله تعالى‏:‏ قتل أصحاب الأخدود‏.‏
وذكر أن عبد الله بن النامر أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على شجته كما وضعها عليها حين قتل‏.‏
الندهة
أرض واسعة بالسند بها خلق كثير إلا أنهم كالزط‏.‏
وبها خير كثير وأكثر زروعهم الرز‏.‏
وبها الموز والعسل والنارجيل‏.‏
وبها الجمل الفالج ذو السنامين وهذا الصنف من الإبل لا يوجد إلا هناك يجلب منها إلى خراسان وفارس ويجعل فحلاً للنوق العربية فتولد منهما البخاتي‏.‏
الهند هي بلاد واسعة كثيرة العجائب‏.‏
تكون مسافتها ثلاثة أشهر في الطول وشهرين في العرض وهي أكثر أرض الله جبالاً وأنهاراً وقد اختصت بكريم النبات وعجيب الحيوان ويحمل منها كل طرفة إلى سائر البلاد مع أن التجار لا يصلون إلا إلى أوائلها‏.‏
وأما أقصاها فقلما يصل إليها أهل بلادنا لأنهم كفار يستبيحون النفس والمال‏.‏
والهند والسند كانا أخوين من ولد توقير بن يقطن بن حام بن نوح عليه السلام وهم أهل ملل متلفة‏:‏ منهم من يقول بالخالق دون النبي وهم البراهمة ومنهم من لا يقول بهما ومنهم من يعبد بها من المعدنيات جواهر نفيسة ومن النبات أشياء غريبة ومن الحيوانات حيوانات عجيبة ومن العمارة رفيعة قال أبو الضلع السندي يذكر بلاد الهند وما يجلب منها‏:‏ لقد أنكر أصحابي وما ذلك بالأمثل إذا ما مدح الهند وسهم الهند في المقتل لعمري إنّها أرضٌ إذا القطر بها ينزل يصير الدّرّ والياقوت والدّرّ لمن يعطل فمنها المسك والكافور والعنبر والمندل وأصنافٌ من الطّيب ليستعمل من يتفل وأنواع الأفاويه وجوز الطّيب والسّنبل ومنها العاج والسّاج ومنها العود والصّندل وإنّ التّوتيا فيها كمثل الجبل الأطول ومنها الببر والنّمر ومنها الفيل والدّغفل ومنها الكرك والببغاء والطّاووس والجوزل وأرماحٌ إذا ما هزّت اهتزّ بها الجحفل فهل ينكر هذا الفضل إلاّ الرّجل الأخطل ومن عجائب الهند حجر موسى فإنه يوجد بالليل ولا يوجد بالنهار يكسر كل حجر ولا يكسره حجر‏.‏
ومن عجائبها شجرة كسيوس فإنها شجرة حلوة الثمرة تقع الحمام عليها وتأكل من ثمرتها فيغشى على الحمام فتأتي الحية لقصد الحمام فإن كان على غصن الشجرة أو ظلها لا تقدر الحية أن تقربها‏.‏
ومن عجائبها البيش وهو نبت لا يوجد إلا بالهند سم قاتل أي حيوان يأكل منه يموت ويتولد تحته حيوان يقال له فأرة البيش يأكل منه ولا يضره ومما ذكر أن ملوك الهند إذا أرادوا الغدر بأحد عمدوا إلى الجواري إذا ولدن وفرشوا من هذا النبت تحت مهودهن زماناً ثم تحت فراشهن زماناً ثم تحت ثيابهن زماناً ثم يطعمونهن منه في اللبن حتى تصير الجارية إذا كبرت تتناول منه ولا يضرها ثم بعثوا بها مع الهدايا إلى من أرادوا الغدر به من الملوك فإنه إذا غشيها مات‏.‏
وبها غنم لها ست ألايا‏:‏ إحداها على المكان المعهود والثانية على الصدر والثالثة والرابعة وبها حيات إذا لسعت إنساناً يبقى كالميت فيشدونه على لوح ويلقونه في الماء والماء يذهب به إلى موضع فيه مارستان وعلى الماء من يترصد الملسوعين فيأخذهم ويعالجونهم فيرجع بعد مدة إلى أهله سالماً‏.‏
وبها طير عظيم الجثة جداً قالوا‏:‏ إنه في بعض جزائرها إذا مات نصف منقاره يتخذ مركباً يركب الناس فيه في البحر وعظم ريشه يتخذ آزون الطعام ويسع الواحد منه أحمالاً كثيرة‏.‏
ومن عجائبها مدينة إذا دخلها غريب لم يقدر على المجامعة أصلاً ولو أقام بها ما أقام فإذا خرج عنها زال عنه المانع ورجع إلى حاله‏.‏
قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بأرض الهند بحيرة مقدار عشرة فراسخ في مثلها ماؤها ينبع من أسفلها لا يأتيها شيء من الأنهار‏.‏
وفي تلك البحيرة حيوانات على صورة الإنسان إذا كان الليل يخرج منها عدد كثير يلعبون على ساحل البحر ويرقصون ويصفقون باليدين وفيهم جوار حسناوات‏.‏
ويخرج منها أيضاً حيوانات على غير صورة الإنسان عجيبة الأشكال والناس في الليلة القمراء يقعدون من البعد وينظرون إليهم وكلما كان النظار أكثر كان الخارجون أكثر‏.‏
وربما جاءوا بالفواكه الكثيرة أكلوها وتركوا ما فضل منها على الساحل وإن مات منهم أحد أخرجوه من البحيرة وستروا سوأته بالطين والناس يدفنونه وما دام يبقى على الساحل لا يخرج قال صاحب عجائب الأخبار‏:‏ بأقصى بلاد الهند أرض رملها مخلوط بالذهب وبها نوع من النمل عظام وهي أسرع عدواً من الكلب‏!‏ وتلك الأرض شديدة الحرارة جداً فإذا ارتفعت الشمس واشتدت الحرارة تهرب النمل إلى أسراب تحت الأرض وتختفي فيها إلى أن تنكسر سورة الحر فتأتي الهند بالدواب عند اختفاء النمل ويحمل من ذلك الرمل ويسرع في المشي مخافة أن يلحقهم النمل فيأكلهم‏.‏
قال المسعودي‏:‏ بأرض الهند هيكل عظيم عندهم يقال له بلاذري ليس لهم هيكل أعظم منه له بلد قد وقف عليه وحوله ألف مقصورة فيها جوار موقوفة على الصنم لمن جاءه زائراً‏.‏
ومن جاء سجد له وأقام في ضيافته ثلاثاً وبات عند جارية من جواريه ثم رجع‏.‏
بها جبل قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ على هذا الجبل صورة أسدين يخرج من فمهما ماء كثير يصير ساقيتين عليهما شرب قريتين علي كل ساقية قرية فوقعت بين القريتين خصومة فكسروا فم أحدهما فانقطع ماؤه فأصلح المكسور ليرجع إلى حاله فما أفاد شيئاً‏.‏
وبها نهر كبك وهو نهر عظيم وللهند فيه اعتقاد عظيم من مات من عظمائهم يلقون عظامه في هذا النهر ويقولون إنها تساق إلى الجنة وبين هذا النهر وسومناة مائتا فرسخ يحمل كل يوم من مائه إلى سومناة ليغسلوا به بيوت الأصنام وغيرها يتبركون به‏.‏وبها عين العقاب قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بأرض الهند جبل فيه عين ماء إذا هرمت العقاب تأتب بها أفراخها هذه العين وتغسلها فيها ثم تضعها في الشمس فإن ريشها يتساقط عنها وينبت لها ريش جديد ويزول عنها الضعف وترجع إلى القوة والشباب‏.‏
حكي انه ذكر في مجلس كسرى أنوشروان أن بأرض الهند جبلاً فيه شجر ثمرتها تحيي الموتى فبعث رجلاً إلى بلاد الهند ليأتيه بصحة هذا الكلام فذهب إلى بلاد الهند يسأل عن الجبل حتى اجتمع ببعض البراهمة فقال له‏:‏ هذا الكلام مرموز من كلام الحكماء أرادوا بالجبل الرجل العالم وبالشجرة علمه وبثمرتها فائدة علمه وبالحياة حياة الآخرة‏.‏
فقال كسرى‏:‏ صدق عالم الهند الأمر كما ذكر‏.‏
يترب
قرية من قرى اليمامة كثيرة النخل قال ابن الكلبي‏:‏ كان بها رجل من العمالقة يقال له عرقوب فأتاه أخ له مستميحاً فقال له عرقوب‏:‏ إذا أطلعت نحلي فلك طلعها‏.‏
فلما أطلعت قال‏:‏ دعها حتى تصير بلحاً فلما أبلحت قال‏:‏ دعها حتى تصير زهواً ثم حتى تصير بسراً ثم حتى تصير رطباً ثم تمراً‏.‏
فلما أتمرت عمد إليها ليلاً فجدها فصار مثلاً في الخلف قال الأصمعي‏:‏ اليمامة ناحية بين الحجاز واليمن أحسن بلاد الله وأكثرها خيراً ونخلاً وشجراً‏.‏
كانت في قديم الزمان منازل طسم وجديس وهما من ولد لاوذ بن ارم بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام‏.‏
أقاموا باليمامة فكثروا بها وملك عليهم رجل من طسم يقال له عمليق بن حياش وكان جباراً ظلوماً يحكم بينهم بما شاء‏.‏
حكي انه احتكم إليه رجل وامرأة في مولود بينهما فقال الزوج واسمه قابس‏:‏ أيها الملك أعطيتها المهر كاملاً ولم أصب منها طائلاً إلا ولداً جاهلاً فافعل ما كنت فاعلاً‏!‏ فقالت الزوجة واسمها هزيلة‏:‏ أيها الملك هذا ولدي حملته تسعاً ووضعته دفعاً وأرضعته شبعاً ولم أنل منه نفعاً حتى إذا تمت فصاله واشتدت أوصاله أراد زوجي أخذه كرهاً وتركي ولهى‏!‏ فقال الزوج‏:‏ إني حملته قبل أن تحمله وكفلت أمه قبل أن تكفله‏!‏ فقالت الزوجة‏:‏ إنه أيها الملك حمله خفاً وأنا حملته ثقلاً ووضعه شهوةً وأنا وضعته كرهاً‏!‏ فلما رأى عمليق متانة حجتها تحير ورأى أن يجعل الغلام في جملة غلمانه حتى يتبين له الرأي فيه فقالت له هزيلة‏:‏ أتينا أخا طسمٍ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:41 am

الاقليم الثالث
أوله حيث يكون الظل نصف النهار إذا استوى الليل والنهار ثلاثة أقدام ونصف وعشر وسدس عشر قدم وآخره حيث يكون ظل الاستواء فيه نصف النهار أربعة أقدام ونصفاً وعشرين وثلاثة عشر قدماً‏.‏
وهو يبتديء من المشرق فيمر على شمال بلاد الصين ثم الهند ثم السند ثم كابل وكرمان وسجستان وفارس والاهواز والعراقين والشام ومصر والاسكندرية وبرقة وإفريقية وينتهي إلى حد البحر المحيط‏.‏
وأطول نهار هؤلاء في أول الإقليم ثلاث عشرة ساعة ونصف وربح وفي وسطه أربع عشرة ساعة وفي آخره أربع عشرة ساعة وربع وطوله من المشرق إلى المغرب ثمانمائة ألف وسبعمائة وأربعة وسبعون ميلاً وخمس وأربعون دقيقة وتكسيره مساحة ثلاثمائة ألف ألف وستة آلاف وأربعمائة وثمانية وخمسون ميلاً وتسع وعشرون دقيقة ولنذكر بعض بلاده مرتباً على حروف المعجم‏.‏
أبرقوه
بلدة مشهورة بأرض فارس‏.‏
هم يسمونها دركوه يعني قرب الجبل لأن بها تلاً عظيماً‏.‏
حكي في أخبار الفرس أن سعدى بنت تبع كانت زوجة كيكاوس ملك الفرس عشقت ابن زوجها سياوش وراودته عن نفسه فامتنع عليها فأخبرت أباه أنه راودها كذباً عليه‏.‏
فغضب الملك على ابنه فأجج سياوش ناراً عظيمة بأبرقوه ليدخلها فإن كان بريئاً لا تعمل فيه النار وإن كان خائناً يحترق وكان هذا يمينهم فدخلها سياوش وخرج منها سالماً فانتفت منه التهمة فتأذى من أبيه وفارقه وذهب إلى افراسياب ملك الترك فأكرمه وزوجه ببنته ثم قيل لافراسياب‏:‏ انه يريد الغدر بك فأخذه وقتله فوقعت الخصومة بين الفرس والترك إلى هذا الوقت فذكر أن التل العظيم بأبرقوه رماد نار سياوش‏.‏
ومن عجائب ابرقوه أن المطر لا يقع في داخلها إلا قليلاً وإنما يقع في حواليها دون السور ويزعمون أن ذلك بدعاء الخليل عليه السلام وزعموا أن الخليل عليه السلام منعهم عن استعمال البقر في الزرع وهم لا يستعملونها مع كثرتها بها‏.‏
أبسوج
قرية بمصر في غربي النيل بها بيعة خاصيتها دفع الفأر وذاك على بابها صورة فأرة في جحر والناس يأخذون طين النيل ويطبعونه على صورة الفأرة التي في الجحر ويحملونه إلى بيوتهم وتهرب الفأر عن بيوتهم‏.‏
وذكر أهل القرية أن مركباً كان فيه شعير وقف تحت هذه القرية فقصد صبي من المركب وأخذ شيئاً من طين النيل وطبع به الفأرة ونزل المركب بالطين المطبوع فتبادرت فأر المركب ترمي نفسها في الماء‏.‏
فتعجب الناس من ذلك وجربوه في البيوت أيضاً وكان أي طابع حصل في دار لم تب فيها فأرة إلا خرجت فتقتل أو تفلت إلى موضع لا طابع فيه‏.‏
فأخذ أكثر الناس الطابع وتركوه في بيتهم‏.‏
أبيار
مدينة بقرب الإسكندرية‏.‏بها معدن النطرون‏.‏
من عجائبه أن كل شيء يقع فيه يصير نطروناً حتى لو وقع فيه ثور يصير نطروناً بجميع أجزائه والنطرون نوع من البورق يستعمل في الأدوية‏.‏
أجر
قرية في إفريقية بقرب القيروان لها حصن وقنطرة عجيبة في موضع زعر كثيرة الحجارة من عجائبها ان الريح العاصف دائمة الهبوب بها وأرضها مأسدة الأسود بها كثيرة فلا تخلو من الريح العاصف والأسد القاصف‏.‏
إخميم
بلدة صغيرة عامرة بالنخيل والزروع على النيل الشرقي‏.‏
من عجائبها الجبل الذي في غربيها من أصغى إليه سمع صوتاً كخرير الماء ولغطاً شبيهاً بكلام ولم تعرف حقيقة ذلك‏.‏
وبها البرابي التي هي من عجائب مصر‏.‏
والبربا عبارة عن بيت عمل فيه شجر أو طلسم‏.‏
وبربا اخميم بيت فيه صور ثابتة في الحجارة بادية إلى الآن موجود‏.‏
ذكر في كتاب أخبار مصر انه لما أغرق الله تعالى فرعون وجنوده في البحر خلت مصر عن الرجال الأجناد‏.‏
وكانت امرأة من بيت الفراعنة يقال لها دلوكة أرادت أن يبقى عليها اخميم لا يطمع فيها الملوك لعدم الأجناد‏.‏
وكان في زمانها ساحرة يقدمها سحرة مصر في علم السحر يقال لها تدورة فقالت لها دلوكة‏:‏ احتجنا إليك في شيء تصنعينه يكون حرزاً لبلادنا ممن يرومه من الملوك إذ بقينا بغير رجال‏.‏
فأجابتها إلى ما أرادت وصنعت لها بربا وهو بيت له أربعة أبواب إلى أربع جهات وصورت فيها السفن والرجال والخيل والبغال والحمير وقالت‏:‏ قد عملت لك شيئاً يغنيك عن الرجال والسلاح والحصن فإن من أتاكم من البر يكون على الخيل والبغال والحمير وان من أتاكم من البحر يكون في السفن فعند ذلك تحركت الصور التي هي مثلهم وتشاكلهم فما فعلتم بالصور أصابهم مثل ذلك في أنفسهم‏.‏
فكان بعد ذلك إذا أتاهم عدو تحركت الصور فقطعوا سوق الدواب وفقأوا عيون الرجال وبقروا بطونهم فيصيبهم مثل ذلك‏.‏
وهذه الحكاية وإن كانت وينسب إليها أبو الفيض ذو النون المصري ابن إبراهيم الاخميمي‏.‏
انه كان أوحد وقته علماً وورعاً وأدباً‏.‏
وله حالات عجيبة أعجب من البرابي حكى سالم بن عبد الله المغربي قال‏:‏ سألت ذا النون عن سبب توبته فقال‏:‏ انه عجيب لا تطيقه‏!‏ فقلت‏:‏ وحق معبودك الا أخبرتني ‏!‏ فقال‏:‏ خرجت من مصر أريد بعض القرى فنمت في بعض الطريق ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض فانشقت الأرض فخرجت منها سكرجتان إحداهما ذهب والأخرى فضة وفي إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا فقلت‏:‏ حبي لزمت الباب حتى قبلني‏.‏
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين‏.‏
وحكى يوسف بن الحسين قال‏:‏ بلغني أن ذا النون يعرف اسم الله الأعظم فقصدت مصر وخدمته سنة ثم قلت له‏:‏ أيها الأستاذ أثبت عليك حق الخدمة أريد أن تعرفني اسم الله الأعظم ولا تجد له موضعاً مثلي‏.‏
فسكت حتى أتى على هذا ستة أشهر ثم أخرج لي يوماً طبقاً ومكنةً مشدوداً في منديل وكان ذو النون بالجيزة قال لي‏:‏ أتعرف صديقنا فلاناً بالفسطاط قلت‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ أريد أن تؤدي إليه هذا‏.‏
قال‏:‏ فأخذت الطبق وامشي طول الطريق وأتفكر في ذلك فلم أصبر حتى حللت المنديل ورفعت المكنة فإذا فأرة على الطبق أفلتت ومرت فاغتظت من ذلك وقلت له‏:‏ إنه يسخر بي‏!‏ فرجعت إليه مغتاظاً فلما رآني عرف ما في وجهي فقال‏:‏ يا أحمق ائتمنتك على فأرة فخنتني‏!‏ أفآتمنك على اسم الله الأعظم مر عني لا أراك‏.‏
أرجان
مدينة مشهورة بأرض فارس بناها قباذ بن فيروز والد أنوشروان العادل قال ابن الفقيه‏:‏ من عجائبها كهف في حبل ينبع منه ماء شبيه بعرق يترشح من حجارته يكون منه الموميا الجيد الأبيض وعلى هذا الكهف باب حديد وحفظة يغلق ويختم بختم السلطان إلى يوم من السنة يفتح فيه ويحضر القاضي ومشايخ البلد ويدخل الكهف رجل عريان فيجمع ما قد اجتمع فيه من الموميا ويجعله في قارورة فيكون مقدار مائة مثقال أو دونها ثم يغلق الباب ويختم إلى القابل‏.‏
وخاصيته أن الأنسان إذا سقي منه مقدار عدسة وقد انكسر من أعضائه شيء أو انهشم ينرل كما يشربه إلى الكسر والهشم ويصلحه‏.‏
وبها قنطرة عجيبة على نهر طاب وهي قوس واحدة سعة ما بين القائمتين ثمانون خطوة وارتفاعها مقدار ما يخرج منها راكب الجمل وبيده أطول الأعلام‏.‏
وبها بئر صاهك‏.‏
ذكر أهل ارجان‏:‏ أنهم امتحنوا قعرها بالمثقلات والارسان فلم يقفوا منها وإليها ينسب الفضل بن علان من أعيان أرجان كان به حمى الربع‏.‏
قيل له‏:‏ ان النعمان بن عبد الله يقدم غداً والوجه أن تتلقاه‏.‏
فقال‏:‏ كيف ذلك وغداً نوبة الحمى لكن يا غلام هات اللحاف حتى أحم اليوم وغداً أتلقى الرجل‏!‏ الأردن ناحية بأرض الشام في غربي الغوطة وشماليها وقصبتها طبرية بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيام بها البحيرة المنتنة التي يقال لها بحيرة طبرية‏.‏
ودورة البحيرة ثلاثة أيام والجبال تكتنفها فلا ينتفع بهذه البحيرة ولا يتولد فيها حيوان وقد يهيج في بعض الأعوام فيهلك أهل القرى الذين هم حولها كلهم حتى تبقى خالية مدة ثم يأتي يسكنها من لا رغبة له في الحياة‏.‏
وان وقع في هذه البحيرة شيء لا يبقى منتفعاً به حتى الحطب إذا وقع فيها لا تعمل النار فيه البتة وذكر ابن الفقيه أن الغريق فيها لا يغوص بل يبقى طافياً إلى أن يموت ويخرج من هذه البحيرة حجر على شكل البطيخ يقال له الحجر اليهودي ذكره الفلاسفة واستعمله الأطباء لحصاة المثانة وهو نوعان‏:‏ ذكر وأنثى فالذكر للرجال والأنثى للنساء‏.‏
وبها منزل يعقوب النبي عليه السلام وبها جب يوسف الصديق وإلى الآن باق والناس وينسب إليها الحواريون القصارون قال لهم عيسى عليه السلام‏:‏ من انصاري إلى الله قال الحواريون‏:‏ نحن أنصار الله‏.‏
أريحا
مدينة بقرب بيت المقدس من أعمال الأردن بالغور‏.‏
ذات نخل وموز وسكر كثير وهي قرية الجبارين التي أمر الله موسى عليه السلام بدخولها فقال موسى لبني إسرائيل‏:‏ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم يعني أرض الشام فخرج موسى من مصر بستمائة ألف مقاتل عازماً للشام فلما وصلوا إلى البرية التي بين مصر والشام بعث موسى اثني عشر نقيباً من كل سبط واحداً رسولاً إلى الجبارين ليعرفوا حالهم فلما قربوا من أريحا تلقاهم رجل من العمالقة سألهم عن حالهم فقالوا‏:‏ إنا رسل موسى رسول الله إليكم‏.‏
فجعلهم في كمه كما يجعل أحدنا في كمه العصافير وذهب بهم إلى ملك العمالقة ونفضهم بين يديه وقال‏:‏ هؤلاء الذين يريدون قتالنا‏!‏ أتأذن لي أن أطأهم بقدمي أفسخهم فقال الملك‏:‏ لا اتركهم حتى يرجعوا إلى قومهم يعرفونهم حالنا وقوتنا وضعفهم‏.‏
فرجع النقباء وذكروا للقوم ما شاهدوا فامتنع القوم عن دخول الشام وقالوا‏:‏ إن فيها قوماً جبارين‏.‏
وكان من النقباء يوشع بن نون ابن عم موسى وكالب بن يوفنا زوج أخت موسى قالا‏:‏ يا قوم ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون‏!‏ وجد موسى وهارون جداً عظيماً فقالوا‏:‏ إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فينا فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون‏.‏
فحبسهم الله تعالى في التيه أربعين سنة فماتوا كلهم سوى يوشع وكالب وأوحى الله تعالى إلى يوشع فدخل الشام بأولاد الممتنعين وفتحها فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا مدينة أريحا سجداً لله تعالى شكراً قائلين‏:‏ حطة‏!‏ أي سؤالنا حط ذنوبنا‏.‏
وكانوا يدخلونها على استاههم قائلين حنطة فسخط الله عليهم ورماهم بالطاغين فهلك منهم آلاف مؤلفة وذلك قوله تعالى‏:‏ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون‏.‏
الإسكندرية
وهي المدينة المشهورة بمصر على ساحل البحر‏.‏
اختلف أهل السير في بانيها‏:‏ فمنهم من ذهب إلى أن بانيها الإسكندر الأول وهو ذو القرنين اشك بن سلوكوس الرومي الذي جال الأرض وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها وسد على يأجوج ومأجوج كما أخبر الله تعالى عنه وكان إذا بلغ موضعاً لا ينفذ اتخذ هناك تمثالاً من النحاس ماداً يمناه مكتوباً ومنهم من قال بناها الإسكندر بن دارا ابن بنت الفيلسوف الرومي شبهوه بالإسكندر الأول لأنه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة والأول كان مؤمناً والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاطاليس وبين الأول والثاني دهر طويل‏.‏
قيل‏:‏ إن الإسكندر لما هم ببناء الإسكندرية وكانت قديماً من بناء شداد بن عاد كان بها آثار العمارة والأسطوانات الحجرية ذبح ذبائح كثيرة للقرابين ودخل هيكلاً كان لليونانيين وسأل ربه أن يبين له أمر هذه المدينة هل يتم أم لا فرأى في منامه قائلاً يقول له‏:‏ إنك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم وتختلط الرياح الطيبة بهوائها ويصرف عنها السموم ويطوى عنها شدة الحر والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل وان جلبت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر‏.‏
فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمداً كثيرة من الرخام فأمر بحث الصناع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها فاختاروا وقتاً وعلقوا جرساً حتى إذا حرك الجرس الصناع يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد فإذا هم مترقبون طار طير وقع على الجرس فحركه فوضعوا البناء‏.‏
قيل ذلك للاسكندر فقال‏:‏ أردت طول بقائها وأراد الله سرعة خرابها ولا يكون إلا ما أراد الله فلا تنقضوها‏.‏
فلما ثبت أساسها وجن الليل خرجت من البحر دابة وخربت ما بنوا فلم يزل يحكمها كل يوم ويوكل بها من يحفظها فأصبحوا وقد خربت‏.‏
فأمر الإسكندر باتخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجن فاندفع عنها أذيتهم‏.‏
قال المسعودي‏:‏ الأعمدة التي للطلسم عليها صور وأشكال وكتابة باقية إلى زماننا كل عمود طوله ثمانون ذراعاً عليها صور وأشكال وكتابة فبناها الإسكندر طبقات تحتها قناطر بحيث يسير الفارس تحتها مع الرمح‏.‏
وكان عليها سبعة أسوار وهي الآن مدينة كثيرة الخيرات قال المفسرون‏:‏ كانت هي المراد من قوله تعالى‏:‏ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً‏.‏
وكان بها يوم الزينة واحتجاج موسى والسحرة‏.‏
وكان موسى قبل الإسكندر بأكثر من ألف سنة‏.‏
بها مجلس سليمان عليه السلام قال الغرناطي‏:‏ إنه خارج الإسكندرية بنته الجن منحوتاً من الصخر بأعمدة الرخام لا مثل لها كل عمود على قاعدة من الرخام وعلى رأسه مثل ذلك والرخام أبيض منقط بحمرة وسواد مثل الجزع اليماني طول كل عمود ثلاثون ذراعاً ودورته ثمانية أذرع وله باب من الرخام وعتبته وعضادتاه أيضاً من الرخام الأحمر الذي هو أحسن من الجزع وفي هذا المجلس أكثر من ثلاثمائة عمود كلها من جنس واحد وقد واحد وفي وسط هذا المجلس عمود من الرخام على قاعدة رخامية طوله مائة وإحدى عشرة ذراعاً ودوره خمسة وأربعون شبراً إني شبرتها بشبري‏.‏
ومن عجائبها عمود يعرف اليوم بعمود السواري قريب من باب الشجرة من أبواب الإسكندرية فإنه عظيم جداً كأنه منارة عظيمة وهو قطعة واحدة منتصب على قاعدة من حجر عظيم مربع وعلى رأسه حجر آخر مثل القاعدة كأنه بيت فإن تحت ذلك من مقطعه وانتصابه ورفع الحجر الفوقاني على رأسه يدل على أن فاعليه كانوا في قوة شديدة وكانوا بخلاف أهل زماننا‏.‏
ومن عجائبها ما ذكر أبو الريحان في الآثار الباقية ان بالإسكندرية اسطوانة متحركة والناس يقولون إنها تتحرك بحركة الشمس وإنما قالوا ذلك لأنها إذا مالت يوضع تحتها شيء فإذا استوت لا يمكن أخذها وإن كان خزفاً أو زجاجاً يسمع تقريعه وكانت الإسكندرية مجمع الحكماء وبها كان معاريجهم مثل الدرج يجلس عليها الحكماء على طبقاتهم فكان أوضعهم علماً الذي يعمل الكيمياء فإن موضعه كان على الدرجة السفلى‏.‏
ومن عجائبها المنارة أسفلها مربع من الصخر المنحوت وفوق ذلك منارة مثمنة وفوق المثمنة منارة لطيفة مدورة طول الأولى تسعون ذراعاً والمثمنة مثل ذلك وطول اللطيفة المدورة ثلاثون ذراعاً وعلى أعلى المنارة مرآة وعليها موكل ينظر إليها كل لحظة فإذا خرج العدو من بلاد الروم وركب البحر يراه الناظر في المرآة ويخبر القوم بالعدو فيستعدون لدفعه‏.‏
وكانت المرآة باقية إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان فأنفذ ملك الروم شخصاً من خواصه ذا دهاء فجاء إلى بعض الثغور وأظهر أنه هارب من ملك الروم ورغب في الإسلام وأسلم على يد الوليد بن عبد الملك واستخرج له دفائن من أرض الشام‏.‏
فلما صارت تلك الأموال إلى الوليد شرهت نفسه فقال له‏:‏ يا أمير المؤمنين إن ههنا أموالاً ودفائن للملوك الماضية‏.‏
فسأله الوليد عن مكانه فقال‏:‏ تحت منارة الإسكندرية فإن الإسكندر احتوى على أموال شداد بن عاد وملوك مصر والشام فتركها في آزاج وبنى عليها المنارة‏.‏
فبعث الوليد معه قوماً لاستخراجها فهم نقضوا نصف المنارة وأزيلت المرآة فضجت الناس من أهل الإسكندرية‏.‏
فلما رأى العلج ذلك وعلم أن المرآة أبطلت هرب بالليل في مركب نحو الروم وتمت حيلته‏.‏
والمنارة في زماننا حصن عال على نيق جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة بينها وبين البر نحو شوط فرس ولا طريق إليها إلا في البحر المالح وهي مربعة ولها درج واسعة يصعدها الفارس بفرسه‏.‏
وقد سقفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين للدرجة فترتقي إلى طبقة عالية مشرفة على البحر بشرفات محيطة وفي وسطه حصن آخر يرتقى إليه بدرجة أخرى فيصعد إلى طبقة أخرى لها شرفات وفي وسطها قبة لطيفة كأنها موضع الديدبان‏.‏
وحكي أن عبد العزيز بن مروان لما ولي مصر جمع مشايخها وقال‏:‏ إني أريد أن أعيد بناء الإسكندرية إلى ما كانت‏.‏
فقالوا‏:‏ انظرنا حتى نتفكر‏.‏
فقال‏:‏ أعينوني بالرجال وأنا أعينكم بالمال‏.‏
فذهبوا إلى ناووس وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة ووزنوا سناً من أسنانه فوجودها عشرين رطلاً على ما بها من النخر والقدم فقالوا‏:‏ جئنا بمثل هؤلاء الرجال حتى نعيدها إلى ما كانت‏.‏فسكت‏.‏
بها عين مشهورة بعين الإسكندرية فيها نوع من الصدف يوجد في كل وقت لا يخلو منه في شيء من الأوقات يطبخ وتشرب مرقته تبريء من الجذام‏.‏
والله الموفق‏.‏
أسيوط
مدينة في غربي النيل من نواحي الصعيد في مستوى كثيرة الخيرات عجيبة المتنزهات وعجائب عماراتها وصورها مما يرى لا مما يذكر‏.‏
ولما صورت الدنيا للرشيد لم يستحسن غير كورة اسيوط لكثرة ما بها من الخيرات والمتنزهات‏.‏
فيها سبع وخمسون كنيسة للنصارى‏.‏ومن عجائبها ان بها ثلاثين ألف فدان ينشر ماؤها في جميعها وإن كان قليلاً لاستواء سطح أرضها ويصل الماء إلى جميع أقطارها‏.‏
وبها الأفيون المصري الذي يحمل إلى سائر البلاد وهو عصارة ورق الخشخاش الأسود والخس‏.‏
وبها سائر أنواع السكر ومنها يحمل إلى جميع الدنيا‏.‏
وبها مناسج الديبقي والثياب اللطيفة التي لا يوجد مثلها في شيء من البلاد‏.‏
إصطخر
مدينة بأرض فارس قديمة لا يدرى من بناها كان سليمان عليه السلام يتغدى بأرض الشام ببعلبك ويتعشى بإصطخر‏.‏
بها بيت نار عظيم للمجوس ويقولون إنه كان مسجد سليمان عليه السلام قال المسعودي‏:‏ إنه خارج المدينة دخلته فرأيت بنياناً عجيباً وأساطين صخر عجيبة على أعلاها صور من الصخر عظيمة الأشكال‏.‏
ذكر أهل الموضع أنها صور الأنبياء وهو في سفح جبل وهو هيكل عظيم من عجائبه أن الريح لا تفارق ذلك الهيكل ليلاً ولا نهاراً ولا تفتر عن الهبوب ساعة يقولون‏:‏ ان سليمان عليه السلام حبس الريح فيه‏.‏وذكر ابن الأثير الجزري في تاريخه‏:‏ أن السلطان الب أرسلان لما فتح قلعة اصطخر وجد بها قدح فيروزج اسم جمشيد الملك مكتوب عليه‏.‏
ومن عجائبه تفاح بعضه حلو وبعضه حامض قال الاصطخري‏:‏ حدث بذلك الأمير مرداس بن عمرو فأنكر الحاضرون فأحضر حتى رأوه وزال إنكارهم‏.‏
وينسب إليها الاصطخري صاحب كتاب الأقاليم فإنه ذكر في كتابه النواحي المعمورة وذكر بلادها وقراها والمسافات بينها وخواص موضع ان كان له خاصية وما قصر في جميع ذلك الكتاب‏.‏
إفريقية
مدينة كبيرة كثيرة الخيرات طيبة التربة وافرة المزارع والأشجار والنخل والزيتون وكانت افريقية قديماً بلاداً كثيرة والآن صحارى مسافة أربعين يوماً بأرض المغرب‏.‏
بها برابر وهم مزاتة ولواتة وهوارة وغيرهم‏.‏
وماء أكثر بلادها من الصهاريج‏.‏
وبها معادن الفضة والحديد والنحاس والرصاص والكحل والرخام‏.‏
ومن عجائبها بحيرة بنزرت حدثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني‏:‏ انه يظهر في كل شهر من السنة فيها نوع من السمك يخالف النوع الذي كان قبله فإذا انتهت السنة يستأنف الدور فيرجع النوع الأول وهكذا كل سنة‏.‏
وكذلك نهر شلف فإنه في كل سنة في زمان الورد يظهر فيه صنف من السمك يسمى الشهبوق وهو سمك طوله ذراع ولحمه طيب إلا أنه كثير الشوك ويبقى شهرين‏.‏
ويكثر صيدها في هذا الوقت ويرخص ثمنها ثم ينقطع إلى القابل فلا يوجد في النهر شيء منها إلى السنة القابلة أوان الورد‏.‏
وذكر أبو الحسن علي الجزري في تاريخه‏:‏ انه نشأت بافريقية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة سحابة شديدة الرعد والبرق فأمطرت حجارة كثيرة وأهلكت كل من أصابته‏.‏
أفيق قرية من قرى مصر‏.‏
ذكر بعض الصالحين انه رأى في نومه ملكاً نزل من السماء وقال له‏:‏ أتريد أن تغفر ذنوبك قال الرجل‏:‏ منيتي ذلك‏!‏ فقال‏:‏ قل مثل ما يقوله مؤذن افيق‏.‏
قال‏:‏ فذهبت إلى افيق فرأيت المؤذن لما فرغ من الأذان قال‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير‏.‏
بها أشهد مع الشاهدين وأحملها مع الجاحدين وأعدها ليوم الدين‏.‏
وأشهد أن الرسول كما أرسل والكتاب كما أنزل والقضاء كما قدر وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور على ذلك أحيا وأموت وأبعث إن شاء الله تعالى‏.‏
أنصنا مدينة قديمة على شرقي النيل بأرض مصر قال ابن الفقيه‏:‏ أهل هذه المدينة مسخوا حجراً‏!‏ فيها رجال ونساء مسخوا حجراً على أعمالهم‏:‏ فالرجل نائم مع زوجته والقصاب يقطع لحمه والمرأة تخمر عجينها والصبي في المهد والرغفان في التنور كلها انقلبت حجراً صلداً‏.‏
وبأنصنا شجر اللبخ وهو عود ينشر لألواح السفينة ربما أرعف ناشره فيكون له قيمة وإذا شد لوح بلوح وترك في الماء سنة صار لوحاً واحداً فإذا اتخذ منها سفينة وبقي في الماء مدة صار كأن السفينة قطعة واحدة فلعل عزتها من هذه الجهة ولشجرته ثمرة تشبه البلح في لونه وشكله وطعمه‏.‏
أنطاكية
مدينة عظيمة من أعيان المدن على طرف بحر الروم بالشام‏.‏
موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وفي داخلها مزارع وبساتين‏.‏
وانها بنتها انطاكية بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوح عليه السلام ذات سور وفصيل‏.‏
ولسورها ثلاثمائة وستون برجاً يطوف عليها أربعة آلاف حارس من عند صاحب القسطنطينة يضمنون حراستها سنةً ويستبدل بهم في السنة الثانية وسورها مبني على السهل والجبل من عجائب الدنيا‏.‏دورتها اثنا عشر ميلاً‏.‏
وكل برج من أبراجها منزل بطريق فسكنه بخدمه وخوله وجعل كل برج طبقات أسفله مرابط الخيل وأوسطه منزل الرجال وأعلاه موضع البطريق‏.‏
وكل برج كحصن عليه أبواب حديد وفيها ما لا سبيل إلى قطعه من الخارج‏.‏
والمدينة دائرة نصفها سهلي ونصفها جبلي وقطر الدائرة فاصلة بين السهلي والجبلي‏.‏
ولها قلعة عالية جداً تتبين من بعد بعيد تستر الشمس عن المدينة فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية‏.‏
وبها بيعة القسيان وهو الملك الذي أحيا ولده رئيس الحواريين فطرس كما جاء في القصة في قوله تعالى‏:‏ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون‏.‏
وعلى باب بيعة القسيان صحنان لساعات الليل والنهار يعمل كل واحد اثنتي عشرة ساعة وفي بيعة القسيان من الخدم والمسترزقة ما لا يحصى ولها ديوان فيه بضعة عشر كاتباً‏.‏
والمدينة خمس طبقات على الطبقة الخامسة الحمامات والبساتين ومناظر حسنة وسبب ذلك أن الماء ينزل من الجبل المطل عليها وقد عملوا على الماء الحمامات والبساتين‏.‏
وفيها من الكنائس ما لا يعد كلها معمولة بالفص المذهب والزجاج الملون والبلاط المجزع‏.‏
وحماماتها أطيب الحمامات لأن ماءها العذب السيح ووقودها الآس‏.‏
قال المسعودي‏:‏ رأيت فيها من الماء ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف‏.‏
وحكي أنه كان بأنطاكية إذا أخرج الإنسان يده إلى خارج السور وقع عليه البق وإذا جذبها إلى داخل لا يبقى عليه شيء من البق إلى أن كسروا عموداً من رخام فوجدوا في أعلاه حقة من النحاس فيها بق من نحاس مقدار كف فبطلت تلك الخاصية من ذلك الوقت فالآن يعم البق جميع المدينة‏.‏
وبها نوع من الفأر يعجز السنور عنه‏.‏
وبها مسجد حبيب النجار صاحب يونس رحمة الله عليه الذي قال‏:‏ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين‏.‏
فلما قتلوه أهلكهم الله تعالى بصيحة وكان بأنطاكية مؤمنون وكفار فالصيحة ما أيقظت المؤمنين عن نومهم وأهلكت الكفار كما قال تعالى‏:‏ ان كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون‏.‏
ومسجد حبيب في وسط سوق انطاكية فيه قبره يزور الناس وبها قبر يحيى بن زكرياء عليه السلام‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:43 am

أنطرطوس
حصن على بحر الروم لأهل حمص وهو ثغر به مصحف عثمان بن عفان يذهب الناس إليه تبركاً به‏.‏
أورم الجوز
قرية من نواحي حلب بها بنية كأنها كانت في القديم معبداً يرى المجاورون لها من أهل القرى بالليل منها ضوء نار ساطعاً فإذا جاؤوها لم يروا شيئاً البتة وفي هذه البنية ثلاثة ألواح من حجارة عليها مكتوب بلفظ القديم ما استخرج وفسر وكان ما على اللوح القبلي الاله واحد كملت هذه البنية في تاريخ ثلاثمائة وعشرين لظهور المسيح عليه السلام وعلى اللوح الذي على وجه الباب‏:‏ سلام على من كمل هذه البنية‏.‏
واللوح الشمالي‏:‏ هذا الضوء المشرق الموهوب من الله لنا في أيام البربرة في الدور الغالب المتجدد في أيام الملك اناوس الحرين المنقولين وقلاسس وحنا وقاسوس وبلانيا في شهر أيلول في الثاني عشر من التاريخ المتقدم والسلام على شعوب الأهواز ناحية بين البصرة وفارس ويقال لها خوزستان بها عمارات ومياه وأودية كثيرة وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير لكنها في صيفها لا يفارق الجحيم‏.‏
ومن محنها شدة الحر وكثرة الهوام الطيارة والحشرات القتالة قالوا‏:‏ ذبابها كالزنبور وطنينها كصوت الطنبور لا ترى بها شيئاً من العلوم والآداب ولا من الصناعات الشريفة‏.‏
وأهلها ألأم الناس‏.‏
لا ترى بها وجنة حمراء‏.‏
وهواؤها قتال خصوصاً للغرباء لا تنقطع حماها ولا ينكشف وباؤها البتة وأهلها في عذاب اليم‏.‏
وحكى مشايخ الأهواز انهم سمعوا القوابل ان المولود ربما يولد فنجده محموماً تلك الساعة‏.‏
ومن تمام محنهم أن مأكول أهلها الرز وهم يخبزونه كل يوم لأنه لا يطيب إلا مسخناً فيسجر كل يوم في ذلك الحر الشديد خمسون ألف تنور فيجتمع حر الهواء وحر النيران ودخانها والبخار المتصاعد من سباخها ومناقعها ومسايل كنفها ومياه أمطارها فإذا طلعت الشمس ارتفعت بخاراتها واختلطت بهوائها الذي وصفناه فيفسد الهواء أي فساد ويفسد بفساده كل ما اشتمل عليه‏.‏وتكثر الأفاعي في أراضيها والجرارات من العقارب التي لا ترفع ذنبها كسائر العقارب بل تجره‏.‏
ولو كان في العالم شيء شراً من الأفاعي والجرارات لما قصرت قصبة الاهواز عن توليده وإذا حمل إلى الاهواز الطيب تذهب رائحته ولا يبقى منتفعاً به‏.‏
ينسب إليها أبو الحسن الاهوازي المنشيء صاحب الكلام المرصع له رسالة حسنة في ذلك الأسلوب وهو متفرد به‏.‏
أيلة
مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام كانت مدينة جليلة في زمن داود عليه السلام والآن يجتمع بها حجيج الشام ومصر من جاء بطريق البحر وهي القرية التي ذكرها الله تعالى حاضرة البحر‏.‏
كان أهلها يهوداً حرم الله تعالى عليهم يوم السبت صيد السمك وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها الماخض حتى لا يرى وجه الماء لكثرتها ويوم لا يسبتون لا تأتيهم‏.‏
فكانوا على ذلك برهة من الدهر ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال‏:‏ إنما نهيتم عن صيدها يوم السبت فاتخذوا حياضاً حول البحر وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت فتبقى فيها محصورة واصطادوا يوم الأحد وفي غير يوم السبت لا يأتيهم حوت واحد ففعلوا ما أمرهم الشيطان خائفين‏.‏
فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا‏.‏
وكان أهل القرية نحواً من سبعين ألفاً فصاروا أثلاثاً‏:‏ ثلث ينهون القوم عن الذنب وثلث قالوا‏:‏ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم وثلث يباشرون الخطيئة‏.‏
فلما تنبهوا قال الناهون‏:‏ نحن لا نساكنكم‏.‏
فقسموا القرية للناهين باب وللمتعدين باب ولعنهم داود عليه السلام‏.‏
فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم لم يروا من المتعدين أحداً فقالوا‏:‏ إن للقوم شأناً لعل الخمر غلبتهم‏!‏ فعلوا الجدار ونظروا فإذا هم قردة فدخلوا عليهم والقردة تعرف أنسابها والأنساب لا يعرفونها‏.‏
فجعلت القردة تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتذرف دمعة فيقول نسيبها‏:‏ ألم أنهك عن السوء فتشير القردة برأسها يعني نعم‏.‏
ثم ماتت بعد ثلاثة أيام‏.‏
باميان
ناحية بين خراسان وأرض الغور ذات مدن وقرى وجبال وأنهار كثيرة من بلاد غزنة‏.‏
بها بيت ذاهب في الهواء وأساطين نقش عليها صور الطير وفيه صنمان عظيمان من الحجر‏:‏ يسمى أحدهما سرج بت والآخر خنك بت وما عرف خاصية البيت ولا خاصية الصنم‏.‏قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بأرض باميان ضيعة غير مسكونة من نام فيها يزبنه أخذ برجله فإذا انتبه لا يرى أحداً فإن نام يفعل به ذلك مرة أخرى حتى يخرج منها‏.‏
بها معادن الزئبق ذكره يعقوب البغدادي‏.‏
قال في تحفة الغرائب‏:‏ بأرض باميان عين ينبع منها ماء كثير ولها صوت وغلبة ويشم من ذلك الماء رائحة الكبريت من اغتسل به يزول جربه وإذا رفع من ذلك الماء شيء في ظرف وشد رأسه شداً وثيقاً وترك يوماً يبقى الماء في الظرف خاثراً مثل الخمير وإذا عرضت عليه شعلة النار يشتعل‏.‏
ينسب إليها الحكيم أفضل البامياني‏.‏
كان حكيماً فاضلاً عارفاً أنواع الحكمة‏.‏
طلبه صاحب فارس أتابك سعد بن زنكي وأكرمه وأحسن إليه وقال له‏:‏ أريد أن تحكم على مولودي‏.‏
فقال أفضل‏:‏ الأحكام النجومية لا يوثق بها قد تصيب وتخطيء لكني أفعل ذلك لسنة أو سنتين من الماضي فإن وافق عملت للمستقبل‏.‏
فلما فعل ذلك قال الملك‏:‏ ما أخطأت شيئاً منها‏!‏ وكان عنده حتى مات‏.‏
بداً قرية بتهامة على ساحل البحر مما يلي الشام وهي قرية يعقوب النبي عليه السلام كان بها مسكنه في أيام فراق يوسف عليه السلام ويقال لهذه القرية بيت الأحزان لأن يعقوب كان بها حزيناً مدة طويلة ومنها سار إلى مصر إلى يوسف عليه السلام‏.‏
فجاءت الفرنج في زمن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب وقد عمروها وجعلوا لها حصناً حصيناً قال بعض الشعراء‏:‏ هلاك فرنجٍ أتى عاجلاً وقد آن تكسير صلبانها ولو لم يكن حينها قد أنى لما عمرت بيت أحزانها وكان الأمر كما قال الشاعر‏.‏
قصدها الملك صلاح الدين وفتحها وخربها وكسر صلبانها‏.‏
براق قرية من قرى حلب‏.‏
حدث غير واحد من أهل حلب أن بها معبداً يقصده المرضى والزمنى يبيتون فيه فيرى المريض من يقول له‏:‏ شفاؤك كذا وكذا‏!‏ وربما يرى شخصاً يمسحه بيده فتزول منه الآفة‏.‏
وهذا شيء مستفاض في أهل حلب‏.‏
البشمور كورة بمصر بها قرى وريف وغياض بها كباش ليس في جميع البلاد مثلها عظماً وحسناً وكبر ألايا حتى لا يستطيع حملها فيتخذ لآليته عجلة تحمل عليها أليته وتشد العجلة بحبل إلى عنقه فيظل يرعى ويجر العجلة التي عليها أليته فإذا نزعت العجلة سقطت الالية على الأرض وربض الكبشة ولم يمكنه القيام ولا يوجد مثل هذا الصنف في شيء من البلاد‏.‏
بعلبك مدينة مشهورة بقرب دمشق وهي قديمة كثيرة الأشجار والمياه والخيرات والثمرات ينقل منها الميرة إلى جميع بلاد الشام‏.‏
وبها أبنية وآثار عجيبة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها‏.‏
قيل‏:‏ انها كانت مهر بلقيس‏!‏ وبها قصر سليمان بن داود عليه السلام وقلعتها مقام الخليل عليه السلام وبها دير الياس النبي عليه السلام‏.‏
قالوا‏:‏ إن ذلك الموضع يسمى بك في قديم الزمان حتى عبد بنو إسرائيل بها صنماً اسمه بعل فاضافوا الصنم إلى ذلك الموضع ثم صار المجموع اسماً للمدينة وأهلها على عبادة هذا الصنم فبعث الله إليهم الياس النبي عليه السلام فكذبوه فحبس عنهم القطر ثلاث سنين‏.‏
فقال لهم نبي الله‏:‏ استسقوا أصنامكم فإن سقيتم فأنتم على الحق وإلا فإني أدعو الله تعالى ليسقيكم فإن سقيتم فآمنوا بالله وحده‏!‏ فأخرجوا أصنامهم واستسقوا وتضرعوا فما أفادهم شيئاً فرجعوا إلى نبي الله فخرج ودعا فظهر من جانب البحر سحابة شبه ترس وأقبلت إليهم‏.‏
فلما دنا منهم طبق الآفاق وأغاثهم غيثاً مريعاً أخصب البلاد وأحيا العباد فما ازدادوا إلا شركاً فسأل الله تعالى أن يريحه منهم فأوحى الله تعالى إليه‏:‏ ان اخرج إلى مكان كذا‏.‏
فخرج ومعه اليسع فرأى فرساً من نار فوثب عليه وسار الفرس به ولم يعرف بعد ذلك خبره‏.‏
بلقاء كورة بين الشام ووادي القرى بها قرية الجبارين ومدينة الشراة‏.‏
وبها الكهف والرقيم فيما زعم بعضهم‏.‏
وحديث الرقيم ما روى عبد الله بن عمر أنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل وسدت عليهم الغار فقالوا‏:‏ لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم‏!‏ قال رجل منهم‏:‏ اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا ولداً فباتا في ظل شجر يوماً فلم أبرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً ولا ولداً فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون فاستيقظا وشربا غبوقهما‏!‏ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة‏!‏ فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه‏.‏
وقال الآخر‏:‏ اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت من أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بنا سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت‏:‏ لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه‏!‏ فتخرجت من الوقوع عليها وانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها‏.‏
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه‏!‏ فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها‏.‏
وقال الثالث‏:‏ اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجراً فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فنمت أجرته حتى كثرت منه الأموال‏.‏
فجاءني بعد حين وقال‏:‏ يا عبد الله هات أجرتي‏!‏ فقلت له‏:‏ كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرتك‏!‏ فقال‏:‏ يا عبد الله لا تستهزيء بي‏!‏ فقلت‏:‏ لا أستهزيء‏!‏ فاستاق كله ولم يترك منه شيئاً‏.‏
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه‏!‏ فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون‏.‏مدينة بصعيد مصر على شاطيء النيل‏.‏
قالوا‏:‏ إن بها طلسماً لا يمر بها تمساح إلا ينقلب على ظهره‏.‏
والتمساح إذا انقلب على ظهره لا يقدر على الانقلاب إلى بطنه فيبقى كذلك حتى يموت أو يصطاد‏.‏
بلرم
مدينة بجزيرة صقلية في بحر المغرب قال ابن حوقل الموصلي‏:‏ بها هيكل عظيم سمعت أن أرسطاطاليس فيه في شيء من الخشب معلق والنصارى تعظم قبره وتستسقي به لاعتقاد اليونانيين به قال‏:‏ ورأيت فيها من المساجد أكثر ما رأيت في شيء من البلاد حتى رأيت على مقدار غلوة هم أكثر من عشرة مساجد ورأيت بعضها تجاه بعض‏.‏
فسألت عن ذلك فقالوا‏:‏ القوم لانتفاخ أدمغتهم لا يرضى أحدهم أن يصلي في مسجد غيره ويكون له مسجد لا يصلي فيه غيره‏.‏
بنارق
قرية بين بغداد والنعمانية مقابل دير قنى على دجلة والآن خراب ذكر أبو بكر النحوي البنارقي أن عساكر السلجوقية كثرت بطرقهم على قريتنا والقرية لا سور لها كلما جاؤوا دخلوا وثقلوا علينا فأجمعنا على مفارقتها والعسكر قريب منا وتهيأنا لذلك إلى الليل لنعبر دجلة ونلتحق بدير قنى فإنها كانت ذات سور فاستصحبنا من أمتعتنا ما خف على الأكتاف ولدواب فإذا نيران عظيمة ملأت البرية فظنناها نار العسكر وندمنا على الخروج وقلنا الآن يأخذون جميع ما معنا‏!‏ ونحن في هذا الحديث والنيران قد دهمتنا فإذا هي سائرة بنفسها ولا حامل لها وسمعنا من خلالها أصواتاً حزينة كالنياحة يقول بعضهم‏:‏ فلا ثقبهم ينسدّ ولا ماؤهم يجري وخلّوا منازلهم وساروا مع الفجر فعلمنا أنهم الجن وكان الأمر كما قالوا فإن الأنهار فسدت وما يفرغ الملوك لإصلاحها وبقيت القرى إلى الآن خراباً وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة‏.‏
بنزرت
مدينة بافريقية على ساحل البحر يشقها نهر كبير كثير السمك لها قلاع حصينة يأوي إليها أهل النواحي إذا خرج الروم غزاة وبها رباطات للصالحين وانفردت بنزرت ببحيرة تخرج من البحر الكبير إلى مستقر تجاهها يخرج منها في كل شهر صنف من السمك لا يشبه الصنف الذي كان في الشهر الماضي إلى تمام السنة ثم يعود الدور إلى الأول والسلطان مضنه باثني بيت لحم قرية على فرسخين من بيت المقدس كان بها مولد عيسى عليه السلام‏.‏
وبها كنيسة فيها قطعة من النخل زعموا أنها النخلة التي أكلت منها مريم لما قيل لها‏:‏ وهزي إليك بجذع النخلة‏.‏
بها الماء الذي يقال له المعبودية وهو ماء ينبدي من حجر وإنه عظيم القدر عند النصارى‏.‏
بيت المقدس هي المدينة المشهورة التي كانت محل الأنبياء وقبلة الشرايط ومهبط الوحي‏.‏
بناها داود وفرغ منها سليمان عليه السلام وعن أبي بن كعب‏:‏ ان الله تعالى أوحى إلى داود‏:‏ ابن لي بيتاً‏.‏
فقال‏:‏ يا رب أين قال‏:‏ حيث ترى الملك شاهراً سيفه‏!‏ فرأى داود ملكاً على الصخرة بيده سيف فبنى هناك ولما فرغ سليمان من بنائها أوحى الله تعالى إليه‏:‏ سلني أعطك‏!‏ فقال‏:‏ يا رب أسألك أن تغفر لي ذنبي‏!‏ فقال‏:‏ لك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد‏!‏ فقال‏:‏ لك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك لمن جاءه فقيراً أن تغنيه‏!‏ قال‏:‏ ولك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك إن جاءه سقيماً أن تشفيه‏!‏ قال‏:‏ ولك ذلك‏.‏وعن ابن عباس‏:‏ البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء وما فيه موضع شبر إلا وصلى فيه نبي أو قام فيه ملك‏.‏
واتخذ سليمان فيها أشياء عجيبة‏:‏ منها قبة وهي قبة كانت فيها سلسلة معلقة ينالها المحق ولا ينالها المبطل حتى اضمحلت بالحيلة المعروفة ومنها أنه بنى فيها بيتاً وأحكمه وصقله فإذا دخله الورع والفاجر كان خيال الورع في الحائط أبيض وخيال الفاجر أسود‏.‏
ومنها أنه نصب في زاوية عصا آبنوس من زعم صادقاً أنه من أولاد الأنبياء ومسها لم يضره وإن لم يكن من أولاد الأنبياء إذا مسها احترقت يده‏.‏
ثم ضرب الدهر ضربانه واستولت عليها الجبابرة وخربوها فاجتاز بها عزير عليه السلام فرآها خاوية على عروشها فقال‏:‏ أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه وقد عمرها ملك من ملوك الفرس اسمه كوشك فصارت أعمر مما كانت وأكثر أهلاً والتي عليها الآن أرضها وضياعها جبال شاهقة وليس بقربها أرض وطئة وزروعها على أطراف الجبال بالفؤوس لأن الدواب لا عمل لها هناك‏.‏
وأما نفس المدينة ففي فضاء في وسط ذلك وأرضها كلها حجر وفيها عمارات كثيرة حسنة وشرب أهلها من ماء المطر‏.‏
ليس فيها دار إلا وفيها صهريج‏.‏
مياهها تجتمع من الدروب ودروبها حجرية ليست كثيرة الدنس لكن مياهها رديئة‏.‏
وفيها ثلاث برك‏:‏ بركة بني إسرائيل وبركة سليمان وبركة عياض‏.‏
قال محمد بن أحمد البشاري المقدسي وله كتاب في أخبار بلدان الإسلام‏:‏ إنها متوسطة الحر والبرد وقلما يقع بها ثلج ولا ترى أحسن من بنيانها ولا أنظف ولا أنزه من مساجدها‏!‏ قد جمع الله فيها فواكه الغور والسهل والجبل والأشياء المتضادة‏:‏ كالأترج واللوز والرطب والجوز والتين والموز إلا أن بها عيوباً منها ما ذكر في التوراة‏:‏ انها طست ذهب مملوء عقارب ثم لا يرى أقذر من حماماتها ولا أثقل مونة منها‏!‏ وهي مع ذلك قليلة العلماء كثيرة النصارى وفيهم جفاء على الرحبة والفنادق والضرائب ثقال على ما يباع فيها وليس لمظلوم ناصر وليس بها أمكن من الماء والأذان‏.‏
بها المسجد الأقصى الذي شرفه الله تعالى وعظمه وقال‏:‏ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله‏.‏
وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏:‏ المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا‏.‏
وهو في طرف الشرق من المدينة أساسه من عمل داود عليه السلام‏.‏
طول كل حجر عشرة أذرع وفي قبلته حجر أبيض عليه مكتوب‏:‏ محمد رسول الله خلقة لم يكتبه أحد‏.‏
وصحن المسجد طويل عريض طوله أكثر من عرضه وهو في غاية الحسن والإحكام مبني على أعمدة الرخام الملونة والفسيفساء الذي ليس في شيء من البلاد أحسن منه‏.‏
وفي صحن المسجد مصطبة كبيرة في ارتفاع خمسة أذرع يصعد إليه من عدة مواضع بالدرج وفي وسط هذه المصطبة قبة عظيمة مثمنة على أعمدة رخام مسقفة برصاص منمقة من داخل وخارج بالفسيفساء مطبقة بالرخام الملون‏.‏
وفي وسطها الصخرة التي تزار وعلى طرفها أثر قدم النبي عليه السلام وتحتها مغارة ينزل إليها بعدة درج يصلى فيها‏.‏
ولهذه القبة أربعة أبواب وفي شرقيها خارج القبة قبة أخرى على أعمدة حسنة يقولون‏:‏ انها قبة السلسلة‏.‏
وقبة المعراج أيضاً على المصطبة وكذلك قبة النبي عليه السلام‏.‏
كل ذلك على أعمدة مطبقة أعلاها بالرصاص وذكر أن طول قبة الصخرة كان اثني عشر ميلاً في السماء وكان على رأسها ياقوتة حمراء كان في ضوئها تغزل نساء أهل بلقاء‏.‏
وبها مربط البراق الذي ركبه النبي عليه السلام تحت ركن المسجد‏.‏
وبها محراب مريم عليها السلام الذي كانت الملائكة تأتيها فيه بفاكهة الشتاء في الصيف وبفاكهة الصيف في الشتاء‏.‏
وبها محراب زكرياء عليه السلام الذي بشرته الملائكة بيحيى‏.‏
عليه السلام وهو قائم يصلي وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فصكه فرجع إلى ربه وقال‏:‏ أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت‏!‏ فقال‏:‏ ارجع إليه وقل له حتى يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعر سنة‏.‏
قال‏:‏ أي رب‏!‏ ثم ماذا قال‏:‏ ثم الموت‏!‏ فسأل الله تعالى أن يقبره من الأرض المقدسة رمية حجر فلو كنت ثمة لأريتكم قبره إلى جنب الطريق تحت الكثيب الأحمر‏.‏
أما المسجد فطوله سبعمائة ذراع وأربعة وثمانون ذراعاً وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون ذراعاً وعدة ما فيه من العمد ستمائة وأربعة وثمانون وداخل الصخرة ثلاثون عموداً وقبة الصخرة ملبسة بصفائح الرصاص عليها ثلاثة آلاف صفيحة واثنتان وتسعون ومن فوق ذلك الصفائح النحاس مطلية بالذهب وفي سقوف المسجد أربعة آلاف خشبة وعلى السقوف خمسة وأربعون ألف صفيحة رصاص‏.‏
حجر الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعاً في سبعة وعشرين والمغارة التي تحت الصخرة تسع تسعاً وستين نفساً‏.‏
ويسرج في المسجد ألف وخمسمائة قنديل ويسرج في الصخرة أربعمائة وأربعة وستون قنديلاً‏.‏
وكانت وظيفته كل شهر مائة قسط زيتاً وفي كل سنة ثمانمائة ألف ذراع حصيراً وكان له من الخدم مائتان وثلاثون مملوكاً أقامهم عبد الملك بن مروان من خمس وبها قمامة وهي كنيسة عظيمة للنصارى في وسط البلد لا ينضبط صفتها حسناً وعمارة وتنميقاً وكثرة مال‏.‏
في موضع منها قنديل يزعمون أن نوراً من السماء ينزل في يوم معلوم ويشعله وهذا أمر مشهور عندهم‏.‏
حكي أن بعض أصحاب السلطان ذهب إليها ذلك اليوم وقال‏:‏ إني أريد أن أشاهد نزول هذا النور فقال له القس‏:‏ إن مثل هذه الأمور لا تخفى على أمثالك‏!‏ لا تبطل ناموسنا فإنا نشبه على أصحابنا لتمشية أمرنا فتجاوز عنه‏!‏ وبها عين سلوان يتبرك بها الناس قال ابن البشار‏:‏ سلوان محلة في ربض بيت المقدس تحتها عين غزيرة تسقي جناناً كثيرة وقفها عثمان بن عفان على ضعفاء بيت المقدس‏.‏
قالوا‏:‏ إن ماءها يفيد السلو إذا شربه الحزين ولهذا قال رؤبة‏:‏ لو أشرب السلوان ما سلوت‏.‏
بلاد بربر بلاد واسعة من برقة إلى آخر بلاد المغرب والبحر المحيط‏.‏
سكانها أمة عظيمة يقال إنهم من بقية قوم جالوت لما قتل هرب قومه إلى المغرب فحصلوا في جبالها وهم أحفى خلق الله وأكثرهم بطشاً وأسرعهم إلى الفتنة وأطوعهم لداعية الضلالة‏!‏ ولهم أحوال عجيبة واصطلاحات غريبة سول لهم الشيطان الغوايات وزين لهم أنواع الضلالات‏.‏عن أنس بن مالك قال‏:‏ جئت إلى رسول الله عليه السلام ومعي وصيف فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أنس ما جنس هذا الغلام قلت‏:‏ بربري يا رسول الله‏!‏ فقال‏:‏ بعه ولو بدينار ‏!‏ قلت‏:‏ ولم يا رسول الله قال‏:‏ إنهم أمة بعث الله إليهم رسولاً فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه وبعثوا مرقه إلى نسائهم‏!‏ قال الله تعالى‏:‏ لا اتخذت منكم نبياً ولا بعثت إليكم رسولاً‏.‏
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ولأن أتصدق بعلاقة سوطي في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق رقبة بربرية‏!‏ ولكثرة ما تخالف حالاتهم وعاداتهم سائر الناس قال بعض المغاربة‏:‏ رأيت آدم في نومي فقلت له‏:‏ أبا البريّة إنّ النّاس قد حكموا أنّ البرابر نسلٌ منك قال‏:‏ أنا‏!‏ حوّاءٌ طالقةٌ إن صحّ ما زعموا ومن عاداتهم العجيبة ما حكى ابن حوقل الموصلي التاجر وقد طاف بلادهم‏:‏ إن أكثر البربر يضيفون المارة ويكرمون الضيف ويطعمون الطعام ولا يمنعون أولادهم الذكور من طالب التبديل لو طلب هذا المعنى ممن هو أكبرهم قدراً وأكثرهم حمية وشجاعة لم يمتنع عليه‏.‏
وقد شاهدهم أبو عبد الله الشعبي على ذلك حتى بلغ بهم أشد مبلغ فما تركوه‏.‏
ومن العجب أنهم يرون ذلك كرماً والامتناع عنه لؤماً ونقصاً ونسأل الله السلامة‏!‏ وحكي أيضاً أن أحدهم إذا أحب امرأة وأراد التزوج بها ولم يكن كفؤاً لها عمد إلى بقرة حامل من بقر أبيها ويقطع من ذنبها شيئاً من الشعر ويهرب فإذا أخبر الراعي أهل المرأة بذلك خرجوا في طلبه فإن وجدوه قتلوه وان لم يظفروا به يمضي هو على وجهه فإن وجد أحداً قطع ذكره وأتى القوم به قبل أن تلد البقرة ظفر بالجارية وزوجوها منه ولا يمكنهم الامتناع البتة وإن ولدت البقرة ولم يأت بالذكر المقطوع بطل عمله ولم يمكنه الرجوع إليهم وإن رجع قتلوه وترى في تلك البلاد كثيراً من المجبوبين يكون جبهم بهذا السبب فإذا حصلوا في بلاد المغرب التمسوا القرآن والزهد‏.‏
البيضاء
مدينة كبيرة بأرض فارس بناها العفاريت من الحجر الأبيض لسليمان عليه السلام فيما يقال‏.‏
وبها قهندز يرى من بعد بعيد لشدة بياضه‏.‏
وهي مدينة طيبة كثيرة الخيرات وافرة الغلات صحيحة الهواء عذبة الماء طيبة التربة لا تدخلها الحيات والعقارب ولا شيء من الحيوانات المؤذية‏.‏
من عجائبها ما ذكر أنه في رستاقها عنب كل حبة منها عشرة مثاقيل وتفاح دورته شبران‏.‏ينسب إليها الحسين بن منصور الحلاج صاحب الآيات والعجائب‏.‏
فمن المشهور أنه كان يركب الأسد ويتخذ الحية سوطاً وكان يأتي بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم احدية‏:‏ قل هو الله أحد مكتوب عليها‏.‏
ويخبر الناس بما في ضمائرهم وبما فعلوا‏.‏
وحكي أنه خرج يوماً من الحمام فلقيه بعض من ينكره صفعه في قفاه صفعة قوية فقال له‏:‏ يا هذا لم صفعتني قال‏:‏ الحق أمرني بذلك‏!‏ فقال‏:‏ بحق الحق أردفها بأخرى‏!‏ فلما رفع يده للصفع يبست‏!‏ فلما ظهر قوله أنا الحق أنكره الناس وتكلموا فيه وقالوا‏:‏ قل أنا على الحق‏!‏ فقال‏:‏ ما أقول إلا أنا الحق‏!‏ وسمع منه أشعار مثل قوله‏:‏ أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا ومثل قوله‏:‏ عجبت منك ومنّي أفنيتني بك عنّي أدنيتني منك حتّى ظننت أنّك أنّي فلما سمع أمثال هذه بعض الناس أساؤوا الظن فيه‏.‏
حكى أبو القاسم بن كج أن جمعاً من الصوفية ذهبوا إلى الحسين بن منصور وهو بتستر وطلبوا منه شيئاً فذهب بهم إلى بيت نار المجوس فقال الديراني‏:‏ ان الباب مغلق ومفتاحه عند الهربد‏!‏ فجهد الحسين فلم يجبه فنفض الحسين كمه نحو القفل فانفتح فدخلوا البيت فرأوا قنديلاً مشتعلاً لا ينطفيء ليلاً ولا نهاراً فقال‏:‏ انها من النار التي ألقي فيها الخليل عليه السلام‏.‏
نحن نتبرك بها وتحمل المجوس منها إلى جميع بلادهم‏.‏
فقال له‏:‏ من يقدر على إطفائها قال‏:‏ قرأنا في كتابنا أنه لا يقدر على إطفائها إلا عيسى بن مريم عليه السلام‏.‏
فأشار الحسين إليها بكمه فانطفت فقامت على الديراني القيامة وقال‏:‏ الله الله‏!‏ قد انطفت في هذه الساعة جميع نيران المجوس شرقاً وغرباً‏!‏ فقال له‏:‏ من يقدر على ردها فقال‏:‏ قرأنا في كتابنا أنه يقدر على ردها من يقدر على إطفائها‏!‏ فلم يزل يتضرع إلى الحسين ويبكي فقال له‏:‏ هل عندك شيء تدفعه إلى هذه المشايخ وأردها وكان عنده صندوق من دخل البيت من المجوس طرح فيه ديناراً ففتحه وسلم ما فيه إلى المشايخ وقال‏:‏ ما ها هنا غير هذا‏.‏
فأشار الحسين بكمه إليها فاشتعلت وقال‏:‏ دنيا تخادعني كأني لست أعرف حالها حظر المليك حرامها فأنا اجتنيت حلالها مدّت إلي يمينها فرددتها وشمالها ورأيتها محتاجةً فوهبت جملتها لها‏!‏ ومن ظريف ما نقل عنه أنه قال له بعض منكريه‏:‏ إن كنت صادقاً فيما تدعيه فامسخني قرداً ‏!‏ فقال‏:‏ لو هممت بذلك لكان نصف العمل مفروغاً عنه‏.‏
فلما تكلم الناس في حقه بقوله أنا الحق قال‏:‏ سقوني وقالوا‏:‏ لا تغنّ‏!‏ ولو سقوا جبال سراةٍ ما سقيت لّغنّت‏!‏ تمنّت سليمى أن أموت بحبّها وأسهل شيءٍ عندنا ما تمنّت‏!‏ وحكى أبو عبد الله محمد بن خفيف قال‏:‏ دخلت على الحسين بن منصور وهو في الحبس مقيداً‏.‏
فلما حضر وقت الصلاة رأيته نهض فتطايرت منه القيود وتوضأ وهو على طرف المحبس وفي صدر ذلك المحبس منديل‏.‏
وكان بينه وبين المنديل مسافة فوالله ما أدري أن المندير قدم إليه أو هو إلى المنديل‏!‏ فتعجبت من ذلك وهو يبكي بكاء فقلت له‏:‏ لم لا تخلص نفسك فقال‏:‏ ما أنا محبوس‏!‏ أين تريد يا ابن خفيف قلت‏:‏ نيسابور‏!‏ فقال‏:‏ غمض عينيك‏!‏ فغمضتهما‏.‏
ثم قال‏:‏ افتحهما‏.‏
ففتحت فإذا أنا بنيسابور في محلة أردتها‏.‏
فقلت‏:‏ ردني‏.‏
فردني وقال‏:‏ والله لو حلف العشّاق أنّهم موتى من الحبّ أو قتلى لما حنثوا ترى المحبّين صرعى في ديارهم كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا ثم قال‏:‏ يا ابن خفيف لا يكون الحزن إلا لفقد محبوب أو فوت مطلوب‏!‏ والحق واضح والهوى فاضح‏.‏
والخلق كلهم طلاب وطلبهم على قدر هممهم وهممهم على قدر أحوالهم وأحوالهم مطبوعة على علم الغيب وعلم الغيب غائب عنهم والخلق كلهم حيارى‏.‏
وأنشأ يقول‏:‏ أنين المريد لشوقٍ يزيد أنين المريض لفقد الطّبيب قد اشتدّ حال المريدين فيه لفقد الوصال وبعد الحبيب ثم قال‏:‏ يا ابن خفيف حججت إلى زيارة القديم فلم أجد لقوم موضعاً من كثرة الزائرين فوقفت وقوف البهيت فنظر إلي نظرة فإذا أنا متصل به ثم قال‏:‏ من عرفني ثم أعرض عني فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين‏.‏
وجعل يقول‏:‏ عذابه فيك عذبٌ وبعده منك قرب وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحبّ وأنت للعين عينٌ وأنت للقلب قلب حتى من الحبّ إني لما تحبّ أحبّ وحكي أن حبسه كان في عهد المقتدر بالله وكان الوزير حامد بن العباس سيء الظن فيه فأحضر عند الوزير وقاضي القضاة أبي عمرو وقالوا له‏:‏ بلغنا أنك قلت‏:‏ من كان له مال يتصدق به على الفقراء خير من أن يحج به‏!‏ فقال الحسين‏:‏ نعم‏!‏ أنا قلت ذلك‏!‏ فقالوا له‏:‏ من أين قلت هذا فقال‏:‏ من الكتاب الفلاني‏!‏ فقال القاضي‏:‏ كذبت يا زنديق‏!‏ ذلك الكتاب سمعناه فما وجدنا فيه هذا‏!‏ فقال الوزير للقاضي‏:‏ اكتب انه زنديق‏!‏ فأخذ خط القاضي وبعث إلى الخليفة فأمر الخليفة بصلبه ولما أخرج استدعى بعض الحجاب وقال‏:‏ إني إذا أحرقت يأخذ ماء دجلة في الزيادة حتى تكاد تغرب بغداد فإذا رأيتم ذلك خذوا شيئاً من رمادي واطرحوه في الماء ليسكن‏!‏ وكان ينشد هذين البيتين‏:‏ اقتلوني يا ثقاتي إنّ في موتي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي والذي حيّ قديمٌ غير مفقود الصّفات وأنا منه رضيعٌ في حجور المرضعات وحكي أن بعض من كان ينكره لما صلب وقف بإزائه يقول‏:‏ الحمد لله الذي جعلك نكالاً للعالمين وعبرة للناظرين‏!‏ فإذا هو بالحسين ورآه واضعاً يديه على منكبيه يقول‏:‏ ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم‏!‏ فلما صلب وأحرق أخذ الماء في الزيادة حتى كادت تغرق بغداد‏!‏ فقال الخليفة‏:‏ هل سمعتم من الحلاج فيه شيئاً قال الحاجب‏:‏ نعم يا أمير المؤمنين إنه قال كذا وكذا‏.‏
فقال‏:‏ بادروا إلى ما قال‏!‏ فطرحوا رماده في الماء فصار رماده على وجه الماء على شكل الله مكتوباً وسكن الماء‏.‏
وكان ذلك في سنة تسع وثلاثمائة والله الموفق‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:44 am

تاهرت
اسم مدينتين مقابلتين بأقصى المغرب يقال لإحداهما تاهرت القديم وللأخرى الحديث وهما كثيرتا الأشجار وافرتا الثمار‏.‏
سفرجلهما يفوق سفرجل الآفاق طعماً وحسناً وبهما كثرة الأمطار والانداء والضباب وشدة البرد قلما ترى الشمس بها‏.‏
وذكر أن اعرابياً دخلها وتأذى من شدة بردها فخرج منها إلى أرض السودان فأتى عليه يوم شديد الحر فنظر إلى الشمس راكدة على قمم رؤوسهم فقال مشيراً إلى الشمس‏:‏ والله لئن عززت في هذا المكان لطالما رأيتك ذليلة بتاهرت‏!‏ وأهلها موصوفون بالحمق حكي انه رفع إلى قاضيهم جناية فما وجدها في كتاب الله فجمع الفقهاء والمشايخ فقالوا بأجمعهم‏:‏ الرأي للقاضي‏!‏ فقال القاضي‏:‏ اني أرى أن أضرب المصحف بعضه ببعض ثم أفتحه فما خرج عملنا به‏.‏
فقالوا‏:‏ وفقت افعل‏!‏ ففعل ذلك فخرج‏:‏ سنسمه على الخرطوم فجدع أنفه‏.‏مدينة بأرض الشام قديمة أبنيتها من أعجب الأبنية موضوعة على العمد الرخام‏.‏
زعموا أنها مما بنته الجن لسليمان عليه السلام قال النابغة الذبياني‏:‏ إلاّ سليمان قد قال الإله له‏:‏ قم بالبريّة فاحددها عن الفند وخيّس الجنّ إني قد أمرتهم يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد حكى إسماعيل بن محمد بن خالد التستري قال‏:‏ كنت مع مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية حين هدم حائط تدمر فأفضى الهدم إلى خرق عظيم فكشفوا عنه صخرة فإذا بيت مجصص كأن اليد قد رفعت عنه وإذا سرير عليه امرأة مستلقية على ظهرها عليها سبعون حلة ولها غدائر مشدودة بخلخالها قال‏:‏ فكانت قدمها ذراعاً من غير أصابع وفي بعض غدائرها صفيحة ذهب فيها مكتوب‏:‏ باسمك اللهم‏!‏ أنا تدمر بنت حسان أدخل الله الذل على من يدخل علي‏!‏ فأمر مروان بالخرق فأعيد كما كان ولم يأخذ شيئاً من حليها‏!‏ قال‏:‏ فوالله ما مكثنا بعد ذلك إلا أياماً حتى أقبل عبد الله بن علي وحارب مروان وفرق جيوشه وأزال الملك عن بني أمية‏.‏
وبها تصاوير كثيرة منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما مر بهما أوس بن ثعلبة فقال‏:‏ قيامكما على غير الحشايا على حبلٍ أصمّ من الرّخام فكم قد مرّ من عدد اللّيالي لعصركما وعام بعد عام وإنّكما على مرّ اللّيالي لأبقى من فروع ابني شمام فسمع هذه الأبيات يزيد بن معاوية فقال‏:‏ لله در أهل العراق‏!‏ هاتان الصورتان فيكم أهل الشام لم يذكرهما أحد منكم فمر بهما هذا العراقي وقال ما قال‏!‏ تستر مدينة مشهورة قصبة الاهواز الماء يدور حولها‏.‏
بها الشاذروان الذي بناه شابور‏.‏
وهو من أعجب البناء وأحكمها امتداده يقرب من ميل حتى يرد الماء إلى تستر وهي صنعة عجيبة مبنية بالحجارة المحكمة وأعمدة الحديد ملاط الرصاص‏.‏
وإنما رجع الماء إلى تستر بسبب هذا الشاذروان وإلا لامتنع لأنه على نشز من الأرض‏.‏
وإنها مدينة آهلة كثيرة الخيرات وافرة الغلات وغزا بعض الأكاسرة الروم وحمل الأسارى إلى تستر وأسكنهم فيها فظهرت فيها صنائع الروم وبقيت في أهلها إلى زماننا هذا‏.‏
يجلب منها أنواع الديباج والحرير والخز والستور والبسط والفرش‏.‏وحكي أن أبا موسى الأشعري لما فتح تستر وجد بها ميتاً في آبزون من نحاس معه دراهم من احتاج إلى تلك الدراهم أخذها فإذا قضى حاجته ردها فإن حبسها مرض‏.‏
فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب في جوابه‏:‏ ان ذلك دانيال النبي‏!‏ أخرجه وغسله وكفنه وصل عليه وادفنه‏.‏
وينسب إليها سهل بن عبد الله التستري صاحب الكرامات الظاهرة من جملتها إذا مس مريضاً عافاه الله وقد سمع من كثير من أهل تستر أن في منزل سهل بيتاً يسمى بيت السباع كانت السباع تأتيه وهو يضيفها فيه حكى سهل ابتداء أمره قال‏:‏ قال لي خالي محمد بن سوار‏:‏ ألا تذكر الله الذي خلقك قلت‏:‏ كيف أذكره فقال‏:‏ قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك‏:‏ الله معي‏!‏ الله ناظر إلي‏!‏ الله شاهدي‏!‏ قلت ذلك ثلاث ليال ثم أعلمته‏.‏
قال‏:‏ قل ذلك كل ليلة سبع مرات فقلت ذلك ثم أعلمته‏.‏
فقال‏:‏ قل كل ليلة إحدى عشرة مرة فقلت ذلك ثم أعلمته فوقع في قلبي حلاوة‏.‏
فلما كان بعد سنة قال لي خالي‏:‏ احفظ ما علمتك ودم عليه حتى تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة‏!‏ فبقيت على ذلك سنين فوجدت لها حلاوة في سري ثم قال لي يوماً‏:‏ يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده لا يعصي‏!‏ إياك والمعصية‏!‏ قال‏:‏ كنت أشتري بدرهم شعيراً فيخبز لي منها أفطر كل سحر على قدر أوقية منها بغير ملح ولا ادام فيكفيني الدرهم سنة ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال وأفطر ليلة ثم خمساً ثم سبعاً ثم خمساً وعشرين‏.‏
بقيت على ذلك عشرين سنة‏.‏
توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين‏.‏
وحكى الأستاذ أبو علي الدقاق‏:‏ أن يعقوب بن ليث الصفار مرض مرضاً شديداً عجز الأطباء عن معالجته فقيل له‏:‏ إن في ولايتك رجلاً يدعو الله تعالى للمرضى فيشفون فلو دعا الله لك ترجو العافية‏.‏
فطلب سهلاً وسأله أن يدعو له فقال له سهل‏:‏ أنى يستجاب دعائي لك وعلى بابك مظلومون‏!‏ فأمر برفع الظلامات وإخراج المحبسين فقال سهل‏:‏ يا رب كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة‏!‏ ومسح بطنه بيده فعافاه الله فعرض على سهل مالاً كثيراً فأبى أن يأخذ منه شيئاً فقالوا له لما خرج‏:‏ لو قبلت وفرقت على الفقراء‏!‏ فقال له‏:‏ انظر إلى الأرض‏.‏
فنظر فرأى كل مكان وضع قدمه عليه صار ترابه دنانير‏.‏
فقال‏:‏ من أعطاه الله هذا أي حاجة له إلى مال يعقوب وقال‏:‏ دخلت يوم الجمعة على سهل بن عبد الله فرأيت في بيته حية فتوقفت فقال لي‏:‏ ادخل لا يتم إيمان أحد ويتهم شيئاً على وجه الأرض‏.‏
فدخلت فقال لي‏:‏ هل لك في صلاة الجمعة قلت‏:‏ بيننا وبين الجامع مسيرة يوم‏.‏
فأخذ بيدي فما كان إلا قليلاً حتى كنا في الجامع فصلينا تلمسان قرية قديمة بالمغرب‏.‏
ذكروا أن القرية التي ذكرها الله تعالى في قصة الخضر وموسى‏:‏ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه‏.‏
قيل‏:‏ إنه كان جداراً عالياً عريضاً مائلاً فمسحه الخضر عليه السلام بيده فاستقام‏.‏
وحدثني بعض المغاربة أنه رأى بتلمسان مسجداً يقال له مسجد الجدار يقصده الناس للزيارة‏.‏
تنس
مدينة بافريقية حصينة ولها قهندز صعب المرتقى ينفرد بها العمال لحصانتها خوفاً من الرعية هواؤها وبي وماؤها ردي وماؤهم من واد يدور حول المدينة وإليه مذهب مياه حشوشهم وشربهم منه والحمى لا تفارق أهلها في أكثر الأوقات‏.‏
وبها ذئب كثير يأكل أهلها وبرغوث كثير وهم في عذاب من الذئب والبراغيث قال بعض من دخلها وفارقها‏:‏
لا سقى الله بلدةً كنت فيها‏!‏** البراغيث كلّهم أكلوني‏!‏
إن صعدت السّطوح لم يتركوني **وأراهم على الدّرج يسبقوني
تونس
مدينة بأرض المغرب كبيرة على ساحل البحر قصبة بلاد افريقية‏.‏
اصلح بلادها هواء وأطيبها ماء وأكثرها خيراً‏!‏ وبها من الثمار والفواكه ما لا يوجد في غيرها من بلاد المغرب حسناً وطعماً‏:‏ فمن ذلك لوز عجيب يفرك باليد وأكثرها في كل لوزة حبتان‏.‏
وبها الرمان الذي لا عجم له مع صدق الحلاوة والأترج الذكي الرائحة البديع المنظر والتين الحازمي الأسود الكبير الرقيق القشر الكثير العسل لا يكاد يوجد فيه بزر والسفرجل الكبير جداً العطر الرائحة والعناب الكبير كل حبة منه على حجم جوزة والبصل العلوري على حجم الأترج مستطيل صادق الحلاوة‏.‏
وبها أنواع من السمك عجيبة لا ترى في غيرها يرى في كل شهر نوع من السمك خالفاً لما كان قبله فيملح ويبقى سنين صحيح الجرم طيب الطعم‏.‏
ومنها نوع يقال له البقونس يقولون‏:‏ لولا البقونس لم تخالف أهل تونس‏.‏
وأهلها موصوفون باللؤم ودناة النفس والبخل الشديد والشغب والخروج على الولاة قال بعض‏:‏ لعمرك ما ألفيت تونس كاسمها ** ولكنّني ألفيتها وهي توحش
وبين تونس والقيروان ثلاثة أيام بينهما موضع يقال له محقة بها أمر عجيب وهو أنه إذا كان أوان الزيتون قصدته الزرازير وقد حمل كل طائر معه زيتونتين في مخلبيه يلقيهما هناك ويحصل من ذلك غلة قالوا‏:‏ تبلغ سبعين ألف درهم‏!‏ التيه هو الموضع الذي ضل فيه موسى عليه السلام مع بني إسرائيل بين ايلة ومصر وبحر القلزم وجبال السراة أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً لما امتنعوا من دخول الأرض المقدسة حبسهم الله تعالى في هذا التيه أربعين سنة كانوا يسيرون في طول نهارهم فإذا انتهى النهار نزلوا بالموضع الذي رحلوا عنه وكان مأكولهم المن والسلوى ومشروبهم من ماء الحجر الذي كان مع موسى عليه السلام ينفجر منه اثنتا عشرة عيناً على عدد الأسباط كل سبط يأخذ منه ساقية ويبعث الله تعالى سحابة تظلهم بالنهار وعموداً من النور يستضيئون به بالليل‏.‏
هذا نعمة الله تعالى عليهم وهم عصاة مسخوطون فسبحان من عمت رحمته البر والفاجر‏!‏ قيل‏:‏ لما خرج بنو إسرائيل من مصر عازمين الأرض المقدسة كانوا ستمائة ألف وما كان فيهم من عمره فوق الستين ولا دون العشرين فمات كلهم في أربعين سنة‏.‏
ولم يخرج ممن دخل مع موسى إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وهما الرجلان اللذان كانا يقولان‏:‏ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون فدخل يوشع عليه السلام بعقبهم وفتح أرض الشام‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:45 am

الجابية
قرية من قرى دمشق بها تل يسمى تل الجابية بها حيات صغار نحو الشبر كثيرة النكاية يسمونها أم الصويت لأنها إذا نهشت صوت اللديغ صوتاً خفياً ومات لوقته وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ أرواح المؤمنين بالجابية بأرض الشام وأرواح الكفار ببرهوت بأرض حضرموت وقد مر ذكرها في حضرموت‏.‏
جاشك
جزيرة آهلة بقرب جزيرة قيس لأهلها جلادة وخبرة في حرب البحر وعلاج السفن جلادة ليس لغيرهم مثلها حتى إن الواحد منهم يسبح في الماء أياماً ويجالد بالسيف مجالدة من هو على الأرض‏.‏
ويقول أهل قيس‏:‏ ان بعض ملوك الهند أهدى إلى بعض الملوك جواري فلما وصل المركب إلى جاشك خرج الجواري يتفسحن فاختطفهن الجن وافترشوهن فولدن الذين بها فلهذا يأتون بما عجز عنه غيرهم‏.‏
جالطة
جزيرة على مرسى طبرقة من أرض افريقية طولها ثمانية أميال وعرضها خمسة أميال‏.‏
بها ثلاث أعين عذبة الماء وبها مزارع وآثار قديمة‏.‏
وبها من الايل ما لا يحصى‏.‏
حدثني الفقيه سليمان الملتاني أن بها عنزاً كثيرة إنسية توحشت إذا قصدها قاصد أهوت نفسها من جبال شاهقة ووقفت على قوائمها بخلاف الايل فإنها تقف على قرونها‏.‏
جزيرة تنيس
جزيرة قريبة من البر بين فرماء ودمياط في وسط بحيرة منفردة عن البحر الأعظم بينها وبين البحر الأعظم بر مستطيل وهو جزيرة بين البحرين وأول هذا البر قرب الفرماء‏.‏
وهناك فوهة يدخل منها ماء البحر الأعظم إلى بحر تنيس في موضع يقال له القرباج وهو يحول بين البحر الأعظم وبحيرة تنيس‏.‏
يسار في ذلك البر ثلاثة أيام إلى قرب دمياط وهناك فوهة أخرى تأخذ الماء من البحر الأعظم إلى بحيرة تنيس وبقرب تلك الفوهة النيل ينصب إلى بحيرة تنيس والبحيرة مقدار إبلاغ يوم في عرض نصف يوم ويكون ماؤها أكثر السنة ملحاً لدخول ماء البحر إليه عند هبوب الشمال فإذا انصرف نيل مصر عند دخول الشتاء وهبوب الرياح الغربية خلت البحيرة وخلا سيف البحر الملح مقدار بريدين وعند ذلك تكامل النيل وغلبت حلاوته ماء البحيرة فصارت البحيرة حلواً‏.‏
فحينئذ تذخر أهل تنيس المياه في صهاريجهم ومصانعهم لشرب سنتهم وهذه صورتها‏:‏ ذكروا انه ليس بجزيرة تنيس شيء من الهوام المؤذية لأن أرضها سبخة شديدة الملوحة وقد صنف في أخبار تنيس كتاب ذكر فيه انها بنيت في سنة ثلاثين ومائتين بطالع الحوت اثنتا عشرة درجة حد الزهرة وشرفها والمشتري فيها وهو صاحب البيت فلذلك كان مجمعاً للصلحاء وخيار الناس قال يوسف بن صبيح‏:‏ رأيت بها خمسمائة صاحب محبرة يكتبون الحديث ولم يملكها أعجمي ولا كافر قط لأن الزهرة تدل على الإسلام تجلب منها الثياب النفيسة الملونة والفرش الحسن والثياب الابوقلمون‏.‏
ولها موسم يكون عنده من أنواع الطير ما لا يوجد في موضع آخر وهي مائة ونيف وثلاثون نوعاً‏.‏
أنواع الطيور التي توجد بجزيرة تنيس السلوى البقح المملوح النصطفير الزرزور الباز الرومي الصفري الدبسي البلبل السقاء القمري الفاخت النواج الزريق الهوني الزاغ الهدهد الحسيني الجرادي الابلق الراهب الحساف البرين السلسلة دردراي الشماس البصبص الأخضر الأبهق الأزرق الحضير أبو الحناء أبو كلب أبو دينار وارية الليل برقع أم علي برقع أم حبيب الدوري الزنجي وارية النهار الشامي شقرق صدر النحاس البلطين الخضراء السئة السوداء السئة الأطروش الخرطوم ديك الكرم الضريس الحمراء الرقشة الزرقاء الرقشة جوز الكسر ابن السمان ابن المرعة النوسية السن الوروار الصردة الحمراء الحصية القبرة المطوق السقسق السلار المرغ السكسكة الأرجوحة الخوخة فرد قفص الاورث السلونية السكة البيضاء اللبس العروس الوطواط عصفور الزوب اللقاب الجوين القليلة العسر الأحمر الأزرق الشرير البون البرك البرسي الحصاري الرجاحي البح الحمر الرومي الملاعقي البط الصيني العراق الاقرح البلبو الشطرف البشروش وز الفرط أبو قلمون أبو قير أبو منجل البجع الكركي الغطاس اللجوبة البطميس البحبوبة الرقادة الكروان البحري أبو مسكة الكروان الحرحي القرلي الخروطة الحلف الارميل الفلفوس الازد العقعق البوم الورشان القطا الدراج الحجل البازي الصردي الصقر الهام الغراب الأبهق الباشق ويعرف بها من السمك تسعة وسبعون نوعاً‏:‏ البوري البلمو البرو اللبت البلس السكسا الأران الشموس النسا الطوبار اليقشمار الاحناش الانكليس المعية البني الابليل الفويص الدونيس المرتنو الاسقلموس النفط الجبال البلطي الحجف القلارية الرحض العبر النون اللت القجاج القروص الكليس الأكلس الفراخ القرقاح الزليخ اللاج الاكلت الماضي الجلاء السلاء البرقش الصد البلك المشط القفا السور حوت الحجر البشين الشربوت النساس الرعاد الشعور المحبرة اللبس السطور الراس الريف اللبيس الأبرميس الأبونس اللباء العميان المناقير القلميدس الحلبوة الرقاص القرندس الجتر هوكبارة القبج المجزع الدليس الاشبالة البسال الأبيض الرقروق أم عبيد البلو أم الإنسان الانسارية اللجاه‏.‏
جزيرة الجساسة في بحر القلزم قالوا‏:‏ ان الدجال محبوس في هذه الجزيرة‏.‏
والجساسة دابة تجس الأخبار وتأتي بها الدجال‏.‏
روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنها قالت‏:‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وخطبنا وقال‏:‏ إني لا أجمعكم لرغبة ولا لرهبة ولكن بحديث حدثنيه تميم الداري فمنعني سروره القائلة‏.‏
حدثني أن نفراً من قومه أقبلوا في البحر فأصابتهم ريح عاصف ألجأتهم إلى جزيرة فإذا هم بدابة قالوا لها‏:‏ ما أنت قالت‏:‏ أنا الجساسة‏!‏ قالوا‏:‏ أخبرينا الخبر‏.‏
قالت‏:‏ إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير فإن فيه رجلاً بالأسواق إليكم‏.‏
قال‏:‏ أتيناه فقال‏:‏ أنى تبعتم فأخبرناه فقال‏:‏ ما فعلت بحيرة طبرية قلنا‏:‏ تدفق بين أجوافها‏.‏
قال‏:‏ ما فعلت نخل عمان قلنا‏:‏ يجتنيها أهلها‏!‏ قال‏:‏ ما فعلت عين زغر قلنا‏:‏ يشرب منها أهلها‏.‏
فقال‏:‏ لو يبست أنفذت من وثاقي فوطئت بقدمي كل منهل إلا مكة والمدينة‏.‏
جزيرة الكنيسة في بحر المغرب قال أبو حامد الأندلسي‏:‏ على البحر الأسود من ناحية أندلس جبل عليه كنيسة منقورة من الصخر في الجبل وعليها قبة كبيرة وعلى القبة غراب مفرد لا يبرح من أعلى القبة‏.‏
وفي مقابلة الكنيسة مسجد يزوره الناس ويقولون‏:‏ إن الدعاء فيه مستجاب‏.‏
وقد شرط على القسيسين الذين يسكنون تلك الكنيسة ضيافة كل مسلم يقصد ذلك المسجد‏.‏
فكلما وصل أحد إلى ذلك المسجد أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبة ويصيح بعدد كل رجل صيحة فيخرج الرهبان بالطعام إلى أهل المسجد ما يكفيهم‏.‏
وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب وزعم القسيسون أنهم ما زالوا يرون غراباً على تلك الكنيسة ولا يدرون من أين مأكله‏!‏ جفار أرض بين فلسطين ومصر مسير سبعة أيام كلها رمال سائلة نبض فيها قرى ومزارع ونخل كثير‏.‏
وأهلها يعرفون آثار الأقدام في الرمل حتى يعرفون وطء الشباب من الشيخ والرجل من المرأة والبكر من الثيب ومع كثرة بساتينهم لا حاجة لهم إلى النواطير لأن أحدهم لا يقدر أن يعدو على غيره لأن الرجل إذا أنكر شيئاً من بستانه يمشي على آثار القدم ويلحق سارقه ولو سار يوماً أو يومين‏.‏
بها نوع من الطير يأتيهم من بلاد الروم يسمى المرغ يشبه السلوى يأتي في وقت معين يصيدون منها ما شاء الله ويملحونها ويأتيهم أيضاً من بلاد الروم على البحر في وقت من السنة جوارح كثيرة الشواهين والصقور والبواشق‏.‏
وقلما يقدرون على البازي وما سواه يصيدونها وينتفعون بها‏.‏
جنابة
بليدة على ساحل بحر فارس سيئة الهواء رديئة الماء لا زرع بها ولا ضرع لأن أرضها سبخة وماءها ملح رأيتها ذكروا أنهم إذا أرادوا ماء عذباً بها حفروا حفيرة كبيرة وطموها بالطين الحر يأتون به من غير أرضهم فإذا طموا الحفرة بالطين الحر حفروها بئراً فيها يكون ماؤها طيباً‏.‏
وأهلها لفيف متفرق من الجور والبد والفسق والفجور فيها أظهر من الصلاة والأذان في غيرها‏.‏
ينسب إليها أبو الحسن القرمطي الجنابي خرج إلى البحرين ودعا العرب إلى نحلته فاجتمع عليه خلق كثير وكسر عسكر الخليفة وقتل على فراشه فقام ابنه سليمان وقتل حجاج بيت الله الحرام ونهب على الكعبة وقلع الحجر الأسود ونقله إلى الاحساء وبقي عندهم إحدى وعشرين سنة ثم ردوه بمال عظيم‏.‏
وظهر في أول رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة غلام فاجر يقال له ابن أبي زكرياء الطمامي دعا الناس إلى ربوبيته وذاك الغلام الفاجر يأمر بعبادة النار وقطع يد من أطفأ ناراً أو لسان من أطفأها بالنفخ‏.‏
وأمر الغلمان بطاعة طلابهم ومن امتنع أمر بذبحه ثم سلط الله عليه من تولى إظهاره فذبحه ورجع عن القرمطة‏.‏
مدينة نزهة
بأرض فارس كثيرة المياه والبساتين قال الاصطخري‏:‏ ان الرجل يسير من كل جانب منها نحو فرسخ في بساتين وقصور‏.‏
بناها أردشير بابك‏.‏
وفي وسط المدينة بناء عال يسمى الطربال‏.‏
والإنسان إذا علا ذلك البناء أشرف على المدينة وعلى رساتيقها وبنى في أعلاها بيت نار‏.‏
وبحذاء المدينة جبل استنبط منه الماء وعلاه إلى رأس الطربال‏.‏
وبها البئر العجيبة التي ليس في شيء من البلاد مثلها وهي على باب المدينة مما يلي شيراز وقد أكبوا على قعرها قدراً من نحاس يخرج من ثقبة ضيقة في ذلك القدر ماء حاد جداً ويصل إلى صفة البئر بنفسه ولا يحتاج إلى استقاء الماء منها‏.‏
وبها الورد الجوري وهو ورد أحمر صافي اللون من أجود أنواع الورد يتمثل بطيب رائحته قال الشاعر‏:‏ أطيب ريحاً من نسيم الصّبا جاءت بريّا الورد من جور وحكى أحمد بن يحيى بن جابر أن جور نزل عليها المسلمون سنين فعجزوا عن فتحها حتى نزل عليها عبد الله بن عامر‏.‏
وكان بعض أجناد المسلمين قام بالليل يصلي وإلى جانبه جراب فيه خبز ولحم فجاء كلب جره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل خفي لها فدخل المسلمون من ذلك المدخل فأصبح أهل جور والمدينة ممتلئة من المسلمين ملكوها قهراً‏.‏مدينة كبيرة بكرمان آهلة كثيرة الخيرات وافرة الثمرات قال الاصطخري‏:‏ بها نخل كثير ولأهلها سنة وهي أنهم لا يرفعون شيئاً من الثمرات التي أسقطتها الريح بل يتركونها للضعفاء فربما كثرت الريح في بعض السنين فيحصل للضعفاء أكثر مما يحصل للملاك‏.‏
جيزة
ناحية بمصر قال أبو حامد الأندلسي‏:‏ بها طلسم للرمل وهو صنم والرمل خلفه إلى ناحية المغرب مثل البحر تأتي به الرياح من أرض المغرب فإذا وصل إلى ذلك الصنم لا يتعداه والقرى والرساتيق والمزارع والبساتين بين يدي ذلك الصنم والرمل العظيم خلفه‏.‏
وكان مكان ذلك الرمل مدن وقرى علاها الرمل وغطاها وتظهر رؤوس الأعمدة الرخام والجدر العظام في وسط ذلك الرمل ولا يمكن الوصول إليها قال‏:‏ وكنت أصعد بعض تلال الرمل بالغداة إذا تلبد الرمل بالطل في الليل فرأيت الرمل مثل البحر لا يتبين آخره البتة ورأيت مدينة فرعون يوسف عليه السلام مدينة عظيمة بنيانها وقصورها أعظم وأحكم من مدينة فرعون موسى عليه السلام والرمل قد غطى أكثرها فظهرت رؤوس الأعمدة التي كانت في القصور‏.‏
وهناك سجن يوسف عليه السلام في جوف حائط باب قصر الملك والحائط منحوت من الصخر فصعدت في درج في نفس الحائط كدرجات المنبر من الصخر إلى غرفة في نفس الجدار مشرفة على النيل وسطح تلك الغرفة وسقفها من ألواح الصخر المنحوتة مثل الخشب‏.‏
وفي الغرفة باب يفضي إلى بيت عظيم تحت الغرفة هو سجن يوسف عليه السلام وعلى جدار الغرفة مكتوب‏:‏ ههنا عبر يوسف الرؤيا حيث قال‏:‏ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان‏.‏
حلب
مدينة عظيمة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة التربة‏.‏
لها سور حصين وقلعة حصينة‏.‏
قال الزجاجي‏:‏ كان الخليل عليه السلام يحلب غنمه بها ويتصدق بلبنها يوم الجمعة فيقول الفقراء‏:‏ حلب فسميت بذلك ولقد خص الله تعالى هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يزرع في أرضها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدخن والكرم والمشمش والتفاح والتين عذياً يسقى بماء المطر فياتي غضاً روياً يفوق ما يسقى بالسيح في غيرها من البلاد قال كشاجم‏:‏ أرتك يد الغيث آثارها وأخرجت الأرض أزهارها وما منعت جارها بلدةٌ كما منعت حلبٌ جارها هي الخلد يجمع ما تشتهي فزرها فطوبى لمن زارها والمدينة مسورة بحجر أسود وفي جانب السور قلعة حصينة لأن المدينة في وطاء من الأرض‏.‏
وفي وسطها جبل مدور مهندم والقلعة عليه‏.‏
ولها خندق عظيم وصل حفره إلى الماء وفي وسطه مصانع للماء المعين وجامع وبساتين وميدان ودور كثيرة وفيها مقامان للخليل عليه السلام يزاران إلى الآن‏.‏
وفيها مغارة كان يجمع الخليل فيها غنمه‏.‏
وفي المدينة مدارس ومشاهد وبيع وأهلها سنية وشيعية‏.‏
وبها حجر بظاهر باب اليهود على الطريق ينذر له ويصب عليه الماورد المسلمون واليهود والنصارى يقولون‏:‏ تحته قبر نبي من الأنبياء وفي مدرسة الحلاوى حجر على طرف بركتها كأنه سرير ووسطه منقور قليلاً يعتقد الفرنج فيه اعتقاداً عظيماً وبذلوا فيه أموالاً فلم يجابوا إليه‏.‏
ومن عجائبها سوق الزجاج فإن الإنسان إذا اجتاز بها لا يريد أن يفارقها لكثرة ما يرى فيها من الطرائف العجيبة والآلات اللطيفة تحمل إلى سائر البلاد للتحف والهدايا‏.‏
وكذلك سوق المزوقين ففيها آلات عجيبة مزوقة‏.‏
ولهم لعب كل سنة أول الربيع يسمونه الشلاق وهو انهم يخرجون إلى ظاهر المدينة وهم فرقتان تتقاتلان أشد القتال حتى تنهزم إحدى الفرقتين فيقع فيهم القتل والكسر والجرح والوهي ثم ومن عجائبها بئر في بعض ضياعها إذا شرب منها من عضه الكلب الكلب بريء وهذا مشهور قال بعض أهل هذه القرية‏:‏ شرطه أن العض لم يجاوز أربعين يوماً فإن جاوز أربعين يوماً لم يبرأ‏!‏ وذكر أنه أتاهم ثلاثة أنفس من المكلوبين وشربوا منه فسلم اثنان لم يجاوزا الأربعين ومات الثالث وقد جاوز الأربعين‏.‏
وهذه بئر منها شرب أهل الضيعة‏.‏
وحكى بعضهم أنه ظهر بأرض حلب سنة أربع وعشرين وستمائة تنين عظيم بغلظ منارة وطول مفرط ينساب على الأرض يبلع كل حيوان يجده ويخرج من فمه نار تحرق ما تلقاه من شجر أو نبات واجتاز على بيوت أحرقها والناس يهربون منه يميناً ويساراً حتى انساب قدر اثني عشر فرسخاً فأغاث الله تعالى الخلق منه بسحابة نشأت ونزلت إليه فاحتملته وكان قد لف ذنبه في كلب فيرفع الكلب رفعة والكلب يعوي في الهواء والسحاب يمشي به والناس ينظرون إليه إلى أن غاب عن الأعين قال الحاكي‏:‏ رأيت الموضع الذي انساب فيه كأنه نهر‏.‏
حمص
مدينة بأرض الشام حصينة أصح بلاد الشام هواء وتربة‏.‏
وهي كثيرة المياه والأشجار ولا يكاد يلدغ بها عقرب أو تنهش حية‏.‏
ولو غسل ثوب بماء حمص لا يقرب عقرب لابسه إلى أن ومن عجائبها الصورة التي على باب المسجد الذي إلى جانب البيعة وهي صورة إنسان نصفها العلى ونصفها الأسفل صورة عقرب‏.‏
يؤخذ الطين الحر ويطبع به على تلك الصورة وتلقى في الماء حتى يشرب الملدوغ فيبرأ في الحال‏.‏
وأهلها موصوفون بالجمال المفرط والبلاهة قال الجاحظ‏:‏ مرت بمص عنز تبعها جمل فقال رجل لآخر‏:‏ هذا الجمل من هذا العنز‏!‏ فقال الآخر‏:‏ كلا إنه يتيم في حجره‏.‏
ومن العجب أنهم كانوا أشد الناس على علي رضي الله عنه فلما انقضت تلك الأيام صاروا من غلاة الشيعة حتى ان في أهلها كثيراً ممن يرى مذهب النصيرية وأصلحهم الامامية السبابة‏.‏
وأما حكومة قاضي حمص فمشهورة‏:‏ ذكر أنه تحاكم إليه رجل وامرأة فقالت المرأة‏:‏ هذا رجل أجنبي مني وقد قبلني فقال القاضي‏:‏ قومي إليه وقبليه كما قبلك‏!‏ فقالت‏:‏ عفوت عنه ‏!‏ فقال لها‏:‏ مري راشدةً‏.‏
وبها قبر خالد بن الوليد رضي الله عنه مات بها وهو يقول في مرض موته‏:‏ تباً للجبناء‏!‏ ما على بدني قدر شبر إلا وعليه طعنة أو ضربة وها أنا أموت على الفراش موت العير‏!‏ حوران قرية من نواحي دمشق قالوا‏:‏ انها قرية أصحاب الاخدود وبها بيعة عظيمة عامرة حسنة البناء مبنية على عمد الرخام منمقة بالفسيفساء يقال لها النجران ينذر لها المسلمون والنصارى ذكروا أن النذر لها مجرب ولنذره قوم يدورون في البلاد ركاب الخيل ينادون‏:‏ من نذر للنجران المبارك وللسلطان عليها عطية يؤدونها كل عام‏.‏
الحيرة
بلدة قديمة كانت على ساحل البحر بقرب أرض الكوفة وكان هناك في قديم الزمان بحر‏.‏
والآن ليس بها أثر البحر ولا المدينة بل هي دجلة وآثار طامسة‏.‏
وكانت الحيرة منزل ملوك بني لخم وهم كانوا ملوك العرب في قديم الزمان وإياهم أراد الأسود بن يعفر في قوله‏:‏ ماذا أؤمّل بعد آل محرّقٍ تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسّدير وبارقٍ والقصر ذي الشّرفات من سنداد نزلوا بأنقرةٍ يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد أرضٌ يخيلها لطيب مقيلها كعب بن مامة وابن أمّ ذواد جرت الرّياح على محلّ ديارهم فكأنّهم كانوا على ميعاد فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى به يوماً يصير إلى بلىً ونفاد وبنى النعمان بن امريء القيس بن عمرو بن عدي قصراً بظاهر الحيرة في ستين سنة اسمه الخورنق بناه رجل من الروم يقال له سنمار وكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس فيطلب فلا يوجد‏.‏
وكان يبني على وضع عجيب لم يعرف أحد أن يبني مثله‏.‏
ثم إذا وجد يحتج بحجة فلم يزل يفعل هذا ستين سنة‏.‏
فلما فرغ من بنائه كان قصراً عجيباً لم يكن للملوك مثله‏.‏
فرح به النعمان فقال له سنمار‏:‏ اني لأعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله فقال له النعمان‏:‏ هل يعرفها أحد غيرك قال‏:‏ لا‏!‏ فأمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطعت أوصاله فاشتهر ذلك حتى ضرب العرب به المثل فقال الشاعر‏:‏ جزاني جزاه الله شرّ جزائه جزاء سنمّارٍ وما كان ذا ذنب سوى رمّة البنيان ستّين حجّةً يعلى عليه بالقراميد والسّكب فلمّا رأى البنيان تمّ شهوقه وآض كمثل الطّود الشّامخ الصّعب وظنّ سنمّارٌ به كلّ حبوةٍ وفاز لديه بالمودّة والقرب فقال‏:‏ اقذفوا بالعلج من فوق رأسه فهذا لعمر الله من أعجب الخطب فصعد النعمان قلته ونظر إلى البحر تجاهه وإلى البر خلفه والبساتين حوله ورأى الظبي والحوت والنخل فقال لوزيره‏:‏ ما رأيت أحسن من هذا البناء قط‏!‏ فقال له وزيره‏:‏ له عيب عظيم‏!‏ قال‏:‏ وما ذلك قال‏:‏ انه غير باق‏!‏ قال النعمان‏:‏ وما الشيء هو باق قال‏:‏ ملك الآخرة‏!‏ قال‏:‏ فكيف تحصيل ذلك قال‏:‏ بترك الدنيا‏!‏ قال‏:‏ فهل لك أن تساعدني في طلب ذلك فقال‏:‏ نعم‏.‏
فترك الملك وتزهد هو ووزيره والله الموفق‏.‏
خبيص
مدينة كبيرة بكرمان‏.‏
ذكر ابن الفقيه أن باطنها لم يمطر أبداً وإنما تكون الأمطار حواليها‏.‏
وقال‏:‏ ربما أخرج الرجل يده من السور فيقع المطر عليها ولا يقع على بقية بدنه الداخل في المدينة وهذا عجيب‏!‏ خربة الملك مدينة بمصر على شرق النيل قال أحمد بن واضح‏:‏ ان معدن الزمرذ في هذا الموضع في جميع الأرض وان هناك جبلين يقال لأحدهما العروس وللآخر الخصوم بهما معدن الزمرذ ربما وقعت بهما قطعة تساوي ألف دينار‏.‏
الخليل اسم بلدة بها حصن وعمارة بقرب بيت المقدس‏.‏
فيه قبر الخليل عليه السلام في مغارة تحت الأرض وهناك مشاهد وقوام وفي الموضع ضيافة للزوار وهو موضع طيب نزه آثار البركة ظاهرة عليه حكى السلفي أن رجلاً أتى زيارة الخليل وأهدى لقيم الموضع هدية وسأله أن يمكنه من النزول إلى مغارة الخليل فقال القيم‏:‏ إن أقمت إلى انقطاع الزوار فعلت‏!‏ فأقام فقطع بلاطة وأخذ معه مصباحاً فنزل سبعين درجة إلى مغارة واسعة وبها دكة عليها الخليل وعليه ثوب أخضر والهواء يحرك شيبته وإلى جانبه إسحاق ويعقوب عليهما السلام ثم أتى حائط المغارة يقال‏:‏ إن سارة عليها السلام خلف ذلك الحائط فهم أن ينظر إلى ما وراء الحائط فإذا هو بصوت يقول‏:‏ إياك والحرم‏!‏ فعاد من حيث نزل‏.‏
دارا قرية من قرى دمشق ينسب إليها أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية الداري‏.‏
كان فريد وقته في الزهد والورع قال‏:‏ نمت ليلة بعد وردي فإذا أنا بحوراء تقول لي‏:‏ تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام وقال‏:‏ كنت ليلة باردة في المحراب فأقلقني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدودة فغلبتني عيناي فإذا قائل يقول‏:‏ يا أبا ليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها ولو كانت الأخرى مثلها لوضعنا فيها‏!‏ فآليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان برداً كان أو حراً‏.‏
دارابجرد
كورة بفارس نفيسة عمرها داراب بن فارس قال الاصطخري‏:‏ بها كهف الموميا وقال ابن الفقيه‏:‏ انه بأرجان وقد مضى ذكرها في أرجان‏.‏
وزاد الاصطخري‏:‏ ان الخالص منه يحمل إلى شيراز ثم يغسل الموضع ويعجن بمائه شيء ويخرج على أنه الموميا فجميع ما ترى في أيدي الناس من المعجون وأما الخالص فلا يوجد إلا في خزانة الملك‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ بناحية دارابجرد جبال من الملح الأبيض والأصفر والأخضر والأحمر والأسود ينحت منها الموائد والصحون والغضائر وغيرها من الظروف وتهدى إلى سائر البلاد‏.‏
وبها معدن الزئبق‏.‏
دمشق
قصبة بلاد الشام وجنة الأرض لما فيها من النضارة وحسن العمارة ونزاهة الرقعة وسعة البقعة وكثرة المياه والأشجار ورخص الفواكه والثمار‏.‏
قال أبو بكر الخوارزمي‏:‏ جنان الدنيا أربع‏:‏ غوطة دمشق وصغد سمرقند وشعب بوان وجزيرة الأبلة وقد رأيت كلها فأفضلها غوطة دمشق وأهل السير يقولون‏:‏ إن آدم عليه السلام كان ينزل في موضع بها يقال له الآن بيت الأبيات وحواء في بيت لهيا وهابيل في مقرى وقابيل في قنينة‏.‏
وكان في الموضع الذي يعرف الآن بباب الساعات عند الجامع صخرة عظيمة كانت القرابين توضع عليها فما قبل نزلت نار أحرقته وما لم يقبل بقي على حاله وقتل قابيل هابيل على جبل قاسيون وهو جبل على باب دمشق‏.‏
وهناك حجر عليه مثل أثر الدم يزعم أهل دمشق انه الحجر الذي رض به قابيل رأس هابيل وعند الحجر مغارة يقال لها مغارة الدم لذلك‏.‏
والمدينة الآن عظيمة حصينة ذات سور وخندق وقهندز والعمارات مشبكة من جميع جوانبها والبساتين محيطة بالعمارات فراسخ وقلما ترى بها داراً أو مسجداً أو رباطاً أو مدرسة أو خاناً إلا وفيها ماء جار‏.‏
ومن عجائبها الجامع وصفه بعض أهل دمشق قال‏:‏ هو أحد العجائب كامل المحاسن جامع الغرائب بسط فرشه بالرخام وألف على أحسن تركيب وانتظام‏.‏
فصوص أقداره متفقة وصنعته مؤتلفة وهو منزه عن صور الحيوان إلى صور النبات وفنون الأغصان تجنى ثمرتها بالأبصار ولا يعتريها حوائج الأشحار‏.‏
والثمار باقية على طول الزمان مدركة في كل حين وأوان لا يمسها عطش مع فقدان القطر ولا يصيبها ذبول مع تصاريف الدهر‏.‏عمره الوليد بن عبد الملك وكان ذا همة في أمر العمارات وبناء المساجد‏.‏
أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين وحمل عليه الدساتير بما أنفق عليه على ثمانية عشر بعيراً فلم ينظر إليها وأمر بإبعادها وقال‏:‏ هو شيء أخرجناه لله فلا نتبعه‏!‏ قالوا‏:‏ من عجائب الجامع لو أن أحداً عاش مائة سنة وكان يتأمله كل يوم لرأى في كل يوم ما لم يره من حسن الصنعة ومبالغة التنميق‏.‏
وحكي أنه بلغ ثمن البقل الذي أكله الصناع ستين ألف دينار فضج الناس استعظاماً لما أنفق فيه وقالوا‏:‏ أنفقت أموال المسلمين فيما لا فائدة لهم فيه‏!‏ فقال‏:‏ ان في بيت مالكم عطاء ثماني عشرة سنة إن لم يدخل فيه حبة قمح‏!‏ فسكت الناس فلما فرغ أمر بتسقيفها من الرصاص وإلى الآن سقفها من الرصاص ورأيت الصانع يرقمها بالرصاص المذاب‏.‏
قالوا‏:‏ ان طيراً يذرق على الرصاص يحرقه فيحتاج إلى الإصلاح لدفع ماء المطر‏.‏
قال موسى بن حماد‏:‏ رأيت في جامع دمشق كتابة بالذهب في الزجاج محفوراً سورة ألهاكم التكاثر ورأيت جوهرة حمراء نفيسة ملصقة في قاف المقابر فسألت عن ذلك فقالوا‏:‏ ماتت للوليد بنت كانت هذه الجوهرة لها فأمرت أمها أن تدفن هذه الجوهرة معها فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر وحلف لأمها أنه أودعها المقابر‏.‏والمسجد مبني على أعمدة رخام طبقتين‏:‏ التحتانية أعمدة كبار والفوقانية أعمدة صغار في خلال ذلك صور المدن والأشجار بالفسيفساء والذهب والألوان‏.‏
ومن العجب العمودان الحجريان اللذان على باب الجامع وهما في غاية الإفراط طولاً وعرضاً قيل‏:‏ وهما من عمل عاد إذ ليس في وسع أبناء زماننا قطعهما ولا نقلهما ولا إقامتهما وفي الجانب الغربي بالجامع عمودان على الطبقة العليا من الأعمدة الصغار يقولون‏:‏ انهما من الحجر الدهنج وفي جدار الصحن القبلي حجر مدور شبه درقة منقطة بأبيض وأحمر قالوا‏:‏ بذل الفرنج فيه أموالاً فلم يجابوا إليه‏.‏
وللجامع أوقاف كثيرة وديوان عظيم وعليها أرزاق كثير من الناس منهم صناع يعملون القسي والنبال للجامع ويذخرونها ليوم الحاجة ذكروا أن دخل الجامع كل يوم ألف ومائتا دينار يصرف المائتان إلى مصالح الجامع والباقي ينقل إلى خزانة السلطان‏.‏
وأهل دمشق أحسن الناس خلقاً وخلقاً وزياً وأميلهم إلى اللهو واللعب ولهم في كل يوم سبت الاشتغال باللهو واللعب‏.‏
وفي هذا اليوم لا يبقى للسيد على المملوك حجر ولا للوالد على الولد ولا للزوج على الزوجة ولا للأستاذ على التلميذ فإذا كان أول النهار يطلب كل واحد من هؤلاء نفقة يومه فيجتمع المملوك بإخوانه من المماليك والصبي بأترابه من الصبيان والزوجة باخواتها من النساء والرجل أيضاً بأصدقائه فأما أهل التمييز فيمشون إلى البساتين ولهم فيها قصور ومواضع طيبة وأما سائر الناس فإلى الميدان الأخضر وهو محوط فرشه أخضر صيفاً وشتاء من نبت فيه وفيه الماء الجاري‏.‏
والمتعيشون يوم السبت ينقلون إليه دكاكينهم‏.‏
وفيها حلق المشعبذين والمساخرة والمغنين والمصارعين والفصالين‏.‏
والناس مشغولون باللعب واللهو إلى آخر النهار ثم يفيضون منها إلى الجامع ويصلون بها المغرب ويعودون إلى أماكنهم‏.‏
بها جبل ربوة جبل على فرسخ من دمشق قال المفسرون‏:‏ إنها هي المذكورة في قوله تعالى‏:‏ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين‏.‏
وهو جبل عال عليه مسجد حسن في وسط البساتين ولما أرادوا إجراء ماء بردى وقع هذا الجبل في الوسط فنقبوا تحته وأجروا الماء فيه ويجري على رأسه نهر يزيد وينزل من أعلاه إلى أسفله‏.‏
وفي المسجد الذي على أعلى الماء الجاري‏.‏
وله مناظر إلى البساتين وفي جميع جوانبه الخضرة والأشجار والرياحين‏.‏
ورأيت في المسجد في بيت صغير حجراً كبيراً ذا ألوان عجيبة حجمه كحجم صندوق مدور وقد انشق بنصفين وبين شقيه مقدار ذراع لم ينفصل أحد الشقين عن الآخر بل متصل به كرمان مشقوق ولأهل دمشق في ذلك الحجر أقاويل كثيرة‏.‏
وينسب إليها إياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء‏.‏
طلب من رجل حقاً عند القاضي وهو إذ ذاك يتيم فقال له القاضي‏:‏ اسكت إنك صبي‏!‏ فقال‏:‏ إذا سكت من يتكلم عني فقال القاضي‏:‏ والله لا تقول حقاً‏!‏ فقال إياس‏:‏ لا إله إلا الله‏!‏ وحكي أن امرأتين تحاكمتا إليه في كبة غزل فأفرد كل واحدة منهما وسألها‏:‏ على أي شيء كببت غزلك فقالت إحداهما‏:‏ على كسرة خبز‏!‏ وقالت الأخرى‏:‏ على طرقة‏.‏
فنقض الكبة فإذا هي على كسرة خبز‏.‏
فسمع بذلك ابن سيرين فقال‏:‏ ويحه ما أفهمه‏!‏ وحكي انه تحاكم إليه رجلان فقال أحدهما‏:‏ إني دفعت إليه مالاً‏.‏
فجحد الآخر فقال للمدعي‏:‏ أين سلمت هذا المال إليه فقال‏:‏ عند شجرة في الموضع الفلاني‏!‏ فقال المدعى عليه‏:‏ انا ذلك الموضع ما رأيت قط‏.‏
فقال‏:‏ انطلقوا بالمدعي إلى ذلك المكان وابصروا هل فيه شجرة أم لا فلما ذهبوا إليه قال بعد زمان للمدعى عليه‏:‏ ترى وصلوا إلى ذلك المكان قال‏:‏ لا بعد‏!‏ فقال له‏:‏ قم يا عدو الله إنك خائن‏!‏ فقال‏:‏ أقلني أقالك الله‏!‏ واعترف به‏.‏
دمندان
مدينة كبيرة بكرمان قال ابن الفقيه‏:‏ بها معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والتوتيا والنوشاذر في جبل شاهق يقال له دنباوند‏.‏
وفي هذا الجبل كهف عظيم يسمع من داخله دوي شبه خرير الماء ويرتفع منه شبه دخان ويلتصق بحواليه فإذا كثف وكثر خرج إليه أهل المدينة يقلعونه وهو النوشاذر الجيد الذي يحمل إلى الآفاق وقد وكل السلطان به قوماً حتى إذا جمع كله أخذ السلطان خمسه‏.‏
دمياط مدينة قديمة بين تنيس ومصر مخصوصة بالهواء الطيب وهي من ثغور الإسلام عندها يصب ماء النيل في البحر وعرض النيل هناك نحو مائة ذراع وعليه من جانبيه برجان بينهما سلسلة حديد عليها جرس لا يدخل مركب في البحر ولا يخرج إلا بإذن وعلى سورها مدارس ورباطات كثيرة‏.‏
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لعمر بن الخطاب‏:‏ يا عمر سيفتح على يديك ثغران‏:‏ الإسكندرية ودمياط أما الإسكندرية فخرابها من البربر وأما دمياط فهم صفوة شهداء من رابطها ليلة كان معي في حظيرة القدس‏.‏
وحكى الحسن بن محمد المهلبي قال‏:‏ من طريف أمر دمياط ان الحاكة بها يعملون الثياب الرفيعة وهم قبط من سفلة الناس أكثر أكلهم السمك المملوح والطري فإذا أكلوا عادوا إلى الصنعة من غير غسل الأيدي وينشطون بها ويعملون في غزلها فإذا قطع الثوب لا يشك من يقلبه انه بخر بالند‏!‏ وقال أيضاً‏:‏ من طريف أمر دمياط ان في قبليها على الخريج غرفاً تعرف بالمعامل يستأجرها الحاكة لعمل ثياب الشرب فيها فلا تكاد تنجب إلا بها فإن عمل بها ثوب وبقي منها شبر ونقل إلى غير هذه الغرف علم بذلك السمسار المبتاع للثوب وينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب وتبلغ قيمة الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار ولا تشارك تنيس في شيء من عملها وبينهما مسيرة نصف نهار‏.‏
ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا بتنيس أبيض وهما حاضرتا البحر‏.‏
وبها أنواع الطير والسمك ذكرناها في تنيس لا نعيدها‏.‏
وبها الفرش القلموني من كل لون‏.‏
وبها سمكة يقال لها الدلفين وهي في خلقة زق زعموا أنها تنجي الغريق وبها سمكة أخرى من أكلها يرى منامات هائلة‏.‏
وحكي أن الفرنج في زمان الملك الكامل اتخذوا مركباً بعلو سور دمياط وشحنوه من الرجال والسلاح وأجروه في البحر إلى أن يصل بسور دمياط فوثبوا من المركب إلى السور وفتحوا دمياط بهذه الحيلة فلما علم الملك الكامل ذلك شق عليه وجاء محاصراً لها فصعب عليه استخلاصها فبنى بجنبها مدينة بالأسواق والحمامات وما زال يحاصرها حتى فتحها وأسر دندرة مدينة على غربي النيل من نواحي الصعيد طيبة ذات مياه وأشجار ونخل وكرم فيها من البرابي كثير والبربا بيت فيه صور لطلسم أو سحر من جملتها بربا فيه مائة وثمانون كوة تدخل الشمس كل يوم من كوة واحدة بعد واحدة حتى تنتهي إلى آخرها ثم تكر إلى الموضع الذي بدأت منه‏.‏
دورق
بليدة بخوزستان قال مسعر بن مهلهل‏:‏ في أعمالها معادن كثيرة‏.‏
وبها آثار قديمة لقباذ بن دارا‏.‏
وبها صيد كثير ويجتنب بعض مواضعها لا يرعى قالوا انه لطلسم‏.‏
وبها الكبريت الأصفر البحري ولا يوجد هذا الكبريت إلا بها وإن حمل منها إلى غيرها لا يسرج وإذا أتي بالنار من غير دورق أحرقته ونار دورق لا تحرقه وهذا من ظريف الأشياء‏.‏
وبها هوام قتالة لا يبل سليمها‏.‏
منها حية شبرية تسمى ذات الرأسين وهذه الحية توجد بين دورق والباسيان تكون في الرمل فإذا أحست بشيء من الحيوان وثبت أذرعاً ونهشت بإحدى رأسيها وتثقل عليه فيموت الحيوان في ساعته‏.‏جزيرة بين بحر فارس ونهر عسكر مكرم خمسة فراسخ في خمسة فراسخ ترفأ إليها مراكب البحر التي تقدم من ناحية الهند لا طريق لها إلا إليها وبها الجزر والمد في كل يوم مرتين‏.‏
وماؤها عذب فإذا ورد المد عليها يبقى ملحاً كثيراً‏.‏
وفي وسطها قلعة كان في أيام الخلفاء يحمل إليها المنفيون من بغداد فمن كانت جريمته عظيمة يحبس في القلعة ومن كان دون ذلك يرسل في الجزيرة‏.‏
وبها عمارات وبيوت يسكنها قوم من النوتية الذين يعملون في البحر‏.‏
وبها مد وجزر آخر بحسب زيادة نور القمر ونقصانه فيزداد كل يوم إلى منتصف الشهر ثم ينقص كل يوم إلى آخر الشهر‏.‏
ورأيت بها شاباً أسمر نحيفاً كانوا يقولون انه يصطاد الظبي وحكى بعضهم ان ذئباً قد أكل شاة لهذا الرجل بدورقستان فقام يعدو خلفه والذئب لا يقدر على الخروج من الجزيرة فلم يزل يسعى خلفه حتى أدركه‏.‏
دير أبي هور ذكر الشابستي انه بسرياقوس من أعمال مصر وهي بيعة عامرة كثيرة الرهبان‏.‏
وفيها أعجوبة وهي ان من يكون به خنازير يقصد هذا الموضع للتعالج فيضجعه رئيس الموضع ويجيء بخنزير يرسله إلى موضع العلة فيأكل الخنزير الغدة ولا يتعدى إلى الموضع الصحيح‏.‏
فإذا تنظف الموضع ذر عليه شيئاً من رماد خنزير فعل هذا الفعل من قبل ودهنه بزيت قنديل البيعة فيبرأ‏.‏
ثم يذبح ذلك الخنزير ويحرق ويعد رماده لمثل هذا العلاج‏.‏
دير أتريب
بأرض مصر يعرف بمارت مريم عليها السلام‏.‏
له عيد وانه في الخامس عشر من آب والحادي والعشرين من بؤونه من أشهر القبط‏.‏
يذكرون أن حمامة بيضاء تأتيهم ولا يرونها إلا يوم مثله تدخل المذبح ولا يدرون من أين جاءت‏.‏
دير أيوب
قرية من نواحي دمشق‏.‏
بها كان منزل أيوب عليه السلام وبها ابتلاه الله‏.‏
وبها العين التي ظهرت من ركضه حين أمره الله تعالى به عند انتهاء ابتلائه فقال عز وعلا‏:‏ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب والصخرة التي كانت عليها وبها قبره عليه السلام‏.‏
دير سمعان دير بناحية دمشق في موضع نزه محدقة بالبساتين والدور والقصور وكان بها حبيس مشهور منقطع عن الخلق جداً وكان يخرج رأسه من كوة في كل سنة يوماً معلوماً فكل من وقع عليه بصره من المرضى والزمنى عوفي‏.‏
فسمع به إبراهيم بن أدهم فذهب إليه حتى يشاهد ذلك قال‏:‏ رأيت عند الدير خلقاً كثيراً من الواقفين حذاء تلك الكوة يترقبون خروج رأس الحبيس فلما كان ذلك اليوم أخرج رأسه ونظر إليهم يميناً وشمالاً فكل من وقع نظره عليه قام سليماً معافى ثم رجع إلى مكانه‏!‏ قال‏:‏ فتعجبت من ذلك وبقيت متفكراً فيه ثم مضيت ودعوته فأجابني وسألته عن حاله فأعطاني سبع حمصات وقال‏:‏ هذه تطلب منك لا تبعها إلا بثمن بالغ ‏!‏ قال‏:‏ فانصرفت عنه فاشتهر بين النصارى أن الحبيس أعطى لهذا الحنيفي شيئاً فاجتمعوا علي وقالوا‏:‏ ماذا تصنع بهذه الحمصات بعها منا‏!‏ فما زالوا يزيدون في ثمنها حتى بلغ سبعمائة دينار فبعتها ثم انصرفت وعبوري على دير سمعان فأخرج الحبيس رأسه وقال‏:‏ أيها الحنيفي قد بعت الحمصات بسبعمائة دينار ولو طلبت سبعة آلاف لأعطوك وكل حمصة لي قوت يوم فانظر من يكون قيمة قوته كل يوم ألف دينار كم تكون قيمته ثم أدخل رأسه‏.‏
دير طور سينا
على قلة طور سينا وهو الجبل الذي تجلى فيه النور لموسى عليه السلام وخر موسى صعقاً هناك‏.‏
والدير مبني بالحجر الأسود وفي غربيه باب لطيف قدامه حجر إذا أرادوا رفعه رفعوه وإذا قصدهم قاصد أرسلوه فانطبق على الموضع ولم يعرف مكان الباب وفي داخلها عين ماء‏.‏
وزعم النصارى أن بها ناراً من النار التي كانت ببيت المقدس وهي نار بيضاء ضعيفة الحر لا تحرق وتقوى إذا أوقد منها السرج وهو عامر بالرهبان والناس يقصدونه قال فيه ابن عاصم‏:‏ يا راهب الدّير ماذا الضّوء والنّور وقد أضاء بما في ديرك الطّور هل حلّت الشّمس فيه دون أبرجها أم غيّب البدر عنه فهو مستور دير الطير بأرض مصر على شاطيء النيل بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف‏.‏
وفي هذا الجبل شق فإذا كان يوم عيد هذا الدير يأتي صنف من الطير يقال له بوقير لم يبق منها واحد إلا جاء ذلك الشق ويشتد عنده صياحها‏.‏
ولا يزال الواحد بعد الواحد يجعل رأسه في ذلك الشق ويصيح إلى أن يتشبث رأس أحدها بالشق فيضطرب حتى يموت وعند ذلك تنصرف البقية إلى السنة القابلة ولا يبقى هناك منها طائر هكذا ذكر الشابشتي وهذا دليل الخصب في تلك السنة وربما تشبث على طيرين فيكون الخصب بالغاً جداً‏.‏
دير نهيا
بالجيزة من أرض مصر‏.‏
من أحسن الديارات وأنزهها وأطيبها موضعاً وأجلها موقعاً عامر بالرهبان وله في النيل منظر عجيب لأن الماء محيط به من جميع جهاته‏.‏
فإذا انصرف الماء وزرعت أظهرت أنواع الأزهار وأصناف الأنوار فتشبه الديباج المنقش لا يريد الإنسان ان يفارقها وله خليج تجتمع فيه الطيور فهو متصيد أيضاً ولابن البصري فيه‏:‏ أيا دير نهيا إن ذكرت فإنّني أسعى إليك على الخيول السّبّق أوما ترى وجه الرّبيع وقد زهت أنواره بنهاره المتألّق وتجاوبت أطياره وتبسّمت أشجاره من ثغر زهرٍ مؤنق والبدر في وسط السّماء كأنّه وجهٌ مضيءٌ في قناعٍ أزرق وإذا سئلت عن الطّيور وصيدها وجنوسها فاصدق وإن لم تصدق فالغرّ فالكروان فالفارور إذ يشجيك في طيرانه المتحلّق الرصافة مدينة في البرية بقرب الرقة‏.‏
رأيتها لها سور محكم من الحجر المنحوت‏.‏
أحدثها هشام بن عبد الملك لما وقع الطاعون بأرض الشام‏.‏
ليس بها نهر ولا عين وآبارهم بعيدة العمق رشاؤها مائة وعشرون ذراعاً وهي ملح‏.‏
وشربهم من الصهاريج داخل المدينة وقد تفرغ الصهاريج في أثناء الصيف فيأخذون الماء من الفرات وبينهما أربعة فراسخ‏.‏
ولبني خفاجة عليهم مال يؤدونه صاغرين‏.‏
وصنعة أهلها عمل الأكسية والجوالق والمخالي منها تحمل إلى سائر البلاد‏.‏
وكان هشام بن عبد الملك يفزع إليها من البق في شاطيء الفرات‏.‏
ومن عجيب هذه البلدة أن ليس بها زرع ولا ضرع ولا ماء ولا أمن ولا تجارة ولا صنعة مرغوبة‏!‏ وأهلها يسكنونها ولولا حب الوطن لخربت‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:47 am

الرقادة
بلدة طيبة بافريقية بقرب القيروان كثيرة البساتين ليس بافريقية أعدل هواء ولا أطيب نسيماً منها ولا أصح تربة‏!‏ حتى إن من دخلها لم يزل مستبشراً من غير أن يعلم لذلك سبباً‏.‏
وحكي أن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب مرض وشرد عنه النوم فعالجه إسحق المتطبب الذي نسب إليه الاطريفل الاسحقي فأمره بالتردد‏.‏
فلما وصل إلى هذا الموضع نام فسماه رقادة واتخذ به دوراً وقصوراً فصارت من أحسن بلاد الله‏.‏
وكان يمنع بيع النبيذ بالقيروان ولا يمنع بالرقادة فقال طرفاء القيروان‏:‏ يا سيّد النّاس وابن سيّدهم ومن إليه الرّقاب منقاده ما حرّم الشّرب في مدينتنا وهو حلالٌ بأرض رقّاده زكندر مدينة بالمغرب من بلاد بربر بينها وبين مراكش ست مراحل حدثني الفقيه علي بن عبد الله المغربي الجنحاني أنها مدينة كبيرة مسورة كثيرة الخيرات والثمرات أهلها برابر مسلمون بها معادن الفضة عامة كل من أراد يعالجها‏.‏
وهي غيران تحت الأرض فيها خلق كثير يعملون أبداً‏.‏
ومن عادة أهل المدينة أن من جنى جناية أو وجب عليه حق فدخل شيئاً من تلك الغيران سقط عنه الطلب حتى يخرج منها‏.‏
وفيها أسواق ومساكن فلعل الخائف يعمل فيها مدة وينفق ولا يخرج حتى يسهل الله أمره‏.‏
وذكر أنهم إذا نزلوا عشرين ذراعاً نزل الماء فالسلطان ينصب عليها الدواليب ويسقي ماؤها ليظهر الطين فيخرجه الفلعة إلى ظاهر الأرض ويغسلونها‏.‏
وإنما يفعل ذلك ليأخذ خمس النيل وماؤها يسقي ثلاث دفعات لأن من وجه الأرض إلى الماء عشرين ذراعاً فينصب دولاباً في الغار على وجه الماء فيستقي ويصب في حوض كبير وينصب على ذلك الحوض دولاباً آخر فيستقي ويصب في حوض آخر ثم ينصب إلى ذلك الحوض دولاباً ثالثاً فيستقي ويجري على وجه الأرض إلى المزارع والبساتين‏.‏
وذكروا أن هذه المعاملة لا تصح إلا من صاحب مال كثير له آلاف يقعد على باب الغار ويكري الصناع والعملة فيخرجون الطين ويغسلونه بين يديه حتى إذا تم العمل أخرج خمس السلطان وسلم الباقي له فربما يكون أصغر مما أنفق وربما يكون دونه على قدر جد الرجل‏.‏
سابور مدينة بأرض فارس بناها سابور بن أردشير من دخلها لم يزل يشم روائح طيبة حتى يخرج منها لكثرة رياحينها وأزهارها وكثرة أشجارها‏.‏
قال البشاري‏:‏ مدينة سابور نزهة جداً بها ثمار الجروم والصرود من النخل والزيتون والاترج والجوز واللوز والعنب وقصب السكر‏.‏
وأنهارها جارية وثمارها دانية‏.‏
وقراها مشتبكة يمشي السائر أياماً تحت ظل الأشجار كصغد ينسب إليها أبو عبد الله السابوري‏.‏
كان من أولياء الله تعالى قال الأستاذ أبو علي الدقاق‏:‏ إن أبا عبد الله كان صياداً فإذا نزلنا به أطعمنا من لم الصيد ثم ترك ذلك‏.‏
فسألناه عن سببه فقال‏:‏ كنت أنصب شبكتي على عين ماء فالظباء كانت تأتي لتشرب فتتعلق بالشبكة‏.‏
فنصبتها في بعض الأيام فإذا أنا بظبية معها غزلان ثلاثة في انتصاف النهار عند شدة الحر فقصدت الماء لتشرب فلما رأت الشبكة نفرت عنها وذهبت وقد غلبها وغزلانها العطش ثم عادت ودنت من الماء فلما رأت الشبكة جعلت تنظر إليها وترفع رأسها نحو السماء حتى فعلت ذلك مراراً‏.‏
فما كان إلا قليل حتى ظهرت سحابة سترت الآفاق وأمطرت مطراً سالت منه المياه في الصحراء‏.‏
فلما شاهدت تلك الحالة تركت الاصطياد‏.‏
سبتة
بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب على ساحل البحر في بر البربر‏.‏
وهي ضاربة في البحر داخلة فيه‏.‏
قال أبو حامد الأندلسي‏:‏ عندها الصخرة التي وصل إليها موسى وفتاه يوشع عليه السلام فنسيا الحوت المشوي وكانا قد أكلا نصفه فأحيا الله تعالى النصف الآخر فاتخذ سبيله في البحر عجباً‏.‏
وله نسل إلى الآن في ذلك الموضع وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبر وأحد جانبيها صحيح والجانب الآخر شوك وعظام وغشاء رقيق على أحشائها‏.‏
وعينها واحدة ورأسها نصف رأس فمن رآها من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنها مأكولة ميتة والناس يتبركون بها ويهدونها إلى المحتشمين واليهود يقددونها ويحملونها إلى البلاد البعيدة للهدايا‏.‏
سجستان
ناحية كبيرة واسعة تنسب إلى سجستان بن فارس‏.‏
أرضها كلها سبخة رملة والرياح فيها لا تسكن أبداً حتى بنوا عليها رحيهم وكل طحنهم من تلك الرحي‏.‏
وهي بلاد حارة بها رحي على الريح ونخل كثير وشدة الريح تنقل الرمل من مكان إلى مكان ولولا أنهم يحتالون في ذلك لطمست على المدن والقرى‏.‏
وإذا أرادوا نقل الرمل من مكان إلى مكان من غير أن يقع على الأرض التي إلى جانب الرمل جمعوا حول الرمل مثل الحائط من حطب وشوك وغيرهما وفتحوا من أسفله باباً فتدخله الريح وتطير الرمل إلى أعلاه مثل الزوبعة فيرتفع ويقع على مد البصر في بعد من ذلك الموضع‏.‏
ولا يصاد في أرضهم قنفذ ولا سلحفاة لأن أرضهم كثيرة الأفاعي وانها تقتل الأفعى‏.‏
قال ابن الفقيه‏:‏ وأهلها من خيار الناس قال محمد بن بحر الذهبي‏:‏ لم تزل سجستان مفردة بمحاسن لم تعرف لغيرها من البلدان وما في الدنيا سوقة أصح معاملة ولا أكثر مجاملة منهم ثم مسارعتهم إلى إغاثة اللهيف ومؤاساة الضعيف وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو كان فيه جدع الأنوف وأجل من هذا كله أنهم امتنعوا على بني أمية أن يلعنوا علي بن أبي طالب على منبرهم‏.‏
ومن عادتهم أن لا تخرج المرأة من منزلها أبداً فإن أرادت زيارة أهلها فبالليل‏.‏
ينسب إليها رستم الشديد كان بالغاً في الشجاعة والفروسية إلى حد قال الفردوسي في شاه نامه‏:‏ جهان آفرين تا جهان آفريد سواري جو رستم نيامد بديد ذكر عنه أنه كان يجعل الرمح في قرنه ويرفعه من ظهر فرسه وإذا كان في ألف فارس يغلب ألفين‏:‏ ألف في مقابلة ألف وألف في مقابلة رستم‏.‏
سخا
مدينة بأسفل مصر وهي قصبة الكورة الغربية‏.‏
في جامعها حجر أسود عليه علامة‏:‏ إذا أخرج سدوم قصبة قرى قوم لوط‏.‏
وهي بين الحجاز والشام‏.‏
كانت أحسن بلاد الله وأكثرها مياهاً وأشجاراً وحبوباً وثماراً والآن عبرة للناظرين‏.‏
وتسمى الأرض المقلوبة لا زرع بها ولا ضرع ولا حشيش وبقيت بقعة سوداء فرشت فيها حجارة ذكر أنها الحجارة التي أمطرت عليهم وعلى عامتها كالطابع قال أمية بن أبي الصلت‏:‏ ثمّ لوطٌ أخو سدومٍ أتاها إذ أتاها برشدها وهداها راودوه عن ضيفه ثمّ قالوا‏:‏ قد نهيناك أن تقيم قراها عرض الشّيخ عند ذاك بناتٍ كظباءٍ بأجرعٍ ترعاها غضب القوم عند ذاك وقالوا‏:‏ أيّها الشّيخ خطبةٌ نأباها‏!‏ عزم القوم أمرهم وعجوزٌ خيّب الله سعيها ورجاها أرسل الله عند ذاك عذاباً جعل الأرض سفلها أعلاها ورماها بحاصبٍ ثمّ طينٍ ذي حروفٍ مسوّمٍ إذ رماها بلدة قديمة بنواحي مصر على ضفة النيل‏.‏
كان بها بربا من إحدى العجائب قال عمر الكندي‏:‏ رأيت ذلك البربا وقد اتخذه بعض العمال مخزن القت فرأيت الجمل إذا دنا من بابه وأراد دخوله سقط عنه كل دبيب عليه ولم يدخل منه شيء إلى البربا‏.‏
وكان على ذلك إلى أن خرب في شهور سنة خمسين وثلاثمائة‏.‏
سنجل
قرية من نواحي فلسطين بين نابلس وطبرية‏.‏
على أربعة فراسخ من طبرية مما يلي دمشق‏.‏
قال الاصطخري‏:‏ كان منزل يعقوب عليه السلام بنابلس من أرض فلسطين والجب الذي ألقي فيه يوسف الصديق عليه السلام بين نابلس وبين قرية يقال لها سنجل ولم تزل تلك البئر مزاراً للناس يتبركون بزيارتها ويشربون من مائها‏.‏
سنون
قرية بأرض كرمان قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بها حصار في وسطها لا ترى الفأر فيه أبداً ولو حملت إليها ماتت إذا أصابت أرضها‏!‏ سوبلا بلجة بأرض البربر قرب مراكش‏.‏
أهلها من شرار البربر وبربر من شرار الناس‏.‏
ذكر أن أبا يعقوب بن يوسف ملك المغرب اجتاز بها فخرج مشايخها إليه للتلقي والخدمة فلما رآهم قال‏:‏ من أنتم قالوا‏:‏ مشايخ سوبلا‏!‏ فقال‏:‏ لا حاجة إلى اليمين إنا نعرفكم‏!‏ فتعجب الناس من سرعة جوابه كأنهم قالوا‏:‏ نحن مشايخ سوء بالله واللفظان واحد في كلام المغاربة‏.‏
سيراف مدينة شريفة طيبة البقعة كثيرة البساتين والعيون تأتيها من الجبال واسعة البقعة والدور‏.‏
ينسب إليها أبو الحسن السيرافي شارح كتاب سيبويه عشرين مجلداً كان فريد عصره‏.‏
سيرجان قصبة بلاد كرمان بلدة طيبة كثيرة العلم حسنة الرسم ذات بساتين ومياه كثيرة أبهى من شيراز وأوسع وبينهما ثلاث مراحل يقال لهما القصران‏.‏
ماؤها عذب وهواؤها صحيح وأديمها فسيح‏.‏
بها دور عضد الدولة لم يوجد مثلها في شيء من البلاد‏.‏
وقد ش بها عمرو وطاهر ابنا الليث بن طاهر الصفار السجستاني قناتين‏.‏
ماؤها يدور في البلد ويدخل دورهم‏.‏
بها الفانيد وقصب السكر وبها نخل كثير ولهم سنة حسنة وهي أنهم لا يرفعون من تمورهم شيئاً أسقطته الريح ويتركونها للضعفاء فربما كثرت الرياح في بعض الأوقات فيحصل للفقراء أكثر مما يحصل للملاك‏.‏
والكمون يحمل منها إلى الآفاق‏.‏
سيلون
من قرى نابلس‏.‏بها مسجد السكينة وحجر المائدة‏.‏
ويقال‏:‏ ان سيلون كانت منزل يعقوب عليه السلام وان إخوة يوسف عليه السلام أخرجوه منها لما أرادوا إلقاءه في الجب والجب بقرية سنجل اتخذه الناس مزاراً‏.‏
الشام هي من الفرات إلى العريش طولاً ومن جبلي طيء إلى بحر الروم عرضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الشام صفوة الله من بلاده وإليها يجتبي صفوته من عباده‏.‏
عن عبد الله بن عمرو بن العاص انه قال‏:‏ قسم الخير عشرة أقسام جعلت تسعة في الشام وقسم في سائر الأرض وقسم الشر عشرة أعشار جزء منها بالشام والباقي في جميع الأرض‏.‏
والشام هي الأرض المقدسة التي جعلها الله منزل الأنبياء ومهبط الوحي ومحل الأنبياء والأولياء‏.‏
هواؤها طيب وماؤها عذب وأهلها أحسن الناس خلقاً وخلقاً وزياً ورياً قال عنيت بشرق الأرض قدماً وغربها أجوّب في آفاقها وأسيرها فلم أر مثل الشّام دار إقامةٍ لراحٍ أغاديها وكأسٍ أديرها مصحّة أبدانٍ ونزهة أعينٍ ولهو نفوسٍ دائمٌ وسرورها مقدّسةٌ جاد الرّبيع بلادها ففي كلّ أرضٍ روضةٌ وغديرها ومن خواص الشام أن لا تخلو عن الأولياء الأبدال الذين يرحم الله ويعفو بدعائهم لا يزيدون على السبعين ولا ينقصون عنها كلما مات واحد منهم قام من الناس بدله ولا يسكنون إلا جبل اللكام‏!‏ ومن خواصها الطاءات الثلاث‏:‏ الطعن والطاعون والطاعة‏.‏
أما طاعونها فنعوذ بالله منه وأما طعنها فمشهور أن أجنادها شجعان وأما طاعتها للسلطان فمما يضرب به المثل حتى قيل‏:‏ إنما تمشى الأمر لمعاوية لأنه كان في أطوع جند وعلي كان في أعصى جند وهم أهل العراق‏!‏ وبالشام من أنواع الفواكه في غاية الحسن والطيب وتفاحها كان يحمل إلى العراق لأجل الخلفاء‏.‏
وكذلك الزيت الركابي فإنه في عاية الصفاء وأهل الشام ينسبون إلى الجلافة وقلة الفطنة‏!‏ حكى ابن أبي ليلى أنه كان يساير رجلاً من وجوه أهل الشام فمر بحمال معه سلة رمان فأخذ منها رمانة جعلها في كمه فتعجبت من ذلك ثم رجعت إلى نفسي وكذبت بصري حتى مر بسائل فقير فأخرجها من كمه وأعطاه فعلمت أني رأيتها وسألته عن ذلك فقال‏:‏ أما علمت أن الأخذ سيئة واحدة والإعطاء عشر حسنات فكسبت تسعة قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ في بادية الشام شجرة إذا نظر الناظر إليها رأى أوراقها كالسرج المشعولة وكلما كان الليل أظلم كان الضوء أشد‏.‏
وإذا هش الورق لا يرى شيء من الضوء‏.‏
وحكى عبد الرحمن القشيري أن امرأة شريك بن خباسة قالت‏:‏ خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى الشام فنزلنا موضعاً يقال له القليب فذهب شريك ليستقي فوقعت دلوه في البئر فلم يقدر على أخذها لزحمة الناس فأخر إلى الليل وأبطأ فأخبر عمر فأقام ثلاثاً فإذا شريك أقبل ومعه ورقة خضراء فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إني وجدت في القليب سرباً فأتاني آت فأخرجني إلى أرض لا تشبه أرضكم وبساتين لا تشبه بساتينكم فتناولت منه شيئاً فقال لي‏:‏ ليس هذا أوان ذلك‏!‏ فأخذت هذه الورقة فإذا هي يواريها الكف ويشتمل بها الرجل من شجرة التين‏.‏
فدعا عمر كعب الأحبار وقال‏:‏ هل وجدت في شيء من الكتب أن رجلاً من أمتنا يدخل الجنة ثم يخرج قال‏:‏ نعم وإن كان أنبأتك به‏!‏ فقال‏:‏ هو في القوم‏!‏ فتأملهم ثم أشار إليه فجعل شعار بني نمير أخضر من ذلك اليوم‏.‏بها جبل السماق وهو جبل عظيم من أعمال حلب يشتمل على مدن وقرى أكثرها للاسماعيلية‏.‏
وانه منبت السماق وهو مكان طيب نزه‏.‏
من عجائبه أنه ذو بساتين ومزارع كلها عذي فينبت جميع الفواكه والحبوب في الحسن والطراوة كالمسقوي حتى المشمش والقطن والسمسم‏.‏
وحكي أن نور الدين صاحب الشام أنكر ملك الإسماعيلية في وسط بلاده فجاءه قاصداً أخذه فلما نزل عليه في ليلته الأولى أصبح فرأى عند رأسه رقعة وسكيناً وكان في الرقعة‏:‏ إن لم ترحل الليلة الآتية تكون هذه السكين في بطنك‏!‏ فارتحل عنه‏.‏
وبها طور سينا بين الشام ووادي القريتين بقرب مدين وقال بعضهم‏:‏ بقرب أيلة‏.‏
كان عليه الخطاب الثاني لموسى عليه السلام عند خروجه من مصر ببني إسرائيل‏.‏
وكان موسى إذا جاءه ينزل عليه غمام فيدخل في ذلك الغمام ويكلمه ربه وهو الجبل الذي ذكره الله تعالى حيث قال‏:‏ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً‏.‏
وانه لا يخلو من الصلحاء وحجارته كيف كسرت خرج منها صورة شجر العليق‏.‏
طور هارون في قبلي بيت المقدس وإنما سمي طور هارون لأن موسى عليه السلام بعد قتل عبدة العجل أراد المضي إلى مناجاة ربه فقال له هارون عليه السلام‏:‏ احملني معك فإني لست آمن أن يحدث ببني إسرائيل بعدك حدث فتغضب علي مرة أخرى‏!‏ فحمله معه فلما كانا ببعض الطريق إذا هما برجلين يحفران قبراً فوقفا عليهما وقالا‏:‏ لمن تحفران هذا القبر فقالا‏:‏ لأشبه الناس بهذا الرجل‏!‏ وأشارا إلى هارون ثم قالا له‏:‏ بحق إلهك الا نزلت وأبصرت هل هو واسع فنزع هارون ثيابه ودفعها إلى موسى ونزل ونام فيه فقبض روحه من ساعته وانضم القبر‏!‏ فانصرف موسى باكياً حزيناً فاتهمه بنو إسرائيل بقتله فدعا الله تعالى موسى حتى أراهم هارون في فضاء على رأس ذلك الجبل ثم غاب عنهم فسمي طور هارون‏.‏
وبها جبل لبنان وهو مطل على حمص به أنواع الفواكه والزروع من غير أن يزرعها أحد يأوي إليه الابدال لا يخلو عنهم أبداً لما فيه من القوت الحلال وفي تفاحه أعجوبة وهي انه يحمل إلى الشام وليست له رائحة حتى يتوسط نهر الثلج فإذا توسط النهر فاحت رائحته‏.‏
وبها نهر الذهب يزعم أهل حلب انه وادي بطنان ومن عجائبه ان أوله يباع بالميزان وآخره بالكيل‏.‏
ومعنى هذا الكلام أن أوله يزرع عليه القطن وسائر الحبوب وآخره وهو ما فضل من الزروع ينصب إلى بطيحة طولها فرسخان في عرض مثله فيجمد هناك ويصير ملحاً يمتار منه أكثر نواحي الشام فيباع كيلاً‏.‏مدينة بالمغرب من أعمال بجاية على ساحل البحر‏.‏
حدثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني أنه رأى بها أربع أسطوانات مفرطة الطول‏:‏ ثلاث منها قوائم والرابعة ساقطة طول كل واحدة نحو خمسين ذراعاً وعرضها لا يحوطها باع رجلين‏.‏
وانها في غاية الملاسة والحسن والهندام كأنها جعلت في الخرط وعلى كل أسطوانتين جائزة حجرية أحد رأسيها على هذه والأخرى على هذه وقد هندمت الجائزة أيضاً مربعة مفرطة الطول والأسطوانات زرق والجوائز بيض وقد سقط بسقوط إحدى القوائم جائزتان وبقي على القوائم الثلاث جائزتان فلو اجتمع أهل زماننا على إقامة الأسطوانة الساقطة ووضع الجائزتين الساقطتين عليهما لا يمكنهم إلا ان يشاء الله‏.‏
وقد اشتهر بين أهل تلك الديار أنها أثر قصر بناه بعض الملوك لابن له وقد حكم المنجمون انه تصيبه لذعة من عقرب يخاف منها عليه التلف فبنى هذا القصر من الحجر لئلا يتولد العقرب فيه لحجريته ولا يصعد إليه لملاسة أسطواناته فاتفق انه حمل إلى القصر سلة عنب كان فيها عقرب فهم ابن الملك أن يتناول العنب من السلة فلذعته ومات منها‏.‏
شطا
من بلاد مصر تنسب إليها الثياب الشطوية‏.‏
قال الحسن بن محمد المهلبي‏:‏ هي على صفة البحر بقرب دمياط يعمل بها الشرب الرفيع الذي تبلغ قيمة الثوب منه ثلاثمائة درهم ولا ذهب فيه‏.‏
شعب بوان
أرض بفارس بين ارجان والنوبندجان‏.‏
وهي أحد متنزهات الدنيا المعروفة بالحسن والطيب والنزاهة وكثرة الأشجار وتدفق المياه وأنواع الأطيار‏.‏
قالوا‏:‏ جنان الدنيا أربع‏:‏ صغد سمرقند وغوطة دمشق وشعب بوان ونهر الأبلة‏.‏
وقال أحمد بن محمد الهمذاني‏:‏ من النوبندجان إلى ارجان ستة وعشرون فرسخاً بينهما شعب بوان‏.‏
ومن حسنها أن جميع أشجار الفواكه نابتة على الصخر وقد أجاد المتنبي في وصفه حين ذهب إلى عضد الدولة فقال‏:‏ مغاني الشّعب طيباً في المغاني بمنزلة الرّبيع من الزّمان‏!‏ ولكنّ الفتى العربيّ فيها غريب الوجه واليد واللسان ملاعب جنّةٍ لو سار فيها سليمانٌ لسار بترجمان طبت فرساننا والخيل حتى خشيت وإن كرمن من الحران فسرت وقد حجبن الحرّ عني وجئن من الضّياء بما كفاني وألقى الشّرق منها في ثيابي دنانيراً تفرّ من البنان لها ثمرٌ يسير إليك منه بأشربةٍ وقفن بلا أوان وأمواهٌ يصل بها حصاها صليل الحلي في أيدي الغواني منازل لم يزل منها خيالٌ يشيّعني إلى النّوبندجان إذا غنّى الحمام الورق فيها أجابته أغانيّ القيان وما بالشّعب أحوج من حمامٍ إذا غنّى وناح إلى البيان وقد يتقارب الوصفان جدّاً وموصوفاهما متباعدان يقول بشعب بوّانٍ حصاني أعن هذا يسار إلى الطّعان أبوكم آدمٌ سنّ المعاصي وعلمّكم مفارقة الجنان شيراز مدينة صحيحة الهواء عذبة الماء كثيرة الخيرات وافرة الغلات قصبة بلاد فارس‏.‏
سميت بشيراز بن طهمورث وأحكم بناءها سلطان الدولة كاليجار بن بويه‏.‏
زعموا أن من أقام من عجائبها شجرة تفاح نصف تفاحها في غاية الحلاوة ونصفها حامض في غاية الحموضة‏.‏
وبها القشمش منها يحمل إلى سائر البلاد وبها أنواع الادهان الريحانية‏:‏ كدهن الورد والبنفسج والنيلوفر والياسمين وأنواع الأشربة الريحانية كان في قديم الزمان يتخذ بها الأكاسرة‏.‏
ولأهلها يد باسطة في صنعة ثياب الحرير والوقايات الرقاع وكذلك في عمل السكاكين والنصول والأقفال الجيدة تحمل منها إلى سائر البلاد وبقربها دشت الأرزن الذي يقول فيه المتنبي‏:‏ سقياً لدشت الأرزن الطوّال‏!‏ به من الصيد ما لا يعد ولا يحصى‏.‏
كان متصيد عضد الدولة‏.‏
ومن خواصه انه ينبت عصياً صلبة الخشب ارزنية لا توجد تلك الخشبة إلا بها وهي مشهورة تسمى خشبة الأرزن‏.‏
ينسب إليها قاضيها أبو العباس أحمد بن سريج أحد المجتهدين على مذهب الإمام الشافعي يقال له البازي الأشهب مصنفاته تزيد على أربعمائة ينصر مذهب الشافعي وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود فقال له أبو بكر‏:‏ بلعني ريقي‏!‏ فقال له‏:‏ ابلعتك دجلة‏!‏ وقال له يوماً آخر‏:‏ امهلني ساعة‏!‏ فقال‏:‏ أمهلتك إلى قيام الساعة‏!‏ وقال له يوماً‏:‏ أكلمك من الرجل وتجيبني من الرأس‏!‏ فقال‏:‏ هكذا البقر إذا حفيت أظلافها دهن قرنها‏!‏ وذكر الوليد بن حسان قال‏:‏ كنا في مجلس القاضي أبي العباس أحمد بن سريج فقام إليه رجل من أهل العلم وقال‏:‏ ابشر أيها القاضي‏!‏ فإن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة من يجدد دينه وان الله قد بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز وعلى رأس المائتين محمد بن إدريس الشافعي وبعثت على رأس الثلاثمائة وأنشأ يقول‏:‏ اثنان قد مضيا فبورك فيهما‏:‏ عمر الخليفة ثمّ نجل السؤدد والشّافعيّ الألمعيّ محمّدٌ إرث النّبوّة وابن عمّ محمّد ابشر أبا العبّاس‏!‏ إنّك ثالثٌ من بعدهم سقياً لتربة أحمد وحكي أن أبا العباس أحمد بن سريج رأى في مرض موته كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول‏:‏ أين العلماء فجاؤوا بهم‏.‏
فقال‏:‏ ماذا عملتم بما علمتم فقالوا‏:‏ يا رب قصرنا وأسألنا‏!‏ فأعاد السؤال مرة أخرى كأنه أراد جواباً آخر فقلت‏:‏ يا رب أما أنا فليس صحيفتي الشرك وقد وعدت أن تغفر ما دونها‏!‏ فقال‏:‏ اذهبوا فقد غفرت لكم‏!‏ وفارق الدنيا بعد ذلك بثلاثة أيام‏.‏
وينسب إليها أبو نصر بن أبي عبد الله الخياط كان فقيهاً أصولياً أديباً مناظراً أخذ العلم من أبيه وله مصنفات كثيرة وأخذ الفقيه منه أهل شيراز وهو الذي يقول في كتاب المزني‏:‏ فدم عليه وجانب من يجانبه فالعلم أنفس شيءٍ أنت حامله وحكي أنه أو اباه استدل يوماً في مسألة فأعجب الحاضرين كلامه فقالوا للقاضي أبي سعيد بشر بن الحسين الداودي قاضي القضاة بفارس والعراق وجميع أعمال عضد الدولة‏:‏ هذا الكلام لا يجاب عنه حتى يلج الجمل في سم الخياط فقال القاضي‏:‏ وحتّى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في القتلى كليبٌ لوائل وينسب إليها أبو عبد الله محمد بن خفيف شيخ وقته وأوحد زمانه قال‏:‏ دخلت بغداد وفي رأسي نخوة الصوفية ما أكلت أربعين يوماً ولا دخلت على الجنيد‏!‏ وكنت على عزم الحج فلما وصلت إلى زبالة رأيت ظبية تشرب من بئر وكنت عطشان فمشيت إليها فولت الظبية ورأيت الماء في أسفل البئر فقلت‏:‏ يا رب ما لي محل هذه الظبية فنوديت من خلفي‏:‏ جربناك ما تصبر ارجع خذ الماء‏!‏ فلما رجعت رأيت البئر ملآنة فأخذت منه وشربت وتوضأت فسمعت هاتفاً يقول‏:‏ إن الظبية جاءت بلا دلو ولا حبل وأنت جئت بالدلو والحبل‏!‏ فلما رجعت إلى بغداد قال لي الجنيد‏:‏ لو صبرت لنبع الماء من تحت رجليك‏.‏
الصعيد
ناحية بمصر في جنوبي الفسطاط‏.‏
يكتنفها جبلان والنيل يجري بينهما‏.‏
والمدن والقرى شارعة على النيل من جانبيه والجنان عليه مشرفة والرياض بجوانبه محدقة أشبه بشيء بما بين واسط والبصرة من أرض العراق‏.‏
وبالصعيد آثار قديمة‏:‏ منها أن في جبالها مغاور مملوءة من الموتى الناس والطيور والسنانير والكلاب جميعهم مكفنون بأكفان غليظة من الكتان شبيهة بالاعدال التي يجلب منها القماش من مصر والكفن على هيئة قماط المولود ملفوف على الميت وعليه أدوية لا تبلى فإذا حللت الكفن عن الحيوان تجده لم يتغير منه شيء قال الهروي‏:‏ رأيت جويرية أخذوا كفنها وفي يدها ورجلها أثر خضاب الحناء‏.‏
وبلغني أن أهل الصعيد إذا حفروا الآبار فربما وجدوا قبوراً منقورة في الحجارة كالحوض مغطاة بحجر آخر فإذا كشف عنه يضربه الهواء فيتبدد بعد ان كان قطعة واحدة ويزعمون ان المومياء المصري يوجد من رؤوس هؤلاء الموتى وهو أجود من المعدني الفارسي وبها حجارة كأنها الدنانير المضروبة كأنها رباعيات عليها كالسكة وهي كبيرة جداً يزعمون أنها دنانير فرعون وقومه التي مسخها الله تعالى بدعاء موسى عليه السلام‏:‏ ربنا اطمس على أموالهم‏.‏قرية من حوف مصر قرب بلبيس قال الهروي‏:‏ بها بيعت بقرة بني إسرائيل التي أمر الله تعالى بذبحها لظهور القاتل‏.‏
وفيها قبة موجودة إلى الآن تعرف بقبة البقرة يزورها الناس‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:48 am



صفين
قرية قديمة البوار من بناء الروم بقرب الرقة على شاطيء الفرات من الجانب الغربي وما يليها غيضة ملتفة ذات بزور طولها نحو فرسخين وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الماء إلا طريق واحد مفروش بالحجارة وسائر ذلك عزب وخلاف ملتفة‏.‏
ولما سمع معاوية أن علياً عبر الفرات بعث إلى ذلك الطريق أبا الأعور في عشرة آلاف ليمنع أصحاب علي من الماء فبعث علي صعصعة بن صوحان فقال‏:‏ إنا سرنا إليكم لنعذر إليكم قبل القتال فإن أتيتم كانت العاقبة أحب إلينا‏!‏ وأراك قد حلت بيننا وبين الماء فإن كان أعجب إليك أن ندع ما جئنا له تقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا‏.‏
فقال معاوية لصعصعة‏:‏ ستأتيكم رايتي‏.‏
فرجع إلى علي وأخبره بذلك فغم علي غماً شديداً لما أصاب الناس في يومهم وليلتهم من العطش‏.‏
فلما أصبحوا ذهب الأشعث بن قيس والأشتر بن الأشجع ونحيا أبا الأعور عن الشريعة حتى صارت في أيديهم فأمر علي أن لا يمنع أحد من أهل الشام عن الماء فكانوا يسقون منه ويختلط بعضهم ببعض وكان ذلك سنة سبع وثلاثين غرة صفر‏.‏
وكان علي في مائة وعشرين ألفاً ومعاوية في تسعين ألفاً‏.‏
وقتل من الجانبين سبعون ألفاً‏:‏ من أصحاب علي خمسة وعشرون ألفاً ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفاً‏.‏
وفي قوم علي قتل خمسة وعشرون صحابياً بدرياً منهم عمار بن ياسر‏.‏
وكانت مدة المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام وكانت الوقائع تسعين وقعة وكانت الصحابة متوقفين في هذا الأمر لأنهم كانوا يرون علياً وعلو شأنه ويرون قميص عثمان على الرمح ومعاوية يقول‏:‏ أريد دم ابن عمي‏!‏ إلى أن قتل عمار بن ياسر والصحابة سمعوا أن النبي قال له‏:‏ تقتلك الفئة الباغية‏!‏ فعند ذلك ظهر للناس بغي معاوية فبذل قوم علي جهدهم في القتال حتى ضيقوا على قوم معاوية فعند ذلك رفعوا المصاحف وقالوا‏:‏ رضينا بكتاب الله‏!‏ فامتنع قوم علي عن القتال‏.‏
فقال علي‏:‏ كلمة حق أريد به باطل‏!‏ فما وافقوا فقال علي عند ذلك‏:‏ لا رأي لغير مطاع‏!‏ فآل الأمر إلى الحكمين والقصة مشهورة‏.‏
صقلية
جزيرة عظيمة من جزائر أهل المغرب مقابلة لافريقية‏.‏
وهي مثلثة الشكل بين كل زاوية والأخرى مسيرة سبعة أيام‏.‏
وهي حصينة كثيرة البلدان والقرى كثيرة المواشي جداً من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والحيوانات الوحشية‏.‏
ومن فضلها أن ليس بها عاد بناب أو برثن أو إبرة وبها معدن الذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد وكذلك معدن الشب والكحل والزاج ومعدن النوشاذر ومعدن الزئبق‏.‏
وبها المياه والأشجار والمزارع وأنواع الفواكه على اختلاف أنواعها لا تنقطع شتاء ولا صيفاً‏.‏
وأرضها تنبت الزعفران‏.‏
وكانت قليلة العمارة خاملة الذكر إلى أن فتح المسلمون بلاد افريقية فهرب أهل افريقية إليها وعمروها حتى فتحت في أيام بني الأغلب في ولاية المأمون فبقيت في يد المسلمين مدة ثم ظهر عليها الكفار وهي الآن في أيديهم‏.‏
وبهذه الجزيرة جبال شامخة وعيون غزيرة وأنهار جارية ونزهة عجيبة وقال ابن حمديس وهو يشتاق إليها‏:‏ ذكرت صقلّيّة والهوى يهيّج للنّفس تذكارها فإن كنت أخرجت من جنةٍ فإني أحدّث أخبارها ذكر أن دورها مسيرة ستة عشر يوماً وقطرها مسيرة خمسة أيام وهي مملوءة من الخيرات والمياه والأشجار والمزارع والفواكه‏.‏
بها جبل يقال له قصر يانه وهو من عجائب الدنيا‏.‏
على هذا الجبل مدينة عظيمة شامخة وحولها مزارع وبساتين كثيرة وهي شاهقة في الهواء وكل ذلك يحويه باب المدينة لا طريق إليها إلا بذلك الباب والأنهار تنفجر من أعلاها‏.‏
وبها جبل النار ذكر أبو علي الحسن بن يحيى أنه جبل مطل على البحر دورته ثلاثة أيام بقرب طبرمين فيه أشجار كثيرة وأكثرها البندق والصنوبر والارزن وفيه أصناف الثمار وفي أعلاه منافس النار يخرج منه النار والدخان وربما سالت النار منه إلى جهة تحرق كل ما مرت به وتجعل الأرض مثل خبث الحديد لا تنبت شيئاً ولا تمر الدابة بها ويسميه الناس الاخباث‏.‏
وفي أعلى هذا الجبل السحاب والثلوج والأمطار دائمة لا تكاد تقلع عنه في صيف ولا شتاء والثلج لا يفارق أعلاه في الصيف‏.‏
وأما في الشتاء فيعم الثلج أوله وآخره‏.‏
وزعمت الروم أن كثيراً من الحكماء يرحلون إلى جزيرة صقلية للنظر إلى عجائب هذا الجبل واجتماع النار والثلج فيه فترى بالليل نار عظيمة تشعل على قلته وبالنهار دخان عظيم لا يستطيع أحد الدنو إليها فإن اقتبس منها طفئت إذا فارقت موضعها‏.‏
وبها البركان العظيم قال أحمد بن عمر العذري‏:‏ ليس في الدنيا بركان أشنع منه منظراً ولا أعجب مخبراً‏!‏ فإذا هبت الريح سمع له دوي عظيم كالرعد القاصف ويقطع من هذا وقال أيضاً‏:‏ بها آبار ثلاث يخرج منها من أول الربيع إلى آخره زيت النفط فينزل في هذه الآبار على درج ويتقنع النازل ويسد منخره فإن تنفس في أسفلها هلك من ساعته يغترف ماءها ويجعله في اجانات فما كان نفطاً علا فيجمع ويجعل في القوارير‏.‏
صور مدينة مشهورة على طرف بحر الشام استدار حائطها على مبناها استدارة عجيبة بها قنطرة من عجائب الدنيا وهي من أحد الطرفين إلى الآخر على قوس واحد‏.‏
ليس في جميع البلاد قنطرة أعظم منها‏.‏
ومثلها قنطرة طليطلة بالأندلس إلا أنها دون قنطرة صور في العظم ينسب إليها الدنانير الصورية التي يتعامل عليها أهل الشام والعراق‏.‏
طبرستان
ناحية بين العراق وخراسان بقرب بحر الخزر ذات مدن وقرى كثيرة‏.‏
من مفاخرها القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري أستاذ الشيخ أبي إسحق الشيرازي‏.‏
والقاضي أبو الطيب عاش مائة سنة ولم يختل منه عقله ولا فهمه وكان يفتي إلى آخر عمره ويقضي بين الناس ويناظر الفقهاء‏.‏
وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصول منها تعليقة الطبري مائة مجلد ثم كتاب في مذهب الشافعي قال الشيخ أبو إسحق الشيرازي صاحب المهذب‏:‏ لازمت حلقة درسه بضع عشرة سنة رتبني في حلقته وسألني أن أجلس في مجلس التدريس ففعلت ذلك‏.‏
وانه ولي القضاء بكرخ وكان رأى النبي عليه السلام في المنام فقال له‏:‏ يا فقيه‏!‏ ففرح بذلك فرحاً شديداً‏.‏
يقول‏:‏ سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيهاً‏.‏
مات سنة خمس وأربعمائة ببغداد عن مائة سنة وسنتين وصلى عليه الخليفة أبو الحسن المهتدي‏.‏
طبرية
مدينة بقرب دمشق بينهما ثلاثة أيام مطلة على بحيرة معروفة ببحيرة طبرية وجبل الطور مطل عليها‏.‏
وهي مستطيلة على البحر نحو فرسخ‏.‏
بناها ملك من ملوك الروم اسمه طبارى‏.‏
بها عيون جارية حارة بنيت عليها حمامات لا تحتاج إلى الوقود وهي ثمانية حمامات قال أبو بكر بن علي الهروي‏:‏ أما حمامات طبرية التي قالوا إنها من عجائب الدنيا فليست التي على باب طبرية إلى جانب بحيرتها فإن مثل هذه كثيرة والتي هي من عجائب الدنيا في موضع من أعمال طبرية يقال له الحسنية وهي عمارة قديمة يقال انها من بناء سليمان بن داود عليه السلام‏.‏
وهو هيكل يخرج الماء من صدره وقد كان يخرج من اثنتي عشرة عيناً كل عين مخصوصة بمرض إذا اغتسل فيها صاحب هذا المرض عوفي بإذن الله تعالى والماء شديد الحرارة جداً عذب صاف طيب الرائحة يقصده المرضى يستشفون به‏.‏
وبينها وبين بيسان حمة سليمان عليه السلام يزعمون أنها نافعة لكل داء‏.‏
وبها بحيرة عشرة أميال في ستة أميال غؤورها علامة خروج الدجال‏.‏
وهي كبركة أحاطت بها الجبال ينصب إليها فضلات أنهار تأتي من حمة بانياس‏.‏
وبها معدن المرجان‏.‏
وحولها قرى كثيرة كبيرة وتخيل في وسط هذه البحيرة صخرة منقورة طبقت بصخرة أخرى تظهر للناظرين من بعيد يزعم أهل النواحي انها قبر سليمان عليه السلام‏.‏
وبطبرية قبر لقمان الحكيم عليه السلام من زاره أربعين يوماً يظهر منه الحكمة‏.‏
وبها عقارب قتالة كعقارب الاهواز‏.‏
وقال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بطبرية نهر عظيم والماء الذي يجري فيه نصفه حار ونصفه بارد ولا يمتزج أحدهما بالآخر‏.‏
فإذا أخذ من النهر في إناء يبقى خارج النهر بارداً‏.‏
وبأرض طبرية موضع به سبع عيون ينبع الماء منه سبع سنين متواليات وييبس سبع سنين متواليات ينسب إليها سليمان بن أحمد بن يوسف الطبراني أحد الأئمة المعروفين والحفاظ المكثرين والمشايخ المعمرين من تصانيفه المعجم الكبير في أسماء الصحابة لم ينصف مثله‏.‏
ذكر أبو الحسن أحمد بن فارس صاحب المجمل قال‏:‏ سمعت الأستاذ ابن العميد وزير آل بويه يقول‏:‏ كنت أظن لا حلاوة في الدنيا فوق الرئاسة حتى شاهدت مذاكرة سليمان الطبراني وأبي بكر الجعابي فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه والجعابي يغلب الطبراني بزيادة فطنته حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد يغلب أحدهما الآخر إلى أن قال الجعابي‏:‏ عندي حديث ليس عند أحد‏!‏ فقال الطبراني‏:‏ هاته‏!‏ فقال‏:‏ حدثني أبو خليفة قال‏:‏ حدثنا سليمان بن أيوب‏.‏
وذكر الحديث فقال الطبراني‏:‏ أنا سليمان بن أيوب ومني سمع أبو خليفة فاسمعه مني حتى يعلو اسنادك‏!‏ فخجل الجعابي قال ابن العميد‏:‏ فوددت أن الوزارة للطبراني وانا الطبراني وفرحت له كما فرح هو‏.‏
قيل‏:‏ ان الطبراني ورد أصفهان وأقام بها سبعين سنة وتوفي سنة ستين ومائتين عن مائة سنة‏.‏
طرسوس مدينة بين انطاكية وحلب‏.‏
مدينة جليلة سميت بطرسوس بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح قال محمد بن أحمد الهمذاني‏:‏ لم تزل طرسوس موطن الزهاد والصالحين لأنها كانت بين ثغور المسلمين إلى أن قصدها فغفور ملك الروم سنة أربع وخمسين وثلاثمائة في عسكر عظيم وكان فيها رجل من قبل سيف الدولة يقال له ابن الزيات عجز عن مقاومة الروم سلم إليهم على الأمان على شرط أن من خرج منها متاعه لم يتعرض ومن أراد المقام مع اداء الجزية فعل‏.‏
فلما دخل الكفار المدينة خربوا مساجدها وأخذوا من السلاح والأموال ما كان جمع فيها من أيام بني أمية وأخذ كل واحد من النصارى دار رجل من المسلمين ولم يطلق لصاحبها إلا حمل الخف واحتوى على جميع ما فيها وتقاعد بالمسلمين أمهات أولادهم‏.‏
فمنهن من منعت الرجل ولده واتصلت بأهلها فيأتي الرجل إلى معسكر الروم ويودع ولده باكياً ولم تزل طرسوس في أيديهم إلى هذه الغاية‏.‏
بها موضع زعموا أنه من حمى الجن نزل به المأمون لما غزا الروم‏.‏
وكان هناك عين ماؤها في غاية الصفاء وكان المأمون جالساً على طرفها فرأى في الماء سمكة مقدار ذراع فأمر بإخراجها فأخرجوها فإذا هي سمكة في غاية الحسن بيضاء مثل الفضة فوثبت وعادت إلى الماء فوقعت رشاشات الماء على ثياب المأمون فغضب وأمر بإخراجها مرة أخرى فأخرجوها والمأمون ينظر إليها ويقول‏:‏ الساعة نشويك‏!‏ ثم أمر بشيها فأتى المأمون على المكان قشعريرة فأتى صاحب طبخه بالمكة مشوية وهو لم يقدر على تناول شيء منها واشتد الأمر به حتى مات‏.‏
قال الشاعر‏:‏ هل رأيت النّجوم أغنت عن المأ مون في عزّ ملكه المأسوس غادروه بعرصتي طرسوس مثل ماغادروا أباه بطوس العباسة بليدة بأرض مصر في غاية الحسن والطيب سميت بعباسة بنت أحمد بن طولون كان خمارويه زوج ابنته من المعتضد بالله وانه خرج بها من مصر إلى العراق فعملت عباسة في هذا الموضع قصراً وبرزت إليه لوداع بنت أخيها قطر الندى ثم زيدت في عمارته حتى صارت بليدة طيبة كثيرة المياه والأشجار من متنزهات مصر‏.‏
وبها مستنقع يأوي إليه من الطير ما لم ير في شيء من المواضع غيرها والصيد بها كثير جداً‏.‏
وكان الملك الكامل يكثر الخروج إليها للتنزه والصيد‏.‏
العريش مدينة جليلة من أعمال مصر‏.‏
هواؤها صحيح طيب وماؤها عذب حلو‏.‏قيل‏:‏ ان اخوة يوسف عليه السلام لما قصدوا مصر في القحط لامتيار الطعام فلما وصلوا إلى موضع العريش وكان ليوسف عليه السلام حراس على أطراف البلاد من جميع نواحيها فسكنوا هناك وكتب صاحب الحرس إلى يوسف‏:‏ ان أولاد يعقوب الكنعاني قد وردوا يريدون البلد للقحط الذي أصابهم فإلى أن أذن لهم عملوا عريشاً يستظلون به فسمي الموضع العريش‏.‏
فكتب يوسف عليه السلام يأذن لهم فدخلوا مصر وكان من قصتهم ما ذكره الله تعالى‏.‏
وبها من الطير الجوارح والمأكول والصيد شيء كثير والرمان العريشي يحمل إلى سائر البلدان لحسنه وبها أصناف كثيرة من التمر‏.‏
وغدر دهقانها يضرب به المثل‏.‏
يقال‏:‏ أغدر من دهقان العريش‏!‏ وذاك أن علياً لما سمع أن معاوية بعث سراياه إلى مصر وقتل بها محمد بن أب بكر ولى الأشتر النخعي مصر وأنفذه إليها في جيش كثيف فبلغ معاوية ذلك فدس إلى دهقان كان بالعريش وقال‏:‏ احتل بالسم في الأشتر فإني أترك خراجك عشرين سنة‏!‏ فلما نزل الأشتر العريش سأل الدهقان‏:‏ أي طعام أعجب إليه قالوا‏:‏ العسل‏!‏ فأهدى إليه عسلاً وكان الأشتر صائماً فتناول منه شربة فما استقر في جوفه حتى تلف فأتى من كان معه على الدهقان وأصحابه وأفنوهم‏.‏بليدة بقرب حلب لها قهندز ورستاق وهي طيبة الهواء عذبة الماء صحيحة التربة‏.‏
من عجائبها أنه لا يوجد بها عقرب أصلاً وترابها إذا ذر على العقرب ماتت وليس بها شيء من الهوام أصلاً‏.‏
عسقلان مدينة على ساحل بحر الشام من أعمال فلسطين كان يقال لها عروس الشام لحسنها‏.‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أبشركم بالعروسين غزة وعسقلان‏!‏ افتتحت في أيام عمر بن الخطاب على يد معاوية بن أبي سفيان ولم تزل في يد المسلمين إلى أن استولى الفرنج عليها سنة ثمان وأربعين وخمسمائة‏.‏
حكى بعض التجار أن الفرنج اتخذوا مركباً علوه قدر سور عسقلان وشحنوه رجالاً وسلاحاً واجروه حتى لصق بسور عسقلان ووثبوا منه على السور وملكوها قهراً وبقيت في يدهم خمساً وثلاثين سنة إلى أن استنقذها صلاح الدين يوسف بن أيوب ثم عاد الفرنج وفتحوا عكة وساروا نحو عسقلان فخشي أن يتم عليها ما تم على عكة فخربها في سنة سبع وثمانين وخمسمائة‏.‏بها مشهد رأس الحسين عليه السلام وهو مشهد عظيم مبني بأعمدة الرخام‏.‏
وفيه ضريح الرأس والناس يتبركون به وهو مقصود من جميع النواحي وله نذر كثير‏.‏
عسكر مكرم مدينة مشهورة بأرض الاهواز بناها مكرم بن معاوية بن الحرث بن تميم وكانت قرية قديمة بعث الحجاج مكرم بن معاوية لقتال خورزاد لما عصى وتحصن بقلعة هناك فنزل مكرم هناك وطال حصاره فلم يزل يزيد بناء حتى صارت مدينة‏.‏
بها عقارب جرارات عظيمة يعالج بلذعها المفلوجون حكى الفقيه عبد الوهاب بن محمد العسكري أن مفلوجاً من أصفهان حمل إلى عسكر مكرم ليعالج بلذع العقارب فطرح على باب خان من الجانب الشرقي وقد فزعت وهجرت لكثرة ما بها من الجرارات فرأيت العليل طريحاً بها لا يمكنه أن ينقلب من جنب إلى جنب ولا أن يتكلم فبات بها ليلة فلما كان من الغد وجدوه جالساً يتكلم فصيحاً وقام ومشى‏.‏
فقال له الطبيب‏:‏ انتقل الآن من هذا المكان فإنه لذعتك واحدة ابرأتك وقام بحرارتها برد الفالج فإن لذعتك أخرى تقتلك‏!‏ فانتقل من هذا الموضع وصلح حاله‏.‏مدينة على ساحل بحر الشام من عمل الأردن من أحسن بلاد الساحل في أيامنا وأعمرها وفي الحديث‏:‏ طوبى لمن أرى عكة‏!‏ قال البشاري‏:‏ عكة مدينة حصينة على البحر كبيرة لم تكن على هذه الحصانة حتى قدمها ابن طولون وقد رأى مدينة صور واستدارة الحائط على مبناها فأحب أن يتخذ لعكة مثل ذلك فجمع صناع البلاد فقالوا‏:‏ لا نهتدي إلى البناء في الماء حتى ذكر عنده جدي أبو بكر البناء فأحضره وعرض عليه فاستهان ذلك وأمر بإحضار فلق من خشب الجميز غليظة نصبها على وجه الماء بقدر الحصن البري وبنى عليها الحجارة والشيد وجعل كلما بنى عليها خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتد البناء والفلق كلما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنها استقرت على الرمل تركها حولاً حتى أخذت قرارها ثم عاد فبنى عليها وكلما بلغ البناء إلى الحائط الذي قبله داخله فيه‏.‏
وقد ترك لها باباً وجعل عليه قنطرة‏.‏
فالمراكب في كل ليلة تدخل الميناء وتجر سلسلة بينها وبين البحر الأعظم مثل مدينة صور فدفع ابن طولون إليه ألف دينار سوى الخلع والمراكب واسمه مكتوب على السور‏.‏
ولم تزل في أيدي المسلمين حتى أخذها الفرنج في سنة سبع وتسعين وأربعمائة وكان عليها زهر الدولة الجيوشي من قبل المصريين فقاتل أهل عكة حتى عجزوا‏.‏
فأخذها الفرنج قهراً وقتلوا وسلبوا ولم تزل في أيديهم إلى زمن صلاح الدين فافتتحها سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وشحنها بالسلاح والرجال والميرة فعاد الفرنج ونزلوا عليها فأتاهم صلاح الدين وأزاحهم عنها وقاتل الفرنج أشد القتال وقتل خلق كثير حول عكة وثارت روائح الجيف وتأذى المسلمون منها وظهرت فيهم الأمراض ومرض صلاح الدين أيضاً فأمر الأطباء بمفارقة ذلك الموضع ففارقه فجاء الفرنج وتمكنوا من حوالي عكة وخندقوا دونهم فكان الفرنج محيطين بالمدينة والخندق محيطاً بالفرنج فعاودهم صلاح الدين وأقام حذاءهم ثلاث سنين حتى استعادها الفرنج سنة سبع وثمانين وخمسمائة وقتلوا فيها المسلمين وهي في أيديهم إلى الآن‏.‏
بها عين البقر وهي بقرب عكة يزورها المسلمون واليهود والنصارى يقولون‏:‏ إن البقر الذي ظهر لآدم عليه السلام فحرث عليه خرج منها وعلى العين مشهد منسوب إلى علي بن أبي طالب‏.‏
عين جارة
ضيعة من أعمال حلب قال أبو علي التنوخي‏:‏ إن بين عين جارة وبين الكوبة وهي قرية أخرى حجراً قائماً فربما وقع بين الضيعتين شر فيكيد أهل الكوبة بأن يلقوا ذلك الحجر القائم فكلما وقع الحجر خرج نساء عين جارة ظاهرات متبرجات لا يعقلن بأنفسهن في طلب الرجال ولا يستحين من غلبة الشهوة إلى أن يتبادر رجال عين جارة إلى الحجر يعيدونه إلى حاله فعند وهذه الضيع أقطعها سيف الدولة أحمد بن نصر البار وكان أحمد يتحدث بذلك وكتب أيضاً بخطه‏.‏
عين الشمس
مدينة كانت بمصر محل سرير فرعون موسى بالجانب الغربي من النيل والآن انطمست عمارات فرعون بالرمل وهي بقرب الفسطاط‏.‏
قالوا‏:‏ بها قدت زليخا على يوسف القميص‏.‏
من عجائبها ما ذكر الحسن بن إبراهيم المصري أن بها عمودين مبنيين على وجه الأرض من غير أساس طول كل واحد منهما خمسون ذراعاً فيهما صورة إنسان على دابة وعلى رأسها شبه الصومعتين من نحاس فإذا جرى النيل رشحتا والماء يقطر منهما ولا تجاوزهما المشمس في الانتهاء فإذا نزلت أول دقيقة من الجدي وهو أقصر يوم في السنة انتهت إلى العمود الجنوبي وقطعت على قبة رأسه فإذا نزلت أول دقيقة من السرطان وهو أطول يوم في السنة انتهت إلى العمود الشمالي وقطعت على قبة رأسه ثم تطرد بينهما ذاهبة وجائية سائر السنة ويترشح منهما ماء وينزل إلى أسفلهما فينبت العوسج وغيره من الشجر‏.‏
ومن عجائب عين شمس أن يحمل منذ أول الإسلام حجارتها إلى غيرها من البلاد وما وبها زرع البلسان وليس في جميع الدنيا شجرته ويستخرجه منها دهنه‏.‏
قال أبو حامد الاندلسي‏:‏ بعين شمس تماثيل عملتها الجن لسليمان عليه السلام‏.‏
بها منارة من صخرة واحدة من رخام أحمر منقط بسواد ومربعه أكثر من مائة ذراع على رأسها غشاء من النحاس والوجه الذي إلى مطلع الشمس من ذلك الغشاء فيه صورة آدمي على سرير وعلى يمينه وشماله صورتان كأنهما خادمان ويترشح من تحت ذلك الغشاء أبداً ماء على تلك المنارة‏.‏
ينبت الطحلب الأخضر على موضع مسيله من تلك المنارة وينزل مقدار عشرة أذرع ولا يتعدى ذلك القدر ولا ينقطع نهاراً ولا ليلاً‏.‏
قال‏:‏ وكنت أرى لمعان الماء على تلك الصخرة وأتعجب من ذلك فإنه ليس بقرب تلك المدينة نهر ولا عين وإنما كان شربهم من الآبار والله أعلم بالأمور الخفية الغريان بناءان كالصومعتين كانا بأرض مصر بناهما بعض الفراعنة وأمر كل من يمر بهما أن يصلي لهما ومن لم يصل قتل‏.‏
إلا أنه تقضى له حاجتان إلا النجاة والملك ويعطى ما تمنى في الحال ثم يقتل ‏!‏ فأتى على ذلك برهة فأقبل قصار من افريقية معه حمار له وكدين فمر بهما ولم يصل فأخذه الحرس وجروه إلى الملك فقال له الملك‏:‏ ما منعك أن تصلي فقال‏:‏ أيها الملك اني رجل غريب من افريقية أحببت أن أكون في ظلك وأصيب في كنفك خيراً ولو عرفت لصليت لهما ألف ركعة‏!‏ فقال له‏:‏ تمن كل ما شئت غير النجاة من القتل والملك‏!‏ فأقبل القصار وأدبر وتضرع وخضع فما أفاده شيئاً فلما أيس من الخلاص قال‏:‏ أريد عشرة آلاف دينار وبريداً أميناً‏!‏ فأحضر فقال للبريد‏:‏ أريد أن تحمل هذا إلى افريقية وتسأل عن بيت فلان القصار وتسلمه إلى أهله‏!‏ قال له‏:‏ تمن الثانية‏!‏ قال‏:‏ اضرب كل واحد منكم بهذا الكدين ثلاث ضربات إحداها شديدة والثانية وسطاً والثالثة دون ذلك‏!‏ فمكث الملك طويلاً ثم قال لجلسائه‏:‏ ما ترون قالوا‏:‏ نرى أن لا تقطع سنة آبائك‏!‏ قالوا‏:‏ بمن تبدأ قال‏:‏ بالملك‏!‏ فنزل الملك عن السرير ورفع القصار الكدين وضرب به قفاه فأكبه على وجهه وغشي على الملك ثم رجع نفسه إليه وقال‏:‏ ليت شعري أي الضربات هذه والله إن كانت هينة وجاءت الوسطى لأموتن دون الشديدة‏!‏ ثم نظر إلى الحرس وقال‏:‏ يا أولاد الزنا كيف تزعمون انه لم يصل واني رأيته صلى خلوا سبيله واهدموا الغريين‏.‏
وبنى مثلهما المنذر بن امريء القيس بن ماء السماء بالكوفة وسيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏مدينة طيبة بين الشام ومصر على طرف رمال مصر قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أبشركم بالعروسين غزة وعسقلان‏.‏
فتحها معاوية بن أبي سفيان في أيام عمر بن الخطاب‏.‏
وكفاها معجزاً انها مولد الإمام محمد بن إدريس الشافعي‏.‏
ولد بها سنة خمسين ومائة‏.‏
انه كان يجعل الليل اثلاثاً‏:‏ ثلثاً لتحصيل العلم وثلثاً للعبادة وثلثاً للنوم‏.‏
وقال الربيع‏:‏ كان يختم في رمضان ستين ختمة كل ذلك في الصلاة‏.‏
وحكي أن عامل اليمن كتب إلى الرشيد‏:‏ إن ههنا شاباً قرشياً يميل إلى العلوية ويتعصب فكتب الرشيد إليه‏:‏ ابعثه إلي تحت الاستظهار‏.‏
فحمل إلى الرشيد‏.‏
حدث الفضل بن الربيع وقال‏:‏ أمرني الرشيد بإحضار الشافعي وكان غضبان عليه فأحضرته فدخل عليه وهو يقرأ شيئاً‏.‏
فلما رآه أكرمه وأمر له بعشرة آلاف درهم فدخل خائفاً وخرج آمناً‏.‏
فقلت‏:‏ يا أبا عبد الله أخبرني بم كنت تقرأ عند دخولك فقال‏:‏ إنها كلمات حدثني بها أنس بن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قرأها يوم الأحزاب فقلت‏:‏ اذكرها لي‏.‏
فقال‏:‏ اللهم اني أعوذ بنور قدسك وعظمة طهارتك وبركة جلالك من كل آفة وعاهة وطارق الجن والانس إلا طارقاً يطرق بخير‏!‏ اللهم أنت عياذي فبك أعوذ وأنت ملاذي فبك ألوذ‏!‏ يا من ذلت له رقاب الجبابرة وخضعت له مقاليد الفراعنة أعوذ بجلال وجهك وكرم جلالك من خزيك وكشف سترك ونسيان ذكرك والاضراب عن شكرك‏!‏ إلهي أنا في كنفك في ليلي ونهاري ونومي وقراري وظعني وأسفاري ذكرك شعاري وثناؤك دثاري‏!‏ لا إله إلا أنت تنزيهاً لأسمائك وتكريماً لسبحات وجهك الكريم‏!‏ أجرنا يا ربنا من خزيك ومن شر عقابك واضرب علينا سرادقات فضلك وقناسيات عذابك واعنا بخير منك وأدخلنا في حفظ عنايتك يا أرحم الراحمين‏!‏ وقد جربت هذه الكلمات لا يقولها خائف إلا آمنه الله تعالى وكان الرشيد يقربه ويكرمه لما عرف فضله وغزارة علمه‏.‏
وكان القاضي أبو يوسف ومحمد بن حسن رتبا عشرين مسألة وبعثاها على يد حدث من أصحابهما فقال الشافعي له‏:‏ من حملك على هذا فقال‏:‏ من أراد حكمها‏.‏
فقال‏:‏ متعنت أو متعلم فسكت الغلام فقال الشافعي‏:‏ هذا من تعنت أبي يوسف ومحمد‏!‏ ثم نظر فيها وحفظها ورد الدرج إلى الحدث فأخبر الخليفة بذلك فأحضر أبا يوسف ومحمداً وسألهما عن حال الدرج فاعترفا به فأحضر الشافعي وقال‏:‏ بين أحكامها ولك الفضل‏.‏
فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين قل لهما يسألاني عن واحدة واحدة ويسمعان جوابها بتوفيق الله‏.‏
فعجزا عن استحضارها فقال الشافعي‏:‏ أنا أكفيهما‏.‏
سألاني عن رجل ابق له عبد فقال‏:‏ هو حر ان طعمت طعاماً حتى أجده كيف الخلاص من ذلك الجواب‏:‏ يهبه لبعض أولاده ويطعم حتى لا يعتق‏.‏
وسألاني عن رجلين كانا فوق سطح فوقع أحدهما من السطح ومات فحرمت على الآخر امرأته‏.‏
الجواب‏:‏ ان امرأة الحي كانت أمة للميت وكان الزوج بعض ورثته فصارت الأمة ملكاً للزوج بحق الارث فحرمت عليه‏.‏
وسألاني عن رجلين خطبا امرأة في حالة واحدة وانها لم تحل لأحدهما وحلت للآخر‏.‏
الجواب‏:‏ لأحد الرجلين أربع وهي خامسة فلا تحل له والآخر ما كان كذلك فحلت له‏.‏
وسألاني عن رجل ذبح شاة في منزله وخرج لحاجة ورجع قال لأهله‏:‏ كلوا فإنها حرمت علي فقال له أهله‏:‏ ونحن أيضاً قد حرمت علينا‏.‏
الجواب‏:‏ كان الرجل مجوسياً أو وثنياً فذبح شاة وخرج لحاجة وأسلم وأهله أيضاً أسلموا فقال لأهله‏:‏ كلوا فإني أسلمت لا تحل لي ذبيحة المجوس ‏!‏ فقال له أهله‏:‏ نحن أيضاً قد أسلمنا وحرمت علينا أيضاً‏.‏
وسألاني عن امرأة تزوجت في شهر واحد ثلاثة أزواج كل ذلك حلال غير حرام‏.‏
الجواب‏:‏ إن هذه المرأة طلقها زوجها وهي حامل فوضعت‏.‏
انقضت عدتها بالوضع فتزوجت ثم ان هذا الزوج خالعها قبل الدخول فلا عدة عليها فتزوج بها آخر وهكذا ان أردت رابعاً وخامساً وسألاني عن رجل حرمت عليه امرأته سنة من غير حنث أو طلاق أو عدة‏.‏
الجواب‏:‏ هذا الرجل وامرأته كانا محرمين فلم يدركا الحج فلم تزل امرأته تحرم عليه إلى العام القابل فإذا فرغت من الحج في العام المقبل حلت لزوجها‏.‏
وسألا عن امرأتين لقيتا غلامين فقالتا‏:‏ مرحباً بابنينا وابني زوجينا وهما زوجانا‏!‏ الجواب‏:‏ إن للمرأتين ابنين وكل واحدة منهما مزوجة بابن صاحبتها فكان الغلامان ابنيهما وابني زوجيهما وهما زوجاهما‏.‏
وسألا عن رجلين شربا الخمر فوجب الحد على أحدهما دون الآخر‏.‏
الجواب‏:‏ كان أحدهما غير موصوف بأوصاف وجوب الحدث كالعقل والبلوغ‏.‏
وسألا عن مسلمين سجدا لغير الله وهما مطيعان في هذه السجدة‏.‏
الجواب‏:‏ هذه سجدة الملائكة لآدم عليه السلام‏.‏
وسألا عن رجل شرب من كوز بعض الماء وحرم الباقي عليه‏.‏
الجواب‏:‏ انه رعف فوقع في باقيه شيء من الدم فحرم عليه‏.‏
وسألا عن امرأة ادعت البكارة وزوجها يدعي أنه أصابها فكيف السبيل إلى تحقيق هذا الأمر الجواب‏:‏ تؤمر القابلة بأن تحملها بيضة فإن غابت البيضة كذبت المرأة وإن لم تغب صدقت‏.‏وسألا عن رجل سلم إلى زوجته كيساً وقال لها‏:‏ أنت طالق إن فتحته أو فتقته أو خرقته أو حرقته‏!‏ وأنت طالق إن لم تفرغيه‏!‏ الجواب‏:‏ يكون في الكيس سكر أو ملح أو ما شابههما فيوضع في الماء الحار ليذوب ويفرغ الكيس‏.‏
وسألا عن امرأة قبلت غلاماً وقالت‏:‏ فديت من أمه ولدت أمه وأنا امرأة أبيه‏.‏
الجواب‏:‏ انها أمه‏.‏
وسألا عن خمسة نفر زنوا بامرأة‏:‏ فعلى أحدهم القتل وعلى الثاني الرجم وعلى الثالث الحد وعلى الرابع نصف الحد وعلى الخامس لا يجب شيء‏.‏
الجواب‏:‏ الأول مشرك زنا بامرأة مسلمة يجب قتله والثاني محصن فعليه الرجم والثالث بكر فعليه الحد والرابع مملوك عليه نصف الحد والخامس مجنون لا شيء عليه‏.‏
وسألا عن امرأة قهرت مملوكاً على وطئها وهو كاره لوطئها فما يجب عليهما الجواب‏:‏ إن كان المملوك يخشى أن تقتله أو تضربه أو تحبسه فلا شيء عليه وإلا فعليه نصف الحد‏.‏
وأما مولاته إن كانت محصنة فعليها الرجم وإلا فالحد ويباع المملوك عليها‏.‏
وسألا عن رجل يصلي بقوم فسلم عن يمينه طلقت امرأته وعن يساره بطلت صلاته ونظر إلى السماء فوجب عليه ألف درهم‏.‏
الجواب‏:‏ لما سلم عن يمينه رأى رجلاً كان زوج امرأته وكان غائباً فثبت عند القاضي موته فتزوج بامرأته هذا المصلي فرآه وقد قدم من سفره فحرمت عليه زوجته‏.‏
ثم سلم عن شماله فرأى على ثوبه دماً فلزم عليه إعادة الصلاة ونظر إلى السماء فرأى الهلال فحل عليه الدين المؤجل إلى رأس الشهر‏.‏
وسألا عن رجل ضرب رأس رجل بعصاً وادعى المضروب ذهاب إحدى عينيه وتجفيف الخياشيم والخرس من تلك الضربة فيوميء بذلك كله إيماء أو يكتب كتابة‏.‏
الجواب‏:‏ يقام في مقابل الشمس فإن لم يطرق رأسه فهو صادق ويشم الحراق فإن لم ينفعل فهو صادق ويغرز لسانه فإن خرج منه دم فهو صادق‏.‏
وسألا عن إمام يصلي بقوم وكان وراءه أربعة نفر فدخل المسجد رجل فصلى عن يمين الإمام فلما سلم الإمام عن يمينه رآه الرجل الداخل فله قتل الإمام وأخذ امرأته وجلد الجماعة وهدم المسجد‏.‏
الجواب‏:‏ ان الداخل أمير تلك البقعة وسافر وخلف أخاً مقامه في البلد فقتله المصلي وشهد الجماعة أن زوجة الأمير في نكاح القاتل وأخذ دار الأمير غصباً جعلها مسجداً فلما سلم رآه الأمير فعرفه فله قتله وأخذ منكوحته منه وجلد الذين شهدوا زوراً ورد المسجد داراً كما كانت‏.‏
فقال الرشيد‏:‏ لله درك يا ابن ادريس ما أفطنك‏!‏ وأمر له بألف دينار وخلعة فخرج الشافعي من مجلس الخليفة يفرق الدنانير في الطريق قبضة قبضة فلما انتهى إلى منزله لم يبق معه إلا قبضة واحدة أعطاها لغلامه‏.‏
وحكى أبو عبد الله نصر المروزي قال‏:‏ كنت قاعداً في مسجد رسول الله عليه السلام إذ أغفيت إغفاءة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له‏:‏ اكتب يا رسول الله رأي أبي حنيفة قال‏:‏ لا‏!‏ قلت‏:‏ اكتب رأي مالك قال‏:‏ اكتب ما وافق حديثي‏!‏ قلت‏:‏ اكتب رأي الشافعي طأطأ رأسه شبه الغضبان وقال‏:‏ هو رد على من خالف سنتي‏!‏ فخرجت في إثر هذه الرؤيا إلى مصر وكتبت كتب الشافعي‏.‏
وقال الربيع بن سليمان‏:‏ قال لي الشافعي‏:‏ رضى الناس غاية لا تدرك فعليك بما يصلحك فإنه لا سبيل إلى رضاهم‏.‏
واعلم أن من تعلم القرآن جل عند الناس ومن تعلم الحديث قويت حجته ومن تعلم النحو هيب ومن تعلم العربية رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ومن تعلم الفقه نبل قدره ومن لم يصن لم ينفعه علمه وملاك ذلك كله التقوى‏.‏
قال محمد بن المنصور‏:‏ قرأت في كتاب طاهر بن محمد النيسابوري بخط الشافعي‏:‏ إنّ امرأً وجد اليسار فلم يصب حمداً ولا شكراً لغير موفّق الجدّ يدني كلّ شيءٍ شاسعٍ والجدّ يفتح كلّ بابٍ مغلق وإذا سمعت بأنّ محروماً أتى ماءً ليشربه فغاض فحقّق ومن الدّليل على القضاء وكونه بؤس اللّبيب وطيب عيش الأحمق قال المزني‏:‏ دخلت على الشافعي في مرض موته فقلت له‏:‏ كيف أصبحت قال‏:‏ أصبحت في الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً ولكأس المنية شارباً ولسوء أعمالي ملاقياً وعلى الله وارداً فلا أدري أصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم بكى وأنشأ يقول‏:‏ ولمّا قسا قلبي وضاقت مسامعي جعلت الرّجا مني لعفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته بعفوك ربّي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفوٍ عن الذّنب لم تزل بجودك تعفو منّةً وتكرّما ذهب إلى جوار الحق سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة‏.‏
الغوطة
الكورة التي قصبتها دمشق‏.‏
وهي كثيرة المياه نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار مونقة الأزهار ملتفة الأغصان خضرة الجنان استدارتها ثمانية عشر ميلاً كلها بساتين وقصور‏.‏
تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها‏.‏
ومياهها خارجة من تلك الجبال وتمتد في الغوطة عدة أنهر وهي أنزه بلاد الله وأحسنها قال أبو بكر الخوارزمي‏:‏ جنان الدنيا أربع‏:‏ غوطة دمشق وصغد سمرقند وشعب بوان وجزيرة الأبلة وقد رأيتها كلها فأحسنها غوطة دمشق‏!‏ فارس الناحية المشهورة التي يحيط من شرقها كرمان ومن غربها خوزستان ومن شمالها مفازة خراسان ومن جنوبها البحر سميت بفارس بن الأشور ابن سام بن نوح عليه السلام بها مواضع لا تنبت الفواكه لشدة بردها كرستاق اصطخر وبها مواضع لا يسكنها الطير لشدة حرها كرستاق الاغرسان‏.‏
وأما أهلها فذكروا أنهم من نسل فارس بن طهمورث سكان الموضع الذي يسمى ايرانشهر وهو وسط الاقليم الثالث والرابع والخامس ما بين نهر بلخ إلى منتى اذربيجان وارمينية إلى القادسية وإلى بحر فارس‏.‏
وهذه الحدود هي صفوة الأراضي وأشرفها لتوسطها في قلب الأقاليم وبعدها عما يتأذى به أهل المشرق والمغرب والجنوب والشمال وأهلها أصحاب العقول الصحيحة والآراء الراجحة والأبدان السليمة والشمائل الظريفة والبراعة في كل صناعة فلذلك تراهم أحسن الناس وجوهاً وأصحهم أبداناً وأحسنهم ملبوساً وأعذبهم أخلاقاً وأعرفهم بتدبير الأمور‏!‏ جاء في التواريخ‏:‏ ان الفرس ملكوا أمر العالم أربعة آلاف سنة‏:‏ كان أولهم كيومرث وآخرهم يزدجرد بن شهريار الذي قتل في وقعة عمر بن الخطاب بمرو فعمروا البلاد وأنعشوا العباد‏.‏
وجاء في الخبر‏:‏ ان الله تعالى أوحى إلى داود أن يأمر قومه أن لا يسبوا العجم فإنهم عمروا الدنيا وأوطنوها عبادي‏.‏
وحسن سيرة ملوك الفرس مدون في كتب العرب والعجم ولا يخفى أن المدن العظام القديمة من بنائهم وأكثرها مسماة بأسمائهم‏.‏
وأخبار عدلهم وإحسانهم في الدنيا سائرة وآثار عماراتهم إلى الآن ظاهرة‏.‏
زعم الفرس أن فيهم عشرة أنفس لم يوجد في شيء من الأصناف مثلهم ولا في الفرس أيضاً‏:‏ أولهم افريدون بن كيقباذ بن جمشيد ملك الأرض كلها وملأها من العدل والإحسان بعدما كانت مملوءة من العسف والجور من ظلم الضحاك بيوراسب وما أخذه الضحاك من أموال الناس ردها إلى أصحابها وما لم يجد له صاحباً وقفه على المساكين وذكر بعض النساب أن افريدون هو ذو القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز لأنه ملك المشرق والمغرب وأمر بعبادة الله تعالى وكان ذا عدل وإحسان‏.‏
وثانيهم اسكندر بن دارا بن بهمن كان ملكاً عظيماً حكيماً حصل العلوم وعرف علم الخواص وتلمذ لارسطاطاليس واستوزره وكان يعمل برأيه وانقاد له ملوك الروم والصين والترك والهند ومات وعمره اثنتان وثلاثون سنة وسبعة أشهر‏.‏
وثالثهم أنوشروان بن قباذ كسرى الخير كثرت جنوده وعظمت مملكته وهادنته ملوك الروم والصين والهند والخزر وروي عن النبي عليه السلام أنه قال‏:‏ ولدت في زمن الملك العادل‏!‏ ومن عدله ما ذكر أنه علق سلسلة فيها جرس على بابه ليحركها المظلوم ليعلم الملك حضوره من غير واسطة فأتى عليها سبع سنين ما حركت‏.‏
ورابعهم بهرام بن يزدجرد ويقال له بهرام جور‏.‏
كان من أحذق الناس بالرمي لم يعرف رام مثله‏.‏
ذكر أنه خرج متصيداً وكان معه جارية من أحظى جواريه فظهر لهم سرب من الظباء فقال لها‏:‏ كيف تريدين أن أرمي ظبية منها قالت‏:‏ أريد أن تلصق ظلفها بأذنها‏!‏ فأخذ الجلاهق ورمى بندقة أصابت أذنها فرفعت ظلفها تحك بها أذنها فرمى نشابة وخاط ظلفها بأذنها‏.‏
وخامسهم رستم بن زال الشديد ذكروا أنه لم يعرف فارس مثله‏.‏
كان من أمره أنه إذا لاقى في ألف فارس ألفين غلبهم وإذا لاقى في خمسة آلاف فارس عشرة آلاف غلبهم وإذا دعا إلى البراز وخرج إليه القرن يرفعه برمحه من ظهر الفرس ويرميه إلى الأرض‏.‏وسادسهم جاماسب المنجم‏.‏
كان وزيراً لكشتاسف بن لهراسب لم يعرف منجم مثله حكم على القرانات وأخبر بالحوادث التي تحدث وأخبر بخروج موسى وعيسى ونبينا عليه السلام وزوال الملة المجوسية وخروج الترك ونهبهم وقتلهم وخروج شخص يقهرهم وكثير من الحوادث بعدهم كل ذلك في كتاب يسمى أحكام جاماسب بلعجمية‏.‏
وله بعد موته خاصية عجيبة وهي ان قبره على تل بأرض فارس وقدام التل نهر فمن زار قبره من الولاة راكباً يعزل وأكثر الناس عرفوا تلك الخاصية فإذا وصلوا إلى ذلك النهر نزلوا‏.‏
وسابعهم بزرجمهر بن بحتكان كان وزير الأكاسرة وكان ذا علم وعقل ورأي وفطنة كان بالغاً في الحكم الخطابية ولما وضع الهند الشطرنج بعثوا به هدية إلى كسرى ولم يذكروا كيفية اللعب به فاستخرجه بزرجمهر ووضع في مقابلته النرد وبعث به إلى الهند‏.‏
وثامنهم بلهبد المغني فاق جميع الناس في الغناء وكان مغنياً لكسرى ابرويز فإذا أراد أحد أن يعرض أمراً على كسرى وخاف غضبه ألقى ذلك الأمر إلى بلهبد وبذل له حتى جعل لذلك المغني شعراً وصوتاً ويغني به بين يديه فعرف كسرى ذلك الأمر‏.‏
وتاسعهم صانع شبديز وسيأتي ذكره ودقة صنعته في قرميسين في الإقليم الرابع‏.‏
وعاشرهم فرهاذ الذي تحت ساقية قصر شيرين وهي باقية إلى الآن‏.‏
وأراد أن ينقب جبل وبأرض فارس جمع يقال لهم آل عمارة لهم مملكة عريضة على سيف البحر‏.‏
وهم من نسل جلندى بن كركر وهو الذي ذكره الله تعالى في كتابه المجيد‏:‏ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً‏.‏
زعموا أن ملكهم كان قبل موسى عليه السلام وإلى زماننا هذا لهم بأس ومنعة وارصاد البحر وعشور السفن‏.‏
فرغانة ناحية مشتملة على بلاد كثيرة بعد ما وراء النهر متاخمة لبلاد الترك‏.‏
أهلها من أتم الناس أمانة وديانة على مذهب أبي حنيفة وأحسن الناس صورة‏!‏ كانت ذات خيرات وغلات وثمرات وخربت في محاربة خوارزمشاه محمد والخطأ لأنها كانت على ممر العساكر فخربت تلك البلاد الحسنة وفارقها أهلها قبل خروج التتر إلى ما وراء النهر وخراسان‏.‏
وسمعت أن من عاداتهم قطع الآذان حزناً على موت الأكابر‏.‏
ينسب إليها الشيخ عمر الملقب برشيد الدين الفرغاني رأيته كان شيخاً فاضلاً كاملاً مجمع الفضائل الأدب والفقه والأصول والحكمة والكلام البليغ واللفظ الفصيح والخط الحسن والخلق الطيب والتواضع‏.‏
كان مدرساً بسنجار تأذى من الملك الأشرف فارق سنجار فلم يلتفت إلى مفارقته فطلبه المستنصر لتدريس المستنصرية‏.‏
فلما ولاه التدريس بعث صاحب الروم بطلبه وجاء رسول من عنده إلى بغداد طالباً له فقال المستنصر‏:‏ اخبروا الملك انه مدرسنا فإن طلبه بعد ذلك بعثناه إليه‏!‏ قبض في سنة إحدى وثلاثين وستمائة‏.‏
الفسطاط
هي المدينة المشهورة بمصر بناها عمرو بن العاص قيل‏:‏ انه لما فتح مصر عزم الإسكندرية في سنة عشرين وأمر بفسطاطه أن يقوض فإذا يمامة قد باضت في أعلاه فقال‏:‏ تحرمت بجوارنا اقروا الفسطاط حتى ينقف وتطير فراخها ووكل به من يحفظه ومضى نحو الإسكندرية وفتحها فلما فرغ من القتال قال لأصحابه‏:‏ أين تريدون تنزلون قالوا‏:‏ يا أيها الأمير نرجع إلى فسطاطك لنكون على ماء وصحراء‏!‏ فرجعوا إليها وخط كل قوم بها خطأ بنوا فيها وسمي بالفسطاط‏.‏
وبنى عمرو بن العاص الجامع في سنة إحدى وعشرين يقال‏:‏ قام على اقامة قبلته ثمانون صحابياً منهم‏:‏ الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة ابن الصامت وأبو الدرداء وأبو ذر الغفاري‏.‏
وهذا الجامع باق في زماننا‏.‏
كتب القرآن جميعه على ألواح من الرخام الأبيض بخط كوفي بين في حيطانه من أعلاها إلى أسفلها وجعل أعشار القرآن وآياته وأعداد السور بالذهب واللازورد فيقرأ الإنسان جميع القرآن منها وهو قاعد ثم استولى الفرنج عليها وخربوها‏.‏
فلما كانت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة قدم صلاح الدين وأمر ببناء سور على الفسطاط والقاهرة فذرع دورتها فكانت فرسخين ونصفاً وكان بها طلسم للتماسيح قال أبو الريحان الخوارزمي‏:‏ كان بجبال الفسطاط طلسم للتماسيح وكانت لا تستطيع الإضرار حولها وكان إذا بلغ حولها استلقى وانقلب على ظهره وكان يلعب به الصبيان فكسر ذلك الطلسم وبطل حكمه‏.‏
وبالفسطاط محلة تسمى الجزيرة لأن النيل إذا زاد أحاط الماء بها وحال بينها وبين معظم الفسطاط فاستقلت هي بنفسها‏.‏
وبها أسواق وجامع وبساتين وهي من متنزهات مصر قال الساعاتي الدمشقي‏:‏ ما أنس لا أنس الجزيرة ملعباً للأنس تألفها الحسان الخرّد يجري النّسيم بغصنها وغديرها فيهزّ رمحٌ أو يسلّ مهنّد ويريك دمع الطّلّ كلّ سفيقةٍ كالخدّ دبّ به عذارٌ أسود قرية من قرى شيراز بناها فيروز ملك الفرس فيما أظنه‏.‏
ينسب إليها الشيخ الإمام أبو إسحق إبراهيم الفيروزابادي‏.‏
كان عالماً ورعاً زاهداً له تصانيف في الفقه‏.‏
ولما صنف كتاب التنبيه صلى بكل مسألة فيها ركعتين ودعا لمن يشتغل به‏.‏
وهو كتاب مبارك سهل الضبط والحفظ‏.‏
ومن ورعه انه سلم إلى شخص رغيفين وأمره أن يشتري بكل واحدة حاجة فاشتبه على الوكيل فاشترى كيف اتفق فعلم الشيخ بذلك ودفعهما وقال‏:‏ خالفت الوكالة لا يحل المشتري‏.‏
وذكر أنه كان يمشي مع أصحابه فكان على طريقهم كلب فصاح على الكلب بعض أصحابه فقال الشيخ‏:‏ أليست الطريق مشتركة بيننا وحكي انه لما بنى نظام ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:49 am



كركويه
مدينة بسجستان قديمة‏.‏ بها قبتان عظيمتان زعموا أنهما من عهد رستم الشديد وعلى رأس القبتين قرنان قد جعل ميل كل واحد منهما إلى الآخر تشبيهاً بقرني الثور بقاؤهما من عهد رستم إلى زماننا هذا من أعجب الأشياء وتحت القبتين بين نار للمجوس تشبيهاً بأن الملك يبني قرب داره معبداً يتعبد فيه ونار هذا البيت لا تطفأ أبداً‏.‏
ولها خدم يتناوبون في إشعال النار يقعد الموسوم مع الخدمة على بعد النار عشرين ذراعاً ويغطي فمه وأنفاسه ويأخذ بكلبتين من فضة عوداً من الطرفاء نحو الشبر يقلبه في النار‏.‏
وكلما همت النار بالخبو يلقي كرمان ناحية مشهورة شرقها مكران وغربها فارس وشمالها خراسان وجنوبها بحر فارس‏.‏
تنسب إلى كرمان بن فارس بن طهمورث‏.‏
وهي بلاد واسعة الخيرات وافرة الغلات من النخل والزرع والمواشي‏.‏
وبها ثمرات الصرود والجروم والجوز والنخل‏.‏
وبها معدن التوتيا يحمل منها إلى جميع الدنيا بها خشب لا تحرقه النار ولو ترك فيها أياماً ينبت في بعض جبالها يأخذه الطرقيون ويقولون‏:‏ انه من الخشب الذي صلب عليه المسيح‏.‏
وشجر القطن بكرمان يبقى سنين حتى يصير مثل الأشجار الباسقة وكذلك شجر الباذنجان والشاهسفرم‏.‏
وبها شجر يسمى كادي من شمه رعف ورقه كورق الصبر إن ألقي في النار لا يحترق‏.‏
ومن عجائب الدنيا أرض بين كرمان وجاريح إذا احتك بعض أحجارها بالبعض يأتي مطر عظيم وهذا شيء مشهور عندهم حتى ان من اجتاز بها يتنكب عنها كيلا تحتك تلك الحجارة بعضها ببعض فيأتي مطر يهلك الناس والدواب‏!‏ وبها معدن الزاج الذهبي يحمل من وحكى ابن الفقيه أن بعض الملوك غضب على جمع من الفلاسفة فنفاهم إلى أرض كرمان لأنها كانت أرضاً يابسة بيضاء لا يخرج ماؤها إلا من خمسين ذراعاً‏.‏
فهندسوا حتى أخرجوا الماء على وجه الأرض وزرعوا عليه وغرسوا فصارت كرمان أحسن بلاد الله ذات شجر وزرع‏.‏
فلما عرف الملك ذلك قال‏:‏ اسكنوهم جبالها فعملوا الفوارات وأظهروا الماء على رؤوس جبالها فقال الملك‏:‏ اسجنوهم فعملوا في السجن الكيميا وقالوا‏:‏ هذا علم لا نخرجه إلى أحد‏!‏ وعملوا مقدار ما يكفيهم مدة عمرهم وأحرقوا كتبهم وانقطع علم الكيميا‏.‏
وبأرض كرمان في رساتيقها جبال بها أحجار تشتعل بالنار مثل الحطب‏.‏
وينسب إلى كرمان الشيخ أبو حامد أحمد الكرماني الملقب بأوحد الدين‏.‏
كان شيخاً مباركاً صاحب كرامات وله تلامذة وكان صاحب خلوة يخبر عن المغيبات وله أشعار بالعجمية في الطريقة كان صاحب اربل معتقداً به بقي عنده مدة ثم تأذى منه وفارقه وهو يقول‏:‏ با دل كفتم خدمت شاهي كم كير جون سر نهاده كلاهي كم كير دل كفت مرا ازين سخن كمتر كو كردي ودهي وخانقاهي كم كير مات سنة خمس وثلاثين وستمائة ببغداد‏.‏بلدة بين حلب والمعرة في برية معطشة أعز الأشياء عند أهلها الماء ذكر أنهم حفروا ثلاثمائة ذراع لم ينبط لهم ماء وليس لها إلا ما يجمعونه من مياه الأمطار وقال سنان الخفاجي‏:‏ بالله يا حادي المطايا بين حناك وأرضايا عرّج على أرض كفرطاب وحيّها أحسن التّحايا واهد لها الماء فهي ممّن يفرح بالماء في الهدايا ومن العجب إقامة جمع من العقلاء بأرض هذا شأنها‏.‏
كفرمندة
قرية بالأردن بين مكة والطبرية‏.‏
قيل‏:‏ انها مدين المذكور في القرآن وكان منزل شعيب عليه السلام‏.‏
وبها قبر بنت شعيب صافورا زوجة موسى عليه السلام‏.‏
وبها الجب الذي قلع موسى الصخرة عن رأسه وسقى مواشي شعيب والصخرة باقية إلى الآن‏.‏
كفرنجد
قرية كبيرة من أعمال حلب في جبل السماق بها عين ماء حار‏.‏
لها خاصية عجيبة وهي ان من تشبث بحلقه العلق من الحيوانات شرب من مائها ودار حولها فألقاها بإذن الله حدث بهذا بعض سكانها‏.‏
كلز
قرية من نواحي عزاز بين حلب وانطاكية جرى في أواخر ربيع الأول سنة تسع عشرة وستمائة بها أمر عجيب وشاع ذلك بحلب وكتب عامل كلز إلى حلب كتاباً بصحة ذلك وهو أنهم رأوا هناك تنيناً عظيماً غلظه شبه منارة أسود اللون ينساب على الأرض والنار تخرج من فيه ودبره فما مر على شيء إلا أحرقه حتى أحرقت مزارع وأشجار كثيرة‏.‏
وصادف في طريقه بيوت التركمان وخرقاهاتهم فأحرقها بما فيها من الناس والمواشي ومر نحو عشرة فراسخ كذلك والناس يشاهدونه من البعد حتى أغاث الله أهل تلك النواحي بسحابة أقبلت من البحر وتدلت حتى اشتملت عليه ورفعته نحو السماء والناس يشاهدونه حتى غاب عن أعين الناس ولقد لف ذنبه على كلب والكلب ينبح في الهواء‏.‏
كوزا
قلعة بطبرستان من عجائب الدنيا قال الأبي‏:‏ هي تناطح النجوم ارتفاعاً وتحكيها امتناعاً حتى لا تعلوها الطير في تحليقها ولا السحب في ارتفاعها فتحتف بها الغمام وتقف دون قلتها ولا تسمو عليها فيمطر سفحها دون أعلاها والفكر قاصر عن ترتيب مقدمات استخلاصها‏.‏
الكوفة هي المدينة المشهورة التي مصرها الإسلاميون بعد البصرة بسنتين قال ابن الكلبي‏:‏ اجتمع أهل الكوفة والبصرة وكل قوم يرجع بلده فقال الحجاج‏:‏ يا أمير المؤمنين إن لي بالبلدين خبراً قال‏:‏ هات غير متهم‏!‏ قال‏:‏ أما الكوفة فبكر عاطل لا حلي لها ولا زينة وأما البصرة فعجوز شمطاء بخراء دفراء أوتيت من كل حلي وزينة‏!‏ فاستحسن الحاضرون وصفه إياهما‏.‏
قال ابن عباس الهمداني‏:‏ الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء بعذوبة وبرودة والبصرة مثل المثانة يأتيها الماء بعد تغيره وفساده‏.‏
ولمسجدها فضائل كثيرة منها ما روى حبة العرني قال‏:‏ كنت جالساً عند علي فجاءه رجل وقال‏:‏ هذا زادي وهذه راحلتي أريد زيارة بيت المقدس‏!‏ فقال له‏:‏ كل زادك وبع راحلتك وعليك بهذا المسجد يريد مسجد الكوفة ففي زاويته فار التنور وعند الأسطوانة الخامسة صلى إبراهيم وفيه عصا موسى وشجرة اليقطين ومصلى نوح عليه السلام‏.‏
ووسطه على روضة من رياض الجنة وفيه ثلاث أعين من الجنة لو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حبواً‏.‏
بها مسجد السهلة قال أبو حمزة الثمالي‏:‏ قال لي جعفر بن محمد الصادق‏:‏ يا أبا حمزة أتعرف مسجد السهلة قلت‏:‏ عندنا مسجد يسمى مسجد السهلة‏.‏
قال‏:‏ لم أرد سواه‏!‏ لو ان زيداً أتاه وصلى فيه واستجار فيه بربه من القتل لأجاره‏!‏ ان فيه موضع البيت الذي كان يخيط فيه ادريس عليه السلام ومنه رفع إلى السماء ومنه خرج إبراهيم إلى العمالقة وهو موضع مناخ الخضر وما أتاه مغموم إلا فرج الله عنه‏.‏
كان بها قصر اسمه طمار يسكنه الولاة‏.‏
أمر عبيد الله بن زياد بإلقاء مسلم ابن عقيل بن أبي طالب من أعلاه قبل مقتل الحسين وكان بالكوفة رجل اسمه هانيء يميل إلى الحسين فجاء مسلم إليه فأرادوا إخراجه من داره فقاتل حتى قتل قال عبد الله بن الزبير الأسدي‏:‏ إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانيءٍ في السّوق وابن عقيل إلى بطلٍ قد عفّر السّيف وجهه وآخر يلقى من طمار قتيل وكان في هذا القصر قبة ينزلها الأمراء فدخل عبد الملك بن عمير على عبد الملك بن مروان وهو في هذه القبة على سرير وعن يمينه ترس عليه رأس مصعب بن الزبير فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين رأيت في هذه القبة عجباً‏!‏ فقال‏:‏ ما ذاك قال‏:‏ رأيت عبيد الله بن زياد على هذا السرير وعن يمينه ترس عليه رأس الحسين ثم دخلت على المختار بن عبيد وهو على هذا السرير وعن يمينه ترس عليه رأس عبيد الله بن زياد ثم دخلت على مصعب بن الزبير وهو على هذا السرير وعن يمينه ترس عليه رأس المختار ثم دخلت عليك يا أمير المؤمنين وأنت على هذا السرير وعن يمينك ترس عليه رأس مصعب‏!‏ فوثب عبد الملك عن السرير وأمر بهدم القبة‏.‏
زعموا أن من أصدق ما يقوله الناس في أهل كل بلدة قولهم‏:‏ الكوفي لا يوفي‏!‏ ومما نقم على أهل الكوفة أنهم طعنوا الحسن بن علي ونهبوا عسكره وخذلوا الحسين بعد أن استدعوه وشكوا من سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا‏:‏ انه ما يحسن الصلاة‏!‏ فدعا عليهم سعد أن لا يرضيهم الله عن وال ولا يرضي والياً عنهم ودعا علي عليهم وقال‏:‏ اللهم أمرهم بالغلام الثقفي‏!‏ يعني الحجاج‏.‏
وادعى النبوة منهم كثيرون‏.‏
ولما قتل مصعب بن الزبير أرادت زوجته سكينة بنت الحسين الرجوع إلى المدينة فاجتمع عليها أهل الكوفة وقالوا‏:‏ حسن الله صحابتك يا ابنة رسول الله‏!‏ فقالت‏:‏ لا جزاكم الله عني خيراً ولا أحسن إليكم الخلافة‏!‏ قتلتم أبي وجدي وعمي وأخي‏!‏ تظلم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال‏:‏ ما علمت من عمالي أعدل وأقوم بأمر الرعية منه‏!‏ فقال أحدهم‏:‏ يا أمير المؤمنين ليس أحد أولى بالعدل والانصاف منك‏!‏ فإن كان هو بهذه الصفة فعلى الأمير أن يوليه بلداً بلداً ليلحق كل بلدة من عدله ما لحقناه فإذا فعل الأمير ذلك لا يصيبنا أكثر من ثلاث سنين‏!‏ فضحك المأمون وأمر بصرفه‏.‏
ينسب إليها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت كان عابداً زاهداً خائفاً من الله تعالى‏.‏
ودعي أبو حنيفة إلى القضاء فقال‏:‏ إني لا أصلح لذلك‏!‏ فقيل‏:‏ لم فقال‏:‏ إن كنت صادقاً فلا أصلح لها وإن كنت كاذباً فالكاذب لا يصلح للقضاء‏.‏
وأراد عمر بن هبيرة أبا حنيفة للقضاء فأبى فحلف ليضربنه بالسياط على رأسه وليحبسنه ففعل ذلك حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب فقال‏:‏ الضرب بالسياط في الدنيا أهون من مقامع الحديد في الآخرة‏!‏ قال عبد الله بن المبارك‏:‏ لقد زان البلاد ومن عليها إمام المسلمين أبو حنيفه بآثار رفقه في حديثٍ كآيات الزّبور على الصّحيفه فما إن بالعراق له نظيرٌ ولا بالمشرقين ولا بكوفه وحكي أن الربيع صاحب المنصور كان لا يرى أبا حنيفة فقال له يوماً‏:‏ يا أمير المؤمنين هذا أبو حنيفة يخالف جدك عبد الله بن عباس فإن جدك يقول إذا حلف الرجل واستثنى بعد يوم أو يومين جاز وأبو حنيفة يقول‏:‏ لا يجوز‏!‏ فقال أبو حنيفة‏:‏ هذا الربيع يقول ليس لك في رقاب جندك بيعة‏!‏ قال‏:‏ كيف قال‏:‏ يحلفون عندك ويرجعون إلى منازلهم يستثنون فتبطل اليمين‏!‏ فضحك المنصور وقال‏:‏ يا ربيع لا تتعرض لأبي حنيفة فلما خرج من عند المنصور قال له الربيع‏:‏ أردت أن تشط بدمي‏!‏ قال‏:‏ لا ولكنك أردت أن تشط بدمي فخلصتك وخلصت نفسي‏!‏ وحكى قاضي نهروان أن رجلاً استودع رجلاً بالكوفة وديعةً ومضى إلى الحج‏.‏
فلما عاد طلبها فأنكر المودع وكان يجالس أبا حنيفة فجاء المظلوم وشكا إلى أبي حنيفة فقال له‏:‏ اذهب لا تعلم أحداً بجحوده‏!‏ ثم طلب الظالم وقال‏:‏ إن هؤلاء بعثوا إلي يطلبون رجلاً للقضاء فهل تنشط لها فتمانع الرجل قليلاً ثم رغب فيها‏.‏
فعند ذلك بعث أبو حنيفة إلى المظلوم وقال‏:‏ مر إليه وقل له‏:‏ أظنك نسيت أليس كان في يوم كذا وفي موضع كذا فذهب المظلوم إليه وقال ذلك فردها إليه‏.‏
فجاء الظالم إلى أبي حنيفة يريد القضاء فقال‏:‏ نظرت في قدرك أريد أن أرفعه بأجل من هذا‏.‏
وذكر أن أبا العباس الطوسي كان سيء الرأي في أبي حنيفة وأبو حنيفة يعلم ذلك‏.‏
فرآه يوماً عند المنصور فقال‏:‏ اليوم اقتل أبا حنيفة‏!‏ فقال له‏:‏ يا أبا حنيفة ما تقول في أن أمير المؤمنين يدعو أحداً إلى قتل أحد ولا ندري ما هو أيسع لنا أن نضرب عنقه قال أبو حنيفة‏:‏ يا أبا العباس الأمير يأمر بالحق أو بالباطل قال‏:‏ بالحق‏!‏ قال‏:‏ انفذ الحق حيث كان ولا تسأل عنه ‏!‏ ثم قال لمن كان بجنبه‏:‏ هذا أراد أن يوبقني فربطته‏!‏ توفي سنة خمسين ومائة عن اثنتين وسبعين‏.‏
ينسب إليها أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري منسوب إلى ثور أطحل كان من أكثر الناس علماً وورعاً‏.‏
وكان إماماً مجتهداً وجنيد البغدادي يفتي على مذهبه كان يصاحب المهدي فلما ولي الخلافة انقطع عنه فقال له المهدي‏:‏ إن لم تصاحبني فعظني‏!‏ قال‏:‏ إن في القرآن سورة أولها‏:‏ ويل للمطففين‏!‏ والتطفيف لا يكون إلا شيئاً نزراً فكيف من يأخذ أموالاً كثيرة وحكي أن المنصور رآه في الطواف فضرب يده على عاتقه فقال‏:‏ ما منعك أن تأتينا قال‏:‏ قول الله تعالى‏:‏ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار‏!‏ فالتفت المنصور إلى أصحابه وقال‏:‏ القينا الحب إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا‏!‏ ثم قال له‏:‏ سلني حاجتك يا أبا عبد الله‏!‏ فقال‏:‏ وتقضيها يا أمير المؤمنين قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ حاجتي أن لا ترسل إلي حتى آتيك وأن لا تعطيني شيئاً حتى أسألك‏.‏
وخرج ليلة أراد العبور على دجلة فوجد شطيها قد التصقا فقال‏:‏ وعزتك لا أعبر إلا في زورق‏!‏ وكان في مرض موته يبكي كثيراً فقال له‏:‏ أراك كثير الذنوب‏!‏ فرفع شيئاً من الأرض وقال‏:‏ ذنوبي أهون علي من هذا وإنما أخاف سلب الإيمان قبل أن أموت‏.‏
وقال حماد بن سلمة‏:‏ لما حضر سفيان الوفاة كنت عنده قلت‏:‏ يا أبا عبد الله ابشر فقد نجوت مما كنت تخاف وإنك تقدم على رب غفور‏!‏ فقال‏:‏ يا أبا سلمة أترى يغفر الله لمثلي قلت‏:‏ إي والذي لا إله إلا هو‏!‏ فكأنما سري عنه‏.‏
توفي سنة إحدى وستين ومائة عن ست وستين سنة بالبصرة‏.‏
وينسب إليها أبو أمية شريح بن الحرث القاضي يضرب به المثل في العدل وتدقيق الأمور بقي في قضاء الكوفة خمساً وسبعين سنة استقضاه عمر وعلي واستعفى من الحجاج فأعفاه ذكر أن امرأة خاصمت زوجها عنده وكانت تبكي بكاء شديداً فقال له الشعبي‏:‏ أصلح الله القاضي‏!‏ أما ترى شدة بكائها فقال‏:‏ أما علمت أن اخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظلمة الحكم إنما يكون بالبينة لا بالبكاء‏.‏
وشهد رجل عنده شهادة فقال‏:‏ ممن الرجل قال‏:‏ من بني فلان‏.‏
قال‏:‏ أتعرف قائل هذا الشعر‏:‏ ماذا أؤمّل بعد آل محرّقٍ تركوا منازلهم وبعد إياد قال‏:‏ لا‏!‏ فقال‏:‏ توقف يا وكيل في شهادته فإن من كان في قومه رجل له هذه النباهة وهو لا وكتب مسروق بن عبد الله إلى القاضي شريح وقد دخل زياد ابن أبيه في مرض موته ومنعوا الناس عنه وكتب إليه‏:‏ أخبرنا عن حال الأمير فإن القلوب لبطء مرضه مجروحة والصدور لنا حزينة غير مشروحة‏!‏ فأجابه القاضي‏:‏ تركت الأمير وهو يأمر وينهى‏!‏ فقال‏:‏ أما تعلمون أن القاضي صاحب تعريض يقول‏:‏ تركته يأمر الوصية وينهى عن الجزع‏!‏ وكان كما ظن‏.‏
والقاضي شريح توفي سنة اثنتين وثمانين عن مائة وعشرين سنة‏.‏
وينسب إليها أبو عبد الله سعيد بن جبير كان الناس إذا سألوا بالكوفة ابن عباس يقول‏:‏ أتسألونني وفيكم سعيد بن جبير وكان سعيد ممن خرج على الحجاج وشهد دير الجماجم فلما انهزم ابن الأشعث لحق سعيد بمكة وبعد مدة بعثه خالد بن عبد الله القسري وكان والياً على مكة من قبل الوليد ابن عبد الملك إلى الحجاج تحت الاستظهار وكان في طريقه يصوم نهاراً ويقوم ليلاً فقال له الموكل به‏:‏ إني لا أحب أن أحملك إلى من يقتلك فاذهب أي طريق شئت‏!‏ فقال له سعيد‏:‏ انه يبلغ الحجاج أنك خليتني وأخاف أن يقتلك‏!‏ فلما دخل على الحجاج قال له‏:‏ من أنت قال‏:‏ سعيد بن جبير‏!‏ قال‏:‏ بل أنت شقي بن كسير‏!‏ قال‏:‏ سمتني أمي‏!‏ قال‏:‏ شقيت‏!‏ قال‏:‏ الغيب يعلمه غيرك‏!‏ فقال له الحجاج‏:‏ لأبدلنك من دنياك ناراً تتلظى‏!‏ فقال سعيد‏:‏ لو علمت أن ذاك إليك ما اتخذت إلهاً غيرك‏!‏ قال‏:‏ ما تقول في الأمير قال‏:‏ إن كان محسناً فعند الله ثواب إحسانه وإن كان مسيئاً فلن يعجز الله‏!‏ قال‏:‏ فما تقول في قال‏:‏ أنت أعلم بنفسك‏!‏ فقال‏:‏ تب في علمك‏!‏ فقال‏:‏ اذم أسوءك ولا أسرك‏.‏
قال‏:‏ تب‏!‏ قال‏:‏ ظهر منك جور في حد الله وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء الله‏!‏ قال‏:‏ والله لأقطعنك قطعاً قطعاً ولأفرقن أعضاءك عضواً عضواً‏!‏ قال‏:‏ فإذن تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك والقصاص أمامك‏!‏ قال‏:‏ الويل لك من الله‏!‏ قال‏:‏ الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار‏!‏ فقال‏:‏ اذهبوا به واضربوا عنقه‏.‏
فقال سعيد‏:‏ اني أشهدك اني أشهد ان لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لتستحفظه حتى ألقاك بها يوم القيامة‏!‏ فذهبوا به فتبسم فقال الحجاج‏:‏ لم تبسمت فقال‏:‏ لجرأتك على الله تعالى‏!‏ فقال الحجاج‏:‏ اضجعوه للذبح‏!‏ فأضجع‏.‏
فقال‏:‏ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض‏.‏
فقال الحجاج‏:‏ اقلبوا ظهره إلى القبلة‏.‏
قال سعيد‏:‏ فأينما تولوا فثم وجه الله‏!‏ قال‏:‏ كبوه على وجهه‏.‏
فقال‏:‏ مها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى‏!‏ فذبح من قفاه فبلغ ذلك الحسن البصري فقال‏:‏ الله يا قاصم الجبارة اقصم الحجاج‏.‏
وعن خالد بن خليفة عن أبيه قال‏:‏ شهدت مقتل سعيد بن جبير فلما بان رأسه قال‏:‏ لا إله إلا الله مرتين والثالثة لم يتمها وعاش الحجاج بعده خمسة عشر يوماً وقع الدود في بطنه وكان يقول‏:‏ ما لي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي‏!‏ وتوفي سعيد سنة خمس وتسعين عن سبع وخمسين سنة‏.‏
وينسب إليها أبو الطيب أحمد المتنبي‏.‏
كان نادر الدهر شاعراً مفلقاً فصيحاً بليغاً أشعاره تشتمل على الحكم والأمثال قال ابن جني‏:‏ سمعت أبا الطيب يقول‏:‏ إنما لقبت بالمتنبي لقولي‏:‏ ما مقامي بأرض نخلة إلاّ كمقام المسيح بين اليهود أنا في أمّةٍ تداركها اللّ ه غريبٌ كصالحٍ في ثمود وكان لا يمدح إلا الملوك العظماء وإذا سمع قصيدة حفظها بمرة واحدة وابنه يحفظها بمرتين وغلامه يحفظها بثلاث مرات فربما قرأ أحد على ممدوح قصيدة بحضوره فيقول‏:‏ هذا الشعر لي ‏!‏ ويعيدها ثم يقول‏:‏ وابني أيضاً يحفظها ثم يقول‏:‏ وغلامي أيضاً يحفظها‏.‏
اتصل بسيف الدولة وقرأ عليه‏:‏ أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل فلما انتهى إلى قوله‏:‏ أقل أنل اقطع احمل سلّ علّ أعد زد هشّ بشّ تفضّل ادن سرّ صل أمر سيف الدولة أن يفعل جميع هذه الأوامر التي ذكرها فيقول المتنبي‏:‏ حكى ابن جني عن أبي علي النسوي قال‏:‏ خرجت من حلب فإذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل سدده في صدري فكدت أرمي نفسي من الدابة فثنى السنان وحس لثامه فإذا المتنبي يقول‏:‏ نثرت رؤساً بالأحيداب منهم كما نثرت فوق العروس دراهم ثم قال‏:‏ كيف ترى هذا البيت أحسن هو قلت‏:‏ ويحك قتلني‏!‏ قال ابن جني‏:‏ حكيت هذا بمدينة السلام لأبي الطيب فضحك‏.‏
وحكى الثعالبي أن المتنبي لما قدم بغداد ترفع عن مدح الوزير المهلبي ذهاباً بنفسه إلى أنه لا يمدح غير الملوك فشق ذلك على الوزير فأغرى به شعراء بغداد في هجوه ومنهم ابن سكرة الهاشمي والحاتمي وابن لنكك فلم يجبهم بشيء وقال‏:‏ اني قد فرغت عن جوابهم بقولي لمن هو أرفع طبقة منهم في الشعر‏:‏ أفي كلّ يوم تحت ضبني شويعرٌ ضعيفٌ يقاويني قصيرٌ يطاول لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازل وأتعب من ناداك من لا تجيبه وأغيظ من عاداك من لا تشاكل وما التّيه طبّي فيهم غير أنّني بغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل وفارق بغداد قاصداً عضد الدولة بفارس ومدحه بقصائده المذكورة في ديوانه وربحت تجارته عند عضد الدولة وبقي عنده مدة ووصل إليه من مبراته أكثر من مائتي ألف درهم فاستأذن في المسير ليقضي حوائجه فأذن له وأمر له بالخلع والصلات فقرأ عليه قصيدته الكافية وكأنه نعى فيها نفسه ويقول‏:‏ ولو أني استطعت حفظت طرفي ولم أبصر به حتّى أراكا وفي الأحباب مختصٌّ بوجدٍ وآخر يدّعي معه اشتراكا إذا اجتمع الدّموع على خدودٍ تبيّن من بكى ممّن تباكى وأنّى شئت يا طرقي فكوني أذاةً أو نجاةً أو هلاكا وهذه الأبيات مما يتطير بها وجعل قافية آخر شعره هلاكا فهلك‏.‏
ولما ارتحل من شيراز بحسن حال ووفور مال فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر كما كانت في أعمال عضد الدولة فخرج عليه سرية من الأعراب فحاربهم حتى انكشفت الوقعة عن قتله وقتل ابنه محسد ونفر من غلمانه في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة‏.‏
اللاذقية
مدينة من سواحل بحر الشام عتيقة سميت باسم بانيها رومية وفيها أبنية قديمة ولها مرقاة جيدة وقلعتان متصلتان على تل مشرف على ربضها ملكها الفرنج فيما ملكوه من بلاد الساحل في حدود سنة خمسمائة‏.‏
وللمسلمين بها جامع وقاض وخطيب فإذا أذن المسلمون ضرب الفرنج بالناقوس غيظاً قال المعري‏:‏ باللاّذقيّة فتنةٌ ما بين أحمد والمسيح هذا يعالج دلبه والشّيخ من حنقٍ يصيح‏!‏ أراد بالدلب الناقوس وبالصياح الأذان‏.‏
قال ابن رطلين‏:‏ رأيت باللاذقية أعجوبة وذلك أن المحتسب يجمع الفواجر والغرباء المؤثرين للفجور في حلقته وينادي على واحدة ويتزايدون حتى إذا وقف سلمها إلى صاحبها مع ختم المطران‏.‏
وهو يأخذها إلى الفنادق فإذا وجد البطريق إنساناً لم يكن معه ختم المطران ألزمه جناية فلما كانت سنة أربع وثمانين وخمسمائة استرجعها صلاح الدين يوسف وهي إلى الآن في يد المسلمين‏.‏
اللجون حكي أن الخليل عليه السلام دخل هذه المدينة ومعه غنم له وكانت المدينة قليلة الماء فسألوه أن يرتحل لقلة الماء فضرب بعصاه هذه الصخرة فخرج منها ماء كثير اتسع على أهل المدينة حتى كانت قراهم ورساتيقهم تسقى من هذا الماء والصخرة باقية إلى الآن‏.‏
ماردين قلعة مشهورة على قلة جبل بالجزيرة ليس على وجه الأرض قلعة أحسن منها ولا أحكم ولا أعظم وهي مشرفة على دنيسر ودارا ونصيبين وقدامها ربض عظيم فيه أسواق وفنادق ومدارس وربط‏.‏
وضعها وضع عجيب ليس في شيء من البلدان مثلها وذلك أن دورهم كالدرج كل دار فوق أخرى وكل درب منها مشرف على ما تحته وعندهم عيون قليلة جل شربهم من الصهاريج المعدة في دورهم‏.‏
وقال بعض الظرفاء‏:‏ في ماردين حماها الله لي سكنٌ لولا الضّرورة ما فارقتها نفسا لأهلها ألسنٌ لان الحديد لها وقلبهم جبليٌّ قد قسا وعسا ماسبدان مدينة مشهورة بقرب السيروان كثيرة الشجر كثيرة الحمات والكباريت والزاجات والبوارق والاملاح‏.‏
بها عين عجيبة من شرب منها قذف اخلاطاً كثيرة لكنه يضر بأعصاب الرأس وإن احتقن بمائها أسهل إسهالاً عظيماً‏.‏
مجانة بلدة بإفريقية تسمى قلعة بسر لأن بسر بن أرطاة فتحها‏.‏
أرضها أرض طيبة ينبت بها زعفران كثير بها معادن الفضة والحديد والمرتك والرصاص والكحل وفي جنوبيها جبل تقطع منه أحجار الطواحين وتحمل إلى سائر بلاد العرب‏.‏
محجة من قرى حوران‏.‏
بها حجر يزوره الناس وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس عليه‏.‏
مدين
مدينة قوم شعيب عليه السلام‏.‏
بناها مدين بن إبراهيم الخليل جد شعيب وهي تجارة تبوك بين المدينة والشام‏.‏
بها البئر التي استقى منها موسى عليه السلام لماشية شعيب قيل‏:‏ إن البئر مغطاة وعليها بيت يزوره الناس‏.‏
وقيل‏:‏ مدين هي كفرمندة من أعمال طبرية وبها البئر مرسى الخرز بليدة على ساحل بحر افريقية عندها يستخرج المرجان وليس للسلطان فيه حصة فيجتمع بها التجار ويستأجرون أهل تلك النواحي على استخراج المرجان من قعر البحر حكى من شاهد كيفية استخراجه أنهم يتخذون خشبتين طول كل واحدة ذراع ويجعلونهما صليباً ويشدون فيه حجراً ثقيلاً ويصلونه بحبل ويركب صاحبه في قارب ويتوسط البحر نحو نصف فرسخ ليصل إلى منبت المرجان‏.‏
ثم يرسل الصليب إلى البحر حتى ينتهي إلى قرار البحر ويمر بالقارب يميناً وشمالاً ومستديراً ليتعلق المرجان في ذوائب الصليب ثم يقلعه بالقوة ويرقيه فيخرج جسم أغبر اللون فيحك قشره فيخرج أحمر اللون حسناً‏.‏
المرقب
بلدة وقلعة حصينة مشرفة على سواحل بحر الشام قال أبو غالب المغربي في تاريخه‏:‏ عمر المسلمون حصن المرقب في سنة أربع وخمسين وأربعمائة فجاء في غاية الحصانة والحسن حتى يتحدث الناس بحسنه وحصانته فطمع الروم فيه وطمع المسلمون في الحيلة بالروم بسببه فما زالوا حتى بيع الحصن منهم بمال عظيم‏.‏
وبعثوا شيخاً وولديه إلى انطاكية لقبض المال وتسليم الحصن فبعثوا المال مع ثلاثمائة رجل لتسلم الحصن وأخروا الشيخ عندهم‏.‏
فلما وصل المال إلى المسلمين قبضوه وقتلوا بعض الرجال وأسروا آخرين وباعوهم بمال آخر وبالشيخ وولديه وحصل الحصن والمال للمسلمين وقتل كثير من الروم‏.‏
مريسة قرية بمصر من ناحية الصعيد‏.‏
تجلب منها الحمر المريسية وهي من أجود حمر مصر وأمشاها وأحسنها صورة وأكبرها تحمل إلى سائر البلاد للتحف ليس في شيء من البلاد مثلها والبلاد الباردة لا توافقها فتموت فيها سريعاً‏.‏
وينسب إليها بشر المريسي المعتزلي‏.‏
كان في زمن المأمون وزعم انه يبين ان القرآن مخلوق وكل من شاء يناظره فيه‏.‏
وكان دليله أن القرآن لا يخلو اما أن يكون شيئاً أو لم يكن لا جائز أن يقال إن القرآن ليس بشيء لأنه كفر فتعين أن يكون شيئاً وقد قال تعالى‏:‏ الله خالق كل شيء‏.‏
فيكون خالقاً للقرآن أيضاً‏.‏
وقد غلب الناس بهذا وقبلوا منه وصاروا على هذا فاتصل هذا الخبر إلى مكة إلى عبد العزيز المكي فقام قاصداً لبغداد لدفع هذه الغمة وسأل المأمون أن يجمع بينه وبين بشر بن غياث فجمع بينهما وجرى بينهما مناظرات حاصلها أن عبد العزيز قد حجه بدليله وقال‏:‏ الالهية شيء أو ليس بشيء لا جائز أن يقال ليس بشيء لأنه كفر فتعين أن يكون شيئاً قال الله تعالى لبلقيس‏:‏ وأوتيت من كل شيء ينبغي أن تؤتى الالهية فدليلك يدل على أن بلقيس إلاهة فما ظنكم بدليل يدل على أن المخلوق إله فقيل لعبد العزيز‏:‏ هذا نقض حسن فما معنى قوله تعالى‏:‏ الله خالق كل شيء قال‏:‏ معناه الله خالق كل شيء قابل للخلق والايجاد والقديم غير قابل للخلق والايجاد وكذلك قوله تعالى‏:‏ وأوتيت من كل شيء معناه كل شيء يحتاج إليه الملوك‏.‏
فترى أوتيت الالهية والنبوة والذكورة كلها أشياء‏.‏
فاستحسن المأمون ذلك ورجع القوم عن الاعتقاد الفاسد وقام المريسي محجوجاً خائباً‏.‏
وحكى عبد الله الثقفي قال‏:‏ لما مات المريسي رأيت زبيدة في المنام فقلت لها‏:‏ ما فعل الله بك قالت‏:‏ غفر لي بأول معول ضربت في طريق مكة وأنا حفرت في طريق مكة آباراً كثيرة‏.‏
فقلت لها‏:‏ اني أرى في وجهك صفرة‏!‏ قالت‏:‏ قد حمل إلينا بشر المريسي فزفرت جهنم زقرة لقدومه هذه الصفرة من اثرها‏.‏
مريوط
قرية بمصر قرب الإسكندرية‏.‏
من عجائبها طول عمر سكانها قال ابن زولاق‏:‏ كشف الطوال المزة قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق على نصف فرسخ منها‏.‏
من جميع جهاتها أشجار ومياه وخضر وهي من أنزه أرض الله وأحسنها‏.‏
يقال لها مزة كلب يقصدها أرباب البطالة للهو والطرب قال قيس بن الرقيات‏:‏ حبّذا ليلتي بمزّة كلبٍ غال عني بها الكوانين غول بتّ أسقى بها وعندي حبيبٌ إنّه لي وللكرام خليل عندنا المشرفات من بقر الإن س هواهنّ لابن قيسٍ دليل مصر ناحية مشهورة عرضها أربعون ليلة في مثلها‏.‏
طولها من العريش إلى اسوان وعرضها من برقة إلى ايلة‏.‏
سميت بمصر بن مصرايم بن حام بن نوح عليه السلام وهي أطيب الأرض تراباً وأبعدها خراباً ولا يزال فيها بركة ما دام على وجه الأرض إنسان‏.‏
ومن عجائبها انه إن لم يصبها مطر زكت بخلاف سائر النواحي وإن أصابها ضعف زكاؤها‏.‏
ووصف بعض الحكماء مصر فقال‏:‏ إنها ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء وثلاثة أشهر مسكة أما ترى مصر كيف قد جمعت بها صنوف الرّياحين في مجلس السّوسن الغضّ والبنفسج وال ورد وصفّ البهار والنّرجس كأنّها الأرض ألبست حللاً من فاخر العبقريّ والسّندس كأنّها الجنّة التي جمعت ما تشتهيه العيون والأنفس ومن عجائبها زيادة النيل عند انتقاص جميع المياه في آخر الصيف حتى يمتليء منه جميع أرض مصر فإذا زاد اثني عشر ذراعاً ينادي المنادي كل يوم‏:‏ زاد الله في النيل المبارك كذا وكذا‏.‏
وفي وسط النيل مسجد بناه المأمون لما ذهب إلى مصر وخلف المسجد صهريج وفي وسط الصهريج عمود من الرخام الأبيض طوله أربعة وعشرون ذراعاً وكتب على كل ذراع علامة وقسم كل ذراع أربعاً وعشرين إصبعاً وكل إصبع ستة أقسام‏.‏
وللصهريج منفذ إلى النيل يدخل إليه الماء فأي مقدار زاد في النيل عرف من العمود وعلى العمود قوم أمناء يشاهدون ذلك ويخبرون عن الزيادة فإذا بلغ ستة عشر ذراعاً وجب الخراج على أهل مصر فإذا زاد على ذلك يزيد في الخصب والخير إلى عشرين فإن زاد على ذلك يكون سبباً للخراب‏.‏
واليوم الذي بلغ الماء فيه ستة عشر ذراعاً يكون يوم الزينة يخرج الناس بالزينة العظيمة لكسر الخلجان فتصير أرض مصر كلها بحراً واحداً‏.‏
والماء يخرج الفئران والثعابين من جحرتها فتدخل على الناس في القرى ويأكلها الكلاب والزيغان ويبقى ماء النيل على وجه الأرض أربعين يوماً ثم يأخذ في الانتقاص‏.‏
وكلما ظهر شيء من الأرض يزرعها الاكرة وتمشي عليها الأغنام لغيب البذر في الطين ويرمون بذراً قليلاً فيأتي بريع كثير لأن الله تعالى جعل فيه البركة‏.‏
وبها نهر النيل قالوا‏:‏ ليس على وجه الأرض نهر أطول من النيل لأن مسيره شهر في بلاد الإسلام وشهران في بلاد النوبة وأربعة أشهر في الخراب إلى أن يخرج ببلاد القمر خلف خط الاستواء‏.‏
وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال ويمد في شدة الحر عند انتقاص المياه والأنهار كلها ويزيد بترتيب وينقص بترتيب إلا النيل‏.‏
قال القضاعي‏:‏ من عجائب مصر النيل جعله الله تعالى سقياً يزرع عليه ويستغنى عن المطر به في زمان القيظ إذا نضبت المياه‏.‏
وسبب مده ان الله تعالى يبعث ريح الشمال فيقلب عليه البحر الملح فيصير كالسكر فيزيد حتى يعم الربى والعوالي ويجري في الخليج والمساقي فإذا بلغ الحد الذي هو تمام الري وحضرت أيام الحراثة بعث الله ريح الجنوب فأخرجته إلى البحر الملح وانتفع الناس بما أروى من الأرض‏.‏
ولهم مقياس ذكرنا قبل يعرفون به مقدار الزيادة ومقدار الكفاية‏.‏قال القضاعي‏:‏ أول من قاس النيل بمصر يوسف عليه السلام وبنى مقياسه بمنف وذكر أن المسلمين لما فتحوا مصر جاء أهلها إلى عمر بن العاص حين دخل بؤونه من شهر القبط وقالوا‏:‏ أيها الأمير إن لبلدنا سنة لا يجري النيل إلا بها وذلك انه إذا كان لاثنتي عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل ليجري‏.‏
فقال لهم عمرو‏:‏ إن هذا في الإسلام لا يكون وإن الإسلام يهدم ما قبله‏!‏ فأقاموا بؤونه وابيب ومسرى وهو لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى هم الناس بالجلاء‏.‏
فلما رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك فكتب عمر إليه‏:‏ قد أصبت إن الإسلام يهدم ما قبله‏!‏ وقد بعثت إليك بطاقة فألقها في داخل النيل‏.‏
وإذا في الكتاب‏:‏ من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك‏!‏ فألقى عمرو بن العاص البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء لأن مصالحهم لا تقوم إلا بالنيل فأصبحوا وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة‏.‏
وأما أصل مجراه فإنه يأتي من بلاد الزنج فيمر بأرض الحبشة حتى ينتهي إلى بلاد النوبة ثم لا يزال جارياً بين جبلين بينهما قرى وبلدان والراكب فيه يرى الجبلين عن يمينه وشماله حتى يصب في البحر‏.‏
وقيل‏:‏ سبب زيادته في الصيف أن المطر يكثر بأرض الزنجبار وتلك البلاد ينزل الغيث بها كأفواه القرب ويصب السيول إلى النيل من الجهات فإلى أن يصل إلى مصر ويقطع تلك المفاوز يكون القيظ ووقت الحاجة إليه‏.‏
من عجائب النيل التمساح لا يوجد إلا فيه وقيل بنهر السند أيضاً يوجد إلا أنه ليس في عظم النيلي وهو يعض الحيوان وإذا عض اشتبكت أسنانه واختلفت فلم يتخلص منها الذي يقع فيها حتى يقطعه‏.‏
ويحترز الإنسان من شاطيء النيل لخوف التمساح قال الشاعر‏:‏ أضمرت للنّيل هجراناً ومقليةً مذ قيل لي‏:‏ إنّما التّمساح في النّيل فمن رأى النّيل رأي العين عن كثبٍ فما أرى النّيل إلاّ في البواقيل والبواقيل‏:‏ كيزان يشرب منها أهل مصر‏.‏
وبها شجرة تسمى باليونانية موقيقوس تراها بالليل ذات شعاع متوهج يغتر برؤيتها كثير من الناس يحسبها نار الرعاة فإذا قصدها كلما زاد قرباً زادت خفاء حتى إذا وصل إليها انقطع ضوؤها‏.‏
وبها حشيشة يقال لها الدلس يتخذ منها حبال السفن وتسمى تلك الحبال القوقس‏.‏
تؤخذ طعة من هذا الحبل وتشعل فتبقى مشتعلة بين أيديهم كالشمع ثم تطفأ وتمكث طول الليل فإذا وبها نوع من البطيخ الهندي تحمل اثنتان منه على جمل قوي وهي حلوة طيبة‏.‏
وبها حمير في حجم الكباش ملمعة بشبه البغال ليس مثلها في شيء من البلاد إذا أخرجت من موضعها لم تعش‏.‏
وبها طير كثير أسود البدن أبيض الرأس يقال له عقاب النيل إذا طار يقول‏:‏ الله فوق الفوق‏!‏ بصوت فصيح يسمعه الناس يعيش من سمك النيل لا يفارق ذلك الموضع‏.‏
والبرغوث لا ينقطع بمصر شتاءً ولا صيفاً وتولد الفأر بها أكثر من تولدها في سائر البلاد فترى عند زيادة النيل تسلط الماء على جحرتها فلا يبقى في جميع ممر الماء فأرة ثم تتولد بعد ذلك بأدنى زمان‏.‏
ومن عجائب مصر الدويبة التي يقال لها النمس قال المسعودي‏:‏ هي دويبة أكبر من الجرذ وأصغر من ابن عرس أحمر أبيض البطن إذا رأت الثعبان دنت منه فينطوي عليها الثعبان ليأكلها فإذا حصلت في فمه ترخي عليه ريحاً فينقطع الثعبان من ريحها وهذه خاصية هذه الدويبة قالوا ينقطع الثعبان من شدته قطعتين فإنها لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان‏.‏
ومن عجائب مصر الهرمان المحاذيان للفسطاط قال أبو الصلت‏:‏ كل واحد منهما جسم من أعظم الحجارة مربع القاعدة مخروط الشكل ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر ذراعاً يحيط بها أربعة سطوح مثلثات متساويات الأضلاع كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعاً وهو مع هذا العظم من أحكم الصنعة واتقان الهندام وحسن التقدير لم يتأثر من تضاعف الرياح وهطل السحاب وزعزعة الزلازل‏.‏
وذكر قوم أن على الهرمين مكتوباً بخط المسند‏:‏ إني بنيتهما فمن يدعي قوة في ملكه فليهدمهما فإن الهدم أيسر من البناء قود كسوناهما بالديباج فمن استطاع فليكسهما بالحصير‏.‏
وقال ابن زولاق‏:‏ لا نعلم في الدنيا حجراً على حجر أعلى ولا أوسع منهما طولهما في الأرض أربعمائة ذراع وارتفاعهما كذلك وقال أبو عبد الله بن سلامة القضاعي في كتاب مصر‏:‏ إنه وجد في قبر من قبور الأوائل صحيفة فالتمسوا لها قارئاً فوجدوا شيخاً في دير قلمون يقرأها فإذا فيها‏:‏ إنا نظرنا فيها تدل عليه النجوم فرأينا أن آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض ثم نظرنا فوجدناه مفسداً للأرض ونباتها وحيوانها فلما تم الهرم الغربي بنى لابن أخيه الهرم المؤزر وكتبنا في حيطانها أن آفة نازلة من أقطار العالم وذلك عند نزول قلب الأسد أول دقيقة من رأس السرطان وتكون الكواكب عند نزولها إياها في هذه المواضع من الفلك الشمس والقمر في أول دقيقة من الحمل وزحل في درجة وثمان وعشرين دقيقة من الحمل والمشتري في تسع وعشرين درجة وعشرين دقيقة من الحمل والمريخ في تسع وعشرين درجة وثلاث دقائق من الحوت والزهرة في ثمان وعشرين درجة من الحوت وعطارد في تسع وعشرين درجة من الحوت والجوزهر في الميزان وأوج القمر في خمس درجات ودقائق من الأسد‏.‏
فلما مات سوريل دفن في الهرم الشرين ودفن أخوه هرجيت في الهرم الغربي ودفن ابن أخيه كرورس في الهرم الذي أسفله‏.‏
ولهذه الأهرام أبواب في ازج تحت الأرض طول كل ازج منها مائة وخمسون ذراعاً‏.‏
فأما باب الهرم الشرقي فمن الناحية الشرقية وأما باب الهرم الغربي فمن الناحية الغربية وأما باب الهرم المؤزر فمن الناحية الشمالية‏.‏
وفي الأهرام من الذهب ما لا يحتمله الوصف‏.‏
ثم ان المترجم لهذا الكلام من القبطي إلى العربي أجمل التاريخات إلى سنة خمس وعشرين ومائتين من سني الهجرة فبلغت أربعة آلاف وثلاثمائة وإحدى وعشرين سنة شمسية ثم نظر كم مضى من الطوفان إلى وقته هذا فوجده ثلاثة آلاف وتسعمائة وإحدى وأربعين سنة فألقها من الجملة الأولى فبقي ثلاثمائة وتسع وتسعون سنة فعلم أن تلك الصحيفة كتبت قبل الطوفان بهذه المدة‏.‏
وقال بعضهم‏:‏ حسرت عقول ذوي النّهى الأهرام واستصغرت لعظيمها الأحلام ملسٌ منبّقة البناء شواهقٌ قصرت لغالٍ دونهنّ سهام أقبور أملاك الأعاجم هنّ أم طلّسم رملٍ كنّ أم أعلام وزعم بعضهم أن الأهرام بمصر قبور ملوك عظام بها آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم كما تميزوا عنهم في حياتهم وأرادوا أن يبقى ذكرهم بسبب ذلك على تطاول الدهور‏.‏
وذكر محمد بن العربي الملقب بمحيي الدين‏:‏ ان القوم كانوا على دين التناسخ فاتخذوا الأهرام علامة لعلهم عرفوا مدة ذهابهم ومجيئهم إلى الدنيا بعلامة ذلك‏.‏
ومن الناس من يزعم أن هرمس الأول الذي يسميه اليونانيون أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم عليه السلام وهو ادريس علم بطوفان نوح إما بالوحي أو بالاستدلال على ذلك من أحوال الكواكب فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم إشفاقاً عليها من الدروس واحتياطاً عليها وحفظاً لها‏.‏
ومن عجائب مصر أبو الهول‏.‏
وهو صورة آدمي عظيمة مصنعة وقد غطى الرمل أكثره‏.‏
يقال‏:‏ انه طلسم للرمل لئلا يغلب على كورة الجيزة فإن الرمال هناك كثيرة شمالية متكاثفة فإذا انتهت إليها لا تتعداه والمرتفع من الرمل رأسه وكتفاه‏.‏
وهو عظيم جداً وصورته مليحة كأن الصانع الآن فرغ منه‏.‏
وقد ذكر من رأى أن نسراً عشش في أذنه وهو مصبوغ بالحمرة قال ظافر الإسكندري‏:‏ كمثل عمارتين على رحيلٍ لمحبوبين بينهما رقيب وماء النّيل تحتهما دموعٌ وصوت الرّيح عندهما نحيب ولما وصل المأمون إلى مصر نقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل فوجد في داخله مراقي ومهادي هائلة يعسر السلوك فيها ووجد في أعلاه بيتاً مكعباً طول كل ضلع منه ثمانية أذرع وفي وسطه حوضاً رخاماً مطبقاً فلما كشف غطاؤه لم يوجد فيه غير رمة بالية فأمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه‏.‏
وقال بعضهم‏:‏ ما سمعت بشيء عظيم فجئته إلا رأيته دون صفته إلا الهرمين فإني لما رأيتهما كانت رؤيتهما أعظم من صفتهما‏.‏
ومن عجائب مصر حوض لعين ماء منقور في حجر عظيم يسيل الماء إلى الحوض من تلك العين من جبل بجنب كنيسة فإذا مس ذلك الماء جنب أو حائض انقطع الماء السائل من ساعته وينتن الماء الذي في الحوض فيعرف الناس سببه فينزفون الماء الذي في الحوض وينظفونه فيعود إليه الماء على حالته الأولى‏.‏
وقد ذكر أمر هذا الحوض أبو الريحان الخوارزمي في كتابه الآثار الباقية وان هذا الحوض يسمى الطاهر‏.‏
وبها جبل المقطم وهو جبل مشرف على القرافة ممتد إلى بلاد الحبشة على شاطيء النيل الشرقي وعليه مساجد وصوامع لا نبت فيه ولا ماء غير عين صغيرة تنز في دير للنصارى يقولون انه معدن الزبرجد وسأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار فكتب عمرو بن العاص إلى عمر ابن الخطاب فكتب إليه‏:‏ ان استخبره لأي شيء بذل ما بذل فقال المقوقس‏:‏ إننا نجد في كتبنا انه غراس الجنة‏!‏ فقال عمر‏:‏ غراس الجنة لا نجد إلا للمؤمنين‏.‏
فأمره أن يتخذه مقبرة قالوا‏:‏ ان الميت هناك لا يبلى‏!‏ وبها موتى كثيرون بحالهم ما بلي منهم شيء وبها قبر روبيل بن يعقوب وقبر إليع عليه السلام‏.‏
وبها قبر عمران بن الحصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
ومن عجائبها عين الناطول وناطول اسم موضع بمصر فيه غار وفي الغار عين ينبع الماء منها ويتقاطر على الطين فيصير ذلك الطين فأراً قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ حكى لي رجل أنه رأى من ذلك الطين قطعة انقلب بعضها فأراً والبعض الآخر طين بعد‏.‏
ومن عجائبها نهر سنجة قال الأديبي‏:‏ هو نهر عظيم يجري بين حصن المنصور وكيسوم من ديار مصر لا يتهيأ خوضه لأن قراره رمل سيال إذا وطئه واطيء غاص به وعلى هذا النهر قنطرة من عجائب الدنيا وهي طاق واحد من الشط إلى الشط وتشتمل على مائتي خطوة وهي متخذة من حجر مهندم طول الحجر عشرة أذرع في ارتفاع خمسة أذرع وحكي ان عندهم طلسماً على لوح إذا عاب من القنطرة موضع أدلى ذلك اللوح على موضع العيب فينعزل عنه الماء حتى يصلح ثم يرفع اللوح فيعود الماء إلى حاله‏.‏
ومن عجائبها جبل الطير‏.‏
وهو بصعيد مصر في شرقي النيل قرب انصنا وإنما سمي بذلك لأن صنفاً من الطير الأبيض يقال له البوقير يأتي في كل عام في وقت معلوم فتعكف على هذا الجبل وفيه كوة يأتي كل واحد من هذه الطيور ويدخل رأسه في تلك الكوة ثم يخرجه ويلقي نفسه في النيل فيعوم ويذهب من حيث شاء إلى أن يدخل واحد رأسه فيقبض عليه شيء في تلك الكوة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:53 am

مليانة
مدينة كبيرة بالمغرب من أعمال بجاية مستندة إلى جبل زكار وهي كثيرة الخيرات وافرة الغلات مشهورة بالحسن والطيب وكثرة الأشجار وتدفق المياه‏.‏
حدثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني أن جبل زكار مطل على المدينة وطول الجبل أكثر من فرسخ ومياه المدينة تتدفق من سفحه وهذا الجبل لا يزال أخضر صيفاً وشتاء وأعلى الجبل مسطح يزرع وبقرب المدينة حمامات لا يوقد عليها ولا يستقى ماؤها بنيت على عين حارة عذبة الماء يستحم بها من شاء‏.‏
منبج
مدينة بأرض الشام كبيرة ذات خيرات كثيرة وأرزاق واسعة وذات مدارس وربط‏.‏
عليها سور بالحجارة المهندسة حصينة جداً‏.‏
شربهم من قني تسيح على وجه الأرض‏.‏
ينسب إليها عبد الملك بن صالح الهاشمي المشهور بالبلاغة قيل‏:‏ لما قدم الرشيد منبج قال لعبد الملك‏:‏ أهذا منزلك قال‏:‏ هو لك يا أمير المؤمنين ولي بك‏!‏ قال‏:‏ كيف صفتها قال‏:‏ طيبة الهواء قليلة الادواء‏!‏ قال‏:‏ كيف ليلها قال‏:‏ كله سحر‏!‏ قال‏:‏ صدقت إنها طيبة‏!‏ قال‏:‏ طابت بك يا أمير المؤمنين‏!‏ وأين تذهب بها عين الطيب برها حمراء وسنبلها صفراء وشجراء في فياف فيح بين قيصوم وشيح‏.‏
فأعجب الرشيد كلامه‏.‏
منف
مدينة فرعون موسى قيل‏:‏ إنها أول مدينة عمرت بمصر بعد الطوفان وهي المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها‏}‏‏.‏
وهي بقرب الفسطاط‏.‏
كان فيها أربعة أنهار تخلط مياهها في موضع سرير فرعون ولهذا قال‏:‏ وهذه الأنهار تجري من تحتي‏!‏ حكى من رأى منف قال‏:‏ رأيت فيها دار فرعون ودرت في مجالسها ومشاربها وغرفها فإذا جميع ذلك حجر واحد منقور ما رأيت فيها مجمع حجرين ولا ملتقى صخرتين‏.‏
وآثار هذه المدينة بمصر باقية قال ابن زولاق‏:‏ سمعت بعض علماء مصر يقول‏:‏ إن منف كانت ثلاثين ميلاً بيوتاً متصلة وفيها قصر فرعون قطعة واحدة وسقفه وفرشه وحيطانه حجر أخضر‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ دخلت منف فرأيت عثمان بن صالح جالساً على باب كنيسة فقال لي‏:‏ أتدري ما هذا المكتوب على هذا الباب قلت‏:‏ لا‏!‏ قال‏:‏ عليه مكتوب‏:‏ لا تلوموني على صغرها فإني اشتريت كل ذراع بمائتي دينار لشدة العمارة‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ على باب هذه الكنيسة وكر موسى عليه السلام القبطي فقضى عليه‏.‏
ومن عجائبها كنيسة الأسقف وهي من عجائب الدنيا لا يعرف طولها وعرضها مسقفة بحجر واحد‏.‏
منية هشام
قرية بأرض طبرية حكى الثعالبي أن بها عيناً يجري ماؤها سبع سنين دائماً ثم ينقطع سبع سنين هكذا على وجه الدهر وانه مشهور عندهم‏.‏
موتة قال الجيهاني‏:‏ مؤتة من أعمال البلقاء من حدود الشام أرضها لا تقبل اليهود ولا يتهيأ أن يدفنوا ومن عجائبها أن لا تلد بها عذراء فإذا قربت المرأة ولادتها خرجت منها فإذا وضعت عادت إليها‏.‏
والسيوف المشرفية منسوبة إليها لأنها من مشارف الشام قال الشاعر‏:‏
أبى الله للشّمّ الأنوف كأنّهم ** صوارم يجلوها بمؤتة صيقل
مورجان
من أعمال فارس‏.‏
بها جبل فيه كهف يقطر الماء من سقفه زعموا أن عليه طلسماً إن دخل ذلك الكهف واحد خرج من الماء ما يكفيه وإن خرج ألف خرج قدر حاجة الألف والله الموفق‏.‏
المهدية مدينة بافريقية بقرب القيروان اختطها المهدي المتغلب على تلك البلاد في سنة ثلاثمائة‏.‏
قيل‏:‏ إنه كان يرتاد موضعاً يبني فيه مدينة حصينة خوفاً من خارجي يخرج عليه حتى ظفر بهذا الموضع‏.‏
وكانت جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند فوجد فيها راهباً في مغارة فسأله عن اسم الموضع فقال‏:‏ هذه تسمى جزيرة الخلفاء‏.‏
فأعجبه هذا الاسم فبنى بها بناء وجعلها دار مملكة وحصنها بسور عال وأبواب حديد وبنى بها قصراً عالياً‏.‏
فلما فرغ من إحكامها وحكي انه لما فرغ من البناء أمر رامياً أن يرمي سهماً إلى جهة المغرب فرمى فانتهى إلى موضع المصلى فقال‏:‏ إلى هذا الموضع يصل صاحب الحمار‏!‏ يعني أبا يزيد الخارجي لأنه يركب حماراً‏.‏
فقالوا‏:‏ ان الأمر كان كما قال وان أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف ساعة ثم رجع ولم يظفر ثم أمر بعمارة مدينة أخرى إلى جانب المهدية وجعل بين المدينتين طول ميدان وأفردها بسور وأبواب وسماها زويلة وأسكن أرباب الصناعات والتجارات فيها وأمر أن تكون أموالهم بالمهدية وأهاليهم بزويلة‏.‏
قال‏:‏ إن أرادوني بكيد بزويلة فأموالهم عندي بالمهدية وإن أرادوني بالمهدية خافوا على أهاليهم بزويلة فإني آمن منهم ليلاً ونهاراً‏!‏ وشرب أهلها من الصهاريج ولهم ثلاثمائة وستون صهريجاً على عدة أيام السنة يكفيهم كل يوم صهريج إلى تمام السنة ومجيء مطر العام المقبل‏.‏
ومرساها منقورة في حجر صلد تسع مائتي مركب وعلى طرف المرسى برجان بينهما سلسلة حديد إذا أريد إدخال سفينة أرسل الحراس أحد طرفي السلسلة لتدخل الخارجة ثم يمدها‏.‏
ثم تناقصت حال ملوكها مع حصانة الموضع حتى استولى عليها الفرنج سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وبقيت في يدهم اثنتي عشرة سنة حتى قدم عبد المؤمن افريقية سنة خمس وخمسين وخمسمائة واستعادها‏.‏
وهي في يد بني عبد المؤمن إلى الآن‏.‏مدينة مشهورة بأرض فلسطين بين جبلين مستطيلة لا عرض لها وبها اجتماع السامرة وهم طائفة من اليهود واليهود بعضهم يقول‏:‏ انهم مبتدعة ملتنا‏!‏ ومنهم من يقول‏:‏ انهم كفار ملتنا‏!‏ ذكر بعض مشايخ نابلس انه ظهر هناك تنين عظيم فتوسل الناس في هلاكه وكان شيئاً هلائلاً له ناب عظيم فعلقوا نابه هناك ليتعجب الناس من عظمها وليس باصطلاحهم التنين فعرف الموضع بها وقيل نابلس‏.‏
بظاهر المدينة مسجد يقولون‏:‏ ان آدم عليه السلام سجد لربه هناك‏.‏
وبها جبل يقول اليهود ان الخليل عليه السلام أمر بذبح ولده عليه لأن في اعتقادهم أن الذبيح كان إسحق عليه السلام‏.‏
وبها عين تحت كهف تعظمه السامرة‏.‏
وبها بيت عبادة للسامرة يسمى كزيرم‏.‏
ناصرة
قرية بقرب طبرية قيل‏:‏ اسم النصارى مشتق منها لأنهم كانوا من ناصرة‏.‏
وأهلها عيروا مريم عليها السلام فهم قوم إلى هذه الغاية يعتقدون انه لا تلد بكر من غير زوج‏.‏
من عجائبها شجرة الأترج ثمرتها على هيئة النساء لها ثديان وما يشبه اليدين والرجلين وموضع القبل مفتوح وهذا أمر مشهور عندهم‏.‏مدينة بافريقية قرب القيروان قال البكري‏:‏ هي على نهر وهي كثيرة الأشجار والنخيل والثمار‏.‏
وبها عين عجيبة لا يدرك قعرها البتة ومنها يسير السائر إلى قسطنطينة في أرض لا يهتدى إلى الطريق فيها إلا بأخشاب منصوبة فإن أخذ يميناً أو شمالاً غرق في أرض دهسة تشبه الصابون في الرطوبة وقد هلك قالوا‏:‏ في تلك الأرض جماعات وعساكر ممن دخلها ولم يعرف حالهم‏.‏
وادي الرمل واد بأرض المغرب بعد بلاد الأندلس‏.‏
قال صاحب عجائب الأخبار‏:‏ لما ملك أبو ناشر ينعم سار نحو المغرب حتى انتهى إلى وادي الرمل وأراد العبور فيه فلم يجد مجازاً لأنه رمل يجري كالماء وسمع أن الرمل يسكن يوم السبت دون سائر الأيام فأرسل نفراً من أصحابه يوم السبت وأمرهم أن يقطعوه ويقيموا بالجانب الآخر إلى السبت الآخر فساروا يومهم ذلك ونجم الرمل عليهم بالليل قبل أن يقطعوه فغرقوا‏.‏
فلما أيس من رجوعهم أمر بصنم ونصبه على حافة الوادي وهو صورة رجل على فرس من نحاس وكتب على جبهته‏:‏ ليس ورائي مذهب فلا أبو ناشر الأنعام قد رام خطّةً علت فوق خطّات الملوك الأقادم إلى الجانب الغربيّ يهوي بجحفلٍ يجرّون أطراف القنا والصّوارم فلمّا دنا وادٍ خبيثٍ مسيله برملٍ تراه كالجبال الرّواكم أشار بتمثالٍ وخطّ مترجمٍ بأن ليس من بعدي مرورٌ لقاحم وادي موسى في قبلي بيت المقدس واد طيب كثير الزيتون‏.‏
نزل به موسى عليه السلام وعلم بقرب أجله فعمد إلى الحجر الذي يتفجر منه اثنتا عشرة عيناً سمره في جبل هناك فخرجت منه اثنتا عشرة عيناً وتفرقت إلى اثنتي عشرة قرية كل قرية لسبط من الأسباط ثم قبض موسى عليه السلام وبقي الحجر هناك‏.‏
وذكر القاضي أبو الحسن علي بن يوسف انه رأى الحجر هناك وانه في حجر رأس عنز وانه ليس في جميع ذلك الجبل حجر يشبهه‏.‏
وادي النمل بين جبرين وعسقلان‏.‏
مر به سليمان عليه السلام يريد غزو الشام إذ نظر إلى كراديس النمل مثل السحاب فأسمعته الريح كلام النملة تقول‏:‏ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده‏!‏ فأخذت النمل تدخل مساكنها والنملة تناديهم‏:‏ الوحى الوحى‏!‏ قد وافتكم الخيل‏!‏ فصاح بها سليمان وأراها الخاتم فجاءت خاضعة فسألها سليمان عن قولها فقالت‏:‏ يا نبي الله لما رأيت موكبك أمرت النمل بدخول مساكنها لئلا يحطمها جندك فإني أدركت ملوكاً قبلك كانوا إذا ركبوا الخيل أفسدوا‏!‏ فقال عليه السلام‏:‏ لست كأولئك إني بعثت بالاصلاح‏!‏ أخبريني كم عددكم وأين تسكنون وما تأكلون ومتى خلقتم فقالت‏:‏ يا نبي الله لو أمرت الجن والشياطين بحشر نمل الأرض لعجزوا عن ذلك لكثرتها فما على وجه الأرض واد ولا جبل ولا غاية إلا وفي أكنافها مثل ما في سلطاني‏.‏
ونأكل رزق ربنا ونشكره وخلقنا قبل أبيك آدم بألفي عام‏.‏
وإن النملة الواحدة منا لا تموت حتى تلد كراديس النمل وليس على وجه الأرض ولا في بطنها حيوان أحرص من النمل فإنها تجمع في صيفها ما يملأ بيتها وتظن أنها لا تشبع به‏.‏
ولها تسبيح وتقديس تسأل بهما ربها أن يوسع الرزق على خلقه‏.‏
فتعجب سليمان من كثرتها وهدايتها وعجائب صفاتها‏.‏
واقصة منزل بطريق مكة‏.‏
بها منارة من قرون الوحش وحوافرها‏.‏
كان السلطان ملكشاه بن الب أرسلان السلجوقي خرج بنفسه يشيع الحاج في بعض سني ملكه فلما رجع اصطاد من الوحوش شيئاً كثيراً فبنى من قرونها وحوافرها منارة هناك كما فعله سابور والمنارة باقية إلى الآن‏.‏
ودان قال البكري‏:‏ مدينة في جنوبي افريقية لها قلعة حصينة وهي مشتملة على مدينتين فيهما قبيلتان من العرب‏:‏ سهميون وحضرميون‏.‏
تسمى مدينة السهميين لباك ومدينة الحضرميين توصي وبابهما واحد‏.‏
وبين القبيلتين قتال وبقربهم صنم من حجارة منصوب على ربوة يسمى كرزة وحواليها قبائل البربر يستسقون بالصنم ويقربون له القرابين إلى زماننا هذا‏.‏
هجر مدينة كبيرة قاعدة بلاد البحرين ذات خيرات كثيرة من النخل والرمان والتين والأترج والقطن‏.‏
وبقلالها شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم نبق الجنة وكذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً‏.‏
أراد بهما قلال هجر سعتهما خمسمائة رطل‏.‏
من عجائبها‏:‏ من سكنها عظم طحاله‏.‏مدينة بفارس قرب إصطخر كثيرة البساتين والخيرات قالوا‏:‏ ان نساءها يغتلمن إذا زهرت الغبيراء كما تغتلم السنانير‏.‏
هنديجان من قرى خوزستان‏.‏
يتبرك بها المجوس ويعظمونها وبنو بها بيوت النار قال مسعر بن مهلهل‏:‏ سببه ان الهند غزت الفرس فالتقى الجمعان بهذا المكان وكان الظفر للفرس وهزمتهم هزيمة قبية فتبركوا بهذا الموضع‏.‏
والآن بها آثار عجيبة وأبنية عادية‏.‏
وتثار منها الدفائن كما تثار من أرض مصر‏.‏
هنديان
قرية بأرض فارس بين جبلين‏.‏
بها بئر يعلو منها دخان لا يتهيأ لأحد أن يقربها وإذا طار طائر فوقها سقط محترقاً‏.‏
هيت بليدة طيبة على الفرات ذات أشجار ونخيل وخيرات كثيرة وطيب الهواء والتربة وعذوبة الماء ورياض مؤنقة قال أبو عبد الله السنبسي شاعر سيف الدولة‏:‏ فيا حبّذا تيك من بلدةٍ ومنبتها الرّوض غضّاً نضيرا وبرد ثراها إذا قابلت رياح السّمائم فيها الهجيرا أحنّ إليها على نأيها وأصبر عن ذاك قلباً ذكورا حنين نواعيرها في الدّجى إذا قابلت بالضّجيج السّكورا ولو أنّ ما بي بأعوادها منوطٌ لأعجزها أن تدورا يابسة جزيرة طويلة في البحر المتوسط الشامي طولها خمسة وأربعون ميلاً وعرضها خمسة عشر ميلاً‏.‏
بها مدن وقرى والغالب عليها الجبال‏.‏
وفيها شجر الصنوبر‏.‏
وليس بها شيء من السباع لا صغيرها ولا كبيرها إلا القط البري ولا حية ولا عقرب‏.‏
وذكر أهلها انه إن حمل إليها سبع أو حية أو عقرب لم يلبث إلا ريثما يستنشق هواءها يفوت على المقام‏.‏
وانها جزيرة كثيرة الفواكه والأعناب وزبيبها في غاية الحسن‏.‏
وبها حجل كثير يفرخ في جبالها وفراخ البزاة الجيدة والنخل بها كثير جداً‏.‏قرية من أعمال حلب‏.‏
كانت بها امرأة تزعم أن الوحي يأتيها وآمن بها أبوها وكان يقول في أيمانه‏:‏ وحق بنتي النبية فهزأ أبو سنان الخفاجي بها وقال‏:‏ بحياة زينب يا ابن عبد الواحد وبحقّ كلّ نبيّةٍ في ياقد ما صار عندك روشن بن محسّنٍ فيما يقول الناس أعدل شاهد نسخ التّغافل عنه خلط عمارةٍ وافاه في هذا الزّمان البارد يزد مدينة بأرض فارس آهلة كثيرة الخيرات والغلات والثمرات‏.‏
بها صناع الحرير السندس في غاية الحسن والصفاقة يحمل منها إلى سائر البلاد‏.‏
والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:54 am



الاقليم الرابع
أوله حيث يكون الظل إذا استوى الليل والنهار نصف النهار أربعة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم وآخره حيث يكون الظل نصف النهار عند الاستواء خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم‏.‏
يبتديء من أرض الصين والتبت والختن وما بينهما ويمر على جبال قشمير وبلور وأرجان وبذخشان وكابل وغور وخراسان وقومس وجرجان وطبرستان وقوهستان وآذربيجان وأدنى العراق والجزيرة ورودس وصقلية إلى البحر المحيط من الأندلس‏.‏
وطول نهار هؤلاء في أول الإقليم أربع عشرة ساعة وربع وأوسطه أربع عشرة ساعة ونصف وآخره أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة‏.‏
وطوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ومائتان وأربعة عشر ميلاً وأربع عشرة دقيقة وعرضه مائتا ميل وتسعة وتسعون ميلاً وأربع دقائق وتكسيره ألفا ألف وأربعمائة ألف وثلاثة وسبعون ألفاً وستمائة واثنان وسبعون ميلاً واثنتان وعشرون دقيقة‏.‏
ولنذكر بعض ما فيه من المدن والقرى مرتبة على حروف المعجم والله المستعان وعليه التكلان‏.‏
بليدة بقرب ساوة طيبة إلا أن أهلها شيعة غالية جداً وبينهم وبين أهل ساوة منافرة لأن أهل ساوة كلهم سنية وأهل آبه كلهم شيعة قال القاضي أبو نصر الميمندي‏:‏ وقائلةٍ‏:‏ أتبغض أهل آبه وهم أعلام نظمٍ والكتابه فقلت‏:‏ إليك عني إنّ مثلي يعادي كلّ من عادى الصّحابه بينها وبين ساوة نهر عظيم سيما وقت الربيع‏.‏
بنى عليه أتابك شيركير رحمه الله قنطرة عجيبة وهي سبعون طاقاً ليس على وجه الأرض مثلها‏.‏
ومن هذه القنطرة إلى ساوة أرض طينها الأزب يمتنع على السابلة المرور عليها عند وقع المطر عليها فاتخذ عليها أتابك جادة من الحجارة المفروشة مقدار فرسخين لتمشي عليها السابلة من غير تعب‏.‏
آذربيجان
ناحية واسعة بين قهستان واران‏.‏
بها مدن كثيرة وقرى وجبال وأنهار كثيرة‏.‏
بها جبل سبلان قال أبو حامد الأندلسي‏:‏ انه جبل بآذربيجان بقرب مدينة أردبيل من أعلى جبال الدنيا‏.‏
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال‏:‏ من قرأ‏:‏ سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى قوله تخرجون كتب له من الحسنات بعدد كل ورقة ثلج تسقط على جبل سبلان‏!‏ قيل‏:‏ وما سبلان يا رسول الله قال‏:‏ جبل بين أرمينية وآذربيجان عليه عين من عيون الجنة وفيه قبر من قبور الأنبياء‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ على رأس الجبل عين عظيمة ماؤها جامد لشدة البرد وحول الجبل عيون حارة يقصدها المرضى وفي حضيض الجبل أشجار كبيرة وبينها حشيشة لا يقربها شيء من البهائم فإذا قرب شيء منها هرب وإن أكل منها مات‏.‏
وفي سفح الجبل قرية اجتمعت بقاضيها أبي الفرج بن عبد الرحمن الأردبيلي قال‏:‏ ما هي إلا قرية يحميها الجن‏!‏ وذكر أنهم بنوا مسجداً في القرية فاحتاجوا إلى قواعد لأعمدة المسجد فأصبحوا وعلى باب المسجد قواعد من الصخر المنحوت أحسن ما يكون‏.‏
وبها نهر الرس وهو نهر عظيم شديد جري الماء‏.‏
وفي أرضه حجارة كبيرة لا تجري السفن فيه وله أجراف هائلة وحجارة كبيرة‏.‏
زعموا أن من عبر نهر الرس ماشياً إذا مسح برجله ظهر امرأة عسرت ولادتها وضعت وكان بقزوين شيخ تركماني يقال له الخليل يفعل ذلك وكان يفيد‏.‏
حكى ديسم بن إبراهيم صاحب اذربيجان قال‏:‏ كنت أجتاز على قنطرة الرس مع عسكري فلما صرت في وسط القنطرة رأيت امرأة حاملة صبياً في قماط فرمحها بغل محمل طرحها وسقط الطفل من يدها في الماء فوصل إلى الماء بعد زمان طويل لطول مسافة ما بين القنطرة وسطح الماء فغاص وطفا بعد زمان يسير وجرى به الماء وسلم من الحجارة التي في النهر‏.‏وكان للعقبان أوكار في اجراف النهر فحين طفا الطفل رآه عقاب فانقض عليه وشبك مخالبه في قماطه وخرج به إلى الصحراء فأمرت جماعة أني ركضوا نحو العقاب ومشيت أيضاً فإذا العقاب وقع على الأرض واشتغل بخرق القماط فأدركه القوم وصاحوا به فطار وترك الصبي فلحقناه فإذا هو سالم يبكي فرددناه إلى أمه‏.‏
وبها نهر زكوير بقرب مرند لا يخوضه الفارس فإذا وصل إلى قرب مرند يغور ولا يبقى له أثر ويجري تحت الأرض قدر أربعة فراسخ ثم يظهر على وجه الأرض أخبر به الشريف محمد بن ذي العقار العلوي المرندي‏.‏
وبها نهر ذكر محمد بن زكرياء الرازي عن الجيهاني صاحب المسالك المشرقية ان باذربيجان نهراً ماؤه يجري فيستحجر ويصير صفائح حجر‏!‏ وقال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ باذربيجان نهر ينعقد ماؤه صخراً صلداً كبيراً وصغيراً‏.‏
وبها عين قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ باذربيجان عين يجري الماء عنها وينعقد حجراً والناس يملأون قالب اللبن من ذلك الماء ثم يتركونه يسيراً فالماء في القالب يصير لبناً حجرياً‏.‏
آرشت وناشقين ضيعتان من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها‏.‏
من عجائبهما أن الحديد ينطبع بآرشت ولا ينطبع بناشقين ولو أوقدوا عليه ما أوقدوا وقدر الصباغ يستوي بناشقين ولا يستوي بارشت ولو أوقدوا تحتها ما أوقدوا فلا يكون بآرشت صباغ ولا بناشين حداد أصلاً‏.‏
وإذا تحول أحد الصانعين إلى الموضع الآخر لم ينجع عمله وهذا شيء مشهور يعرفه أهل تلك البلاد‏.‏
آمل
مدينة بطبرستان مشهورة‏.‏
حدثني الأمير أبو المؤيد حسام الدين بن النعمان أنه إذا دخلها شيء من الضائنة وإن كانت من أسمن ما يكون تهزل بها جداً بهزل لا يقال إلى هزال المعز‏.‏
وذكر أنه أخبر بذلك فأمر أن يساق عدة رؤوس من الضائنة‏.‏
قال‏:‏ رأيتها بعد ستة أشهر عظاماً مغشية بجلود وبقيت الألايا كالأذناب‏.‏
أبلة
كورة بالبصرة طيبة جداً نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار متدفقة الأنهار مؤنقة الرياض والأزهار لا تقع الشمس على كثير من أراضيها ولا تبين القرى من خلال أشجارها‏.‏
قالوا‏:‏ جنان الدنيا أربع‏:‏ أبلة البصرة وغوطة دمشق وصغد سمرقند وشعب بوان‏.‏والأبلة جانبان‏:‏ شرقي وغربي أما الشرقي فيعرف بشاطيء عثمان قديماً وهو عثمان بن ابان بن عثمان بن عفان وهو العامر الآن بها الأشجار والأنهار والقرى والبساتين وهو على دجلة‏.‏
وأنهارها مأخوذة من دجلة‏.‏
وبها أنواع الأشجار وأجناس الحبوب وأصناف الثمار لا تكاد تبين قراها في وسطها من التفاف الأشجار‏.‏
وبها مشهد كان مسلحة لعمر بن الخطاب وكانت بها شجرة سدر عظيمة كل غصن منها كنخلة ودورة ساقها سبعة أذرع والناس يأخذون قشرها ويتبخرون به لدفع الحمى وكان ينجع وذكروا انه قلما يخطيء‏.‏
فلما ولي بابكين البصرة أشاروا إليه بقطعها لمصلحة وكان قد ولي البصرة مدة طويلة وحسنت سيرتهم وكان هو في نفسه رجلاً خيراً فلما قطعها أنكر الناس فعزل عن قريب عن البصرة‏.‏
وأما الجانب الغربي من الابلة فخراب غير ان فيه مشهداً يعرف بمشهد العشار وهو مشرف على دجلة وهو موضع شريف قد اشتهر بين الناس ان الدعاء فيه مستجاب‏.‏
وكان في قديم الزمان بهذا الجانب بنيان مشرف على دجلة وبساتين وقصور في وسطها وكان الماء يجري في دورها وقصورها وقد امتحقت الآن آثارها فسبحان من لا يعتريه التغير والزوال‏!‏ مدينة بأرض الجبال كثيرة المياه والأشجار بناها سابور ذو الأكتاف‏.‏
قالوا‏:‏ كانت عيوناً كلها فسدها سابور بالصوف والجلود وبنى المدينة عليها وهي في غاية النزاهة من طيب الهواء وكثرة المياه والبساتين وخارجها أطيب من داخلها‏.‏
بها بساتين يقال لها بهاء الدين اباد لم ير أكبر منها طولاً وعرضاً‏.‏
وهي عامة ينزل فيها القفل والعساكر لا يمنع أحد منها‏.‏
ولها قهندز يتحصن بها من خالف صاحب البلاد فبطلوها والآن قالوا يأوي إليها السباع لا يجسر أحد أن يأتيها‏.‏
بها عين كل نصل يسقى من مائها يبقى حاداً قطاعاً جداً‏.‏
والمدينة كلها مشتملة على طواحين تدور على الماء وأكثر ثمارها العنب والجوز ونوع من الكمثرى مدورة في حجم النارنج يقال لها العباسي لذيذة جداً ما في البلاد شيء مثلها وعندهم من ذلك كثير جداً يحملونها إلى البلاد للبيع ويعلقونها حتى يأكلوها طول شتائهم يتفكهون بها‏.‏
وأهلها أحسن الناس صورة كلهم أهل السنة لا يوجد فيهم إلا كذلك‏.‏
وفيهم أدباء وفضلاء ولهم اجتماع كلمة على دفع ظلم الولاة لا يغلبم وال أي وقت رأوا منه خلاف عادة قاموا كلهم قيام رجل واحد لدفعه‏.‏
ينسب إليها الشيخ أبو بكر الطاهري كان من الابدال معاصر الشبلي‏.‏
وله بأبهر رباط ينسب إليه وفي رباطه سرداب يدخل فيه كل جمعة ويخرج بأرض دمشق ويصلي الجمعة بجامع دمشق وهذا حديث مشهور عندهم‏.‏
وذكروا أن رجلاً تبعه ذات يوم فإذا هو بأرض لم يرها أبداً والناس مجتمعون لصلاة الجمعة فسأل بعضهم عن ذلك الموضع فضحك وقال‏:‏ أنت في دمشق وتسأل عنها‏!‏ فقام طالع المدينة فلما عاد لم يجد الشيخ هناك فجعل ينادي ويقول للناس ما جرى له فلا يصدقه أحد إلا رجل صالح قال له‏:‏ دع عنك هذا الجزع وانتظره يوم الجمعة المستقبلة فإذا حضر الشيخ ارجع معه‏!‏ فلما حضر الشيخ في الجمعة الأخرى تمسك بذيله فقال له‏:‏ لا تذكر هذا لأحد وأنا آخذك معي‏!‏ ثم أخذه معه وعاد به إلى مكانه وهذه حكاية مشهورة عنه بأبهر‏.‏
وتنسب إليها سكينة الابهرية كانت في زمن الشيخ أبي بكر‏.‏
وينسب إليها الوزير الفاضل الكامل أبو عمرو الملقب بكمال الدين كان حاله شبيهاً بحال إبراهيم بن أدهم وكان وزيراً بقزوين وكان رجلاً لطيفاً فطناً شاعراً بالعربية والعجمية محباً لأهل الخير في زمان وزارته‏.‏
فإذا في بعض الأيام ركب في موكبه ومماليكه وحواشيه فلما خرج عن المدينة قال لمماليكه‏:‏ أنتم أحرار لوجه الله‏!‏ ونزل عن الدابة ولبس اللباد وذهب إلى بيت المقدس وكان يحمل الحطب على ظهره ثم عاد إلى الشام وكان بها إلى أن توفي في سنة تسعين وخمسمائة‏.‏مدينة بخراسان بقرب سرخس بناها باورد بن جودرز وانها مدينة وبيئة رديئة الماء من شرب من مائها يحدث به العرق المديني أما الغريب فلا يفوته البتة وأما المقيم ففي أكثر أوقاته مبتلى به‏.‏
ينسب إليها أبو علي الفضيل بن غياض كان أول أمره يقطع الطريق بين سرخس وأبيورد حتى كان في بعض الربط في بعض الليالي وفي الرباط قفل فيقول بعضهم‏:‏ قوموا لنرحل‏!‏ فيقول البعض الآخر‏:‏ اصبروا فإن الفضيل في الطريق فقال لنفسه‏:‏ أنت غافل والناس يفزعون منك أعود بالله من هذه الحالة‏!‏ فتاب وذهب إلى مكة وأقام بها إلى أن مات‏.‏
وحدث سفيان بن عيينة‏:‏ لما حج الرشيد ذهب إلى زيارة الفضيل ليلاً فلما دخل عليه قال لي‏:‏ يا سفيان أيهم أمير المؤمنين فأومأت إليه وقلت‏:‏ هذا‏!‏ فقال‏:‏ أنت الذي تقلدت أمر هذا الخلق بأحسن الوجه لقد تقلدت أمراً عظيماً‏!‏ فبكى الرشيد وأمر له بألف دينار فأبى أن يقبلها فقال‏:‏ أبا علي ان لم تستحلها فأعطها ذا دين واشبع بها جائعاً واكس بها عارياً‏!‏ فأبى فلما خرج الرشيد قلت له‏:‏ أخطأت لو أخذت وصرفت في شيء من أبواب البر‏!‏ فأخذ بلحيتي وقال‏:‏ أبا محمد أنت فقيه البلد وتغلط مثل هذا الغلط لو طابت لأولئك لطابت لي‏!‏ وحكي أن الفضيل رؤي يوم عرفة على عرفات يبكي إلى آخر النهار ثم أخذ بلحيته وقال‏:‏ واخجلتاه وإن غفرت‏!‏ ومضى‏.‏
وحكي انه كان في جبل من جبال منى فقال‏:‏ لو أن ولياً من أولياء الله أمر هذا الجبل أن يمتد لامتد‏!‏ فتحرك الجبل فقال الفضيل‏:‏ اسكن لم أردك لهذا‏!‏ فسكن الجبل‏.‏
ولد الفضيل بسمرقند ونشأ بأبيورد ومات بمكة سنة سبع وثمانين ومائة‏.‏
إربل
مدينة بين الزابين لها قلعة حصينة لم يظفر بها التتر مع أنهم ما فاتهم شيء من القلاع والحصون بها مسجد يسمى مسجد الكف فيه حجر عليه أثر كف إنسان ولأهل إربل فيه أقاويل كثيرة ولا ريب انه شيء عجيب‏.‏
ينسب إليها الملك مظفر الدين كوكوبري بن زين الدين علي الصغير‏.‏
كان ملكاً شجاعاً جواداً غازياً له نكايات في الفرنج يتحدث الناس بها وكان معتقداً في أهل التصوف بنى لهم رباطاً لم يزل فيه مائتا صوفي شغلهم الأكل والرقص في كل ليلة جمعة‏.‏
وكل من جاءه من أهل التصوف آواه وأحسن إليه وإذا أراد السفر أعطاه ديناراً‏.‏
ومن أتاه من أهل العلم والخير والصلاح أعطاه على قدر رتبته‏.‏
وفي العاشر من ربيع الأول كان له دعوات وضيافات وفي هذا الوقت يجتمع عنده خلق كثير من الأطراف‏.‏
وفي اليوم الثاني عشر مولد النبي عليه السلام كان له دعوة عظيمة يحضرها جميع الحاضرين ويرجع كل واحد بخير‏.‏
وكان يبعث إلى الفرنج أموالاً عظيمة يشترى بها الأسارى‏.‏
عمر عمراً طويلاً ومات سنة تسع وعشرين وستمائة‏.‏
اردبهشتك
قرية من قرى قزوين على ثلاثة فراسخ منها‏.‏
من عجائبها عين ماء من شرب منها انطلق انطلاقاً عظيماً ويقصدها الناس من الأطراف في فصل الربيع لتنقية الباطن وبينها وبين قزوين نهر إذا جاوزوا بمائها ذلك النهر تبطل خاصيته وقد حمل من ذلك الماء إلى قزوين في جرار واستعمل ولم يعمل شيئاً‏.‏
ومن خاصية هذا الماء ان أحداً يقدر أن يشرب منه خمسة أرطال أو ستة بخلاف غيره‏.‏
أردبيل
مدينة بآذربيجان حصينة طيبة التربة عذبة الماء لطيفة الهواء في ظاهرها وباطنها أنهار كثية ومع ذلك فليس بها شيء من الأشجار التي لها فاكهة‏.‏
والمدينة في فضاء فسيح وأحاط بجميع ذلك الفضاء الجبال بينها وبين المدينة من كل صوب مسيرة يوم‏.‏
ومن عجائبها أنه إذا بناها فيروز الملك وهي من البحر على يومين بينهما دخلة شعراء عظيمة كثيرة الشجر جداً يقطعون منها الخشب الذي منه الأطباق وقصاع الخلنج‏.‏
وفي المدينة صناع كثير لإصلاحها‏.‏
ومن عجائبها ما ذكره أبو حامد الأندلسي قال‏:‏ رأيت خارج المدينة في ميدانها حجراً كبيراً كأنه معمول من حديد أكبر من مائتي رطل إذا احتاج أهل المدينة إلى المطر حملوا ذلك الحجر على عجلة ونقلوه إلى داخل المدينة فينزل المطر ما دام الحجر فيها فإذا أخرج منها سكن المطر‏.‏
والفأر بها كثير جداً بخلاف سائر البلاد وللسنانير بها عزة ولها سوق تباع فيه ينادون عليها انها سنورة صيادة مؤدبة لا هرابة ولا سراقة ولها تجار وباعة ودلالون ولها راضة وناس يعرفون‏.‏
قال سندي بن شاهك وهو من الحكماء المشهورين‏:‏ ما أعناني سوقة كما أعناني أصحاب السنانير يعمدون إلى سنور يأكل الفراخ والحمام ويكسر قفص القماري والحجل والوراشين ويجعلونه في بستوقة يشدون رأسها ثم يدحرجونها على الأرض حتى يأخذه الدوار فيجعلونه في القفص مع الفراخ فيشغله الدوار عن الفراخ‏.‏
فإذا رآه المشتري رأى عجيباً وظن انه ظفر بحاجته فيشتريه بثمن جيد فإذا مضى به إلى البيت وزال دواره يبقى شيطاناً يأكل جميع طيوره وطيور جيرانه ولا يترك في البيت شيئاً إلا سرق وأفسد وكسر فيلقى منه التباريح‏.‏وأهل أردبيل مشهورون بكثرة الأكل حكى بعض التجار قال‏:‏ رأيت بها راكباً وقدامه طبول وبوقات سألت عن شأنه فقالوا‏:‏ إنه تراهن على أكل تسعة أرطال أرز ورأس بقر وقد فعل ورطل أردبيل ألف وأربعون درهماً وأرزهم إذا طبخ يصير ثلاثة أضعاف فإنه قد غلب‏.‏
أرسلان كشاد
قلعة كانت على فرسخين من قزوين على قلة جبل‏.‏
ذكر أن الإسماعيلية في سنة خمس وتسعين وخمسمائة جاؤوا بالآلات على ظهر الدواب إليها في ليلة فلما أصبح أهل قزوين سدت مسالكها فصعب عليهم ذلك فشكوا إلى ملوك الأطراف فما أفادهم ذلك شيئاً حتى قال الشيخ علي اليوناني وكان صاحب كرامات وعجائب‏:‏ أنا أكشف عنكم هذه الغمة‏!‏ فكتب إلى خوارزمشاه تكش بن ايل ارسلان بن اتسز‏:‏ بعلامة انك كنت في ليلة كذا وكذا كنت وحدك تفكر في كذا وكذا انهض لدفع هذا الشر عن أهل قزوين وإلا لتصابن في ملكك ونفسك‏!‏ فلما قرأ خوارزمشاه كتابه قال‏:‏ هذا سر ما اطلع عليه غير الله‏!‏ فجاء بعساكره وحاصر القلعة وأخذها صلحاً وشحنها بالسلاح والرجال وسلمها إلى المسلمين وعاد‏.‏
وكانت الباطنية قد نقبوا طريقاً من القلعة إلى خارجها وأخفوا بابها فدخلوا من ذلك النقب ليلاً فلما أصبحوا كانت القلعة تموج من الرجال الباطنية فقتلوا المسلمين وملكوا القلعة فبعث الشيخ إلى خوارزمشاه مرة أخرى فجاء بنفسه وحاصرها بعساكره وأهل قزوين شهرين والباطنية عرفوا أن السلطان لا يرجع دون العرض فاختاروا تسليمها على أمان من فيها فأجابهم السلطان إلى ذلك‏.‏
قالوا‏:‏ نحن ننزل عن القلعة دفعتين فإن لم تتعرضوا للفرقة الأولى تنزل الثانية والقلعة لكم وإن تعرضتم للفرقة الأولى فالفرقة الثانية تمنعكم عن القلعة‏.‏
فلما نزلوا خدموا للسلطان وذهبوا كلهم فانتظر المسلمون نزول الفرقة الثانية فما كان فيها أحد نزلوا كلهم دفعة فأمر السلطان بتخريبها وابطال حصانتها وهي كذلك إلى زماننا هذا والله الموفق‏.‏
أرمية
بلدة حصينة بآذربيجان كثيرة الثمرات واسعة الخيرات بقربها بحيرة يقال لها بحيرة أرمية وهي بحيرة كريهة الرائحة لا سمك فيها‏.‏
وفي وسط البحيرة جزيرة بها قرى وجبال وقلعة حصينة حولها رساتيق لها مزارع واستدارة البحيرة خمسون فرسخاً يخرج منها ملح يجلو شبه التوتيا وعلى ساحلها مما يلي الشرق عليون ينبع الماء منها وإذا أصابه الهواء يستحجر‏.‏
ومن عجائبها ما ذكر صاحب تحفة الغرائب‏:‏ ان في بطائح بحر ارمية سمكة تتخذ من دهنها ومن الموم شمعة وتنصب على طرف سفينة فارغة تخلى على وجه الماء فإن السمك يأتي بنور ذلك الشمع ويرمي نفسه في السفينة حتى تمتليء السفينة من السمك ولتكن سفينة مقعرة حتى لا يفلت السمك منها‏.‏
أستوناوند قلعة مشهورة بدنباوند من أعمال الري‏.‏
وهي من القلاع القديمة والحصون الحصينة عمرت منذ ثلاثة آلاف سنة لم يعرف انها أخذت قهراً إلى أن تحصن بها ابن خوارزمشاه ركن الدين غورسايحي عند ورود التتر سنة ثماني عشرة وستمائة وقد عرض عليه استوناوند وأردهن فترجح استوناوند في نظره مع حصانة أردهن‏.‏
قالوا‏:‏ لو كان على اردهن رجل واحد لم تؤخذ منه قهراً أبداً إلا إذا أعوزته الميرة فتحصن بها فعلم التتر به ونزلوا عليها وجمعوا حطباً كثيراً جعلوه حولها ثم أضرموا في النار فانصدع صخرها وتفتت وزالت حصانتها ثم صعدوا وابن خوارزمشاه قاتل حتى قتل‏.‏
أسفجين قرية من قرى همذان من ناحية يقال لها ونجر بها منارة الحوافر وهي منارة عالية من حوافر حمر الوحش حكى أحمد بن محمد بن إسحق الهمذاني أن شابور بن أردشير الملك حكم منجموه انه يزول الملك عنه ويشقى ثم يعود إليه فقال لهم‏:‏ ما علامة عود الملك قالوا‏:‏ إذا أكلت خبزاً من الذهب على مائدة من الحديد‏!‏ فلما ذهب ملكه خرج وحده تخفضه أرض وترفعه أخرى إلى أن صار إلى هذه القرية فأجر نفسه من شيخ القرية يزرع له نهاراً ويطرد الوحش عن الزرع ليلاً فبقي على ذلك مدة وكانت نفسه نفس الملوك فرأى شيخ القرية منه أمانة وجلادة فزوج بنته منه فلما تم على ذلك أربع سنين وانقضت أيام بؤسه اتفق ان كان في القرية عرس اجتمع فيه رجالهم ونساؤهم وكانت امرأة شابور تحمل إليه كل يوم طعامه فكانت في ذلك اليوم اشتغلت عنه إلى ما بعد العصر‏.‏
فلما ذكرت عادت إلى بيتها فما وجدت إلا قرصين من الدخن فحملتهما إليه فوجدته يسقي الزرع وبينها وبينه ساقية‏.‏
فمد المسحاة إليها فجعلت القرصين عليها فقعد يأكلهما فتذكر قول المنجمين‏:‏ أكل خبز الذهب على مائدة الحديد‏.‏
فعرف أن أيام البؤس انقضت فظهر للناس واجتمع عليه العساكر وعاد إلى ملكه‏.‏
فقالوا‏:‏ ما أشد شيء عليك في أيام البؤس قال‏:‏ طرد الوحوش عن الزرع بالليل‏!‏ فصادوا في ذلك الموضع من حمر الوحش ما لا يحصى وأمر أن يبنى من حوافرها منارة فبنوا منارة ارتفاعها خمسون ذراعاً ودورتها ثلاثون مصمتة بالكلس والحجارة وحوافر الوحش حولها مسمرة بالمسامير والمنارة مشهورة في هذا الموضع إلى زماننا‏.‏
أسفرايين
بلدة بأرض خراسان مشهورة أهلها أهل الخير والصلاح‏.‏
من مفاخرها أبو الفتوح محمد بن الفضل الاسفراييني‏.‏
كان إماماً فاضلاً عالماً زاهداً أسرع الناس عند السؤال جواباً وأسكتهم عند الايراد خطاباً مع صحة العقيدة والخصال الحميدة وقلة الالتفات إلى الدنيا وذويها‏.‏
سكن بغداد مدة فلما اعتزم العود إلى خراسان شكا إليه أصحابه من مفارقته فقال‏:‏ لعل الله أراد أن تكون تربتي في جوار رجل صالح‏!‏ فلما وصل إلى بسطام فارق الدنيا ودفن بجنب الشيخ أبي يزيد البسطامي‏.‏
وحكى شيخ الصوفية ببسطام وهو عيسى بن عيسى قال‏:‏ رأيت أبا يزيد في النوم يقول‏:‏ يصل إلينا ضيف فأكرموه‏!‏ فوصل في تلك الأيام الشيخ أبو الفتح وفارق الدنيا‏.‏
وكنت جعلت لنفسي موضعاً عند تربة الشيخ أبي يزيد فآثرت الشيخ أبا الفتح به ودفنته بجنب أبي يزيد‏.‏
اشتروين
ضيعة كبيرة من ضياع قزوين على مرحلتين منها‏.‏
انها كانت قرية غناء كثيرة الخيرات وافرة الغلات‏.‏
نزل بها الشيخ نور الدين محمد بن خالد الجيلي وكان رجلاً عظيم الشأن صاحب الآيات والكرامات اتخذها وطناً وتزوج بها فحلت بها البركة وصارت أعمر مما كانت وأوفر ريعاً وأكثر أهلاً‏.‏
وكان الشيخ يزرع بها شيئاً يسيراً فيحصل منه ريع كثير يفي بنفقته أهله وضيافة زواره‏.‏
وكان الشيخ كثير الزوار يقصده الناس من الأطراف‏.‏
ومن العجب انه وقع بتلك الأرض في بعض السنين جراد ما ترك رطبها ولا يابسها وما تعرضت لزرع الشيخ بسوء‏.‏
وكانت تلك القرية محط الرحال ومحل البركة بوجود هذا الشيخ إلى أن جهلت سفهاؤها نعم الله تعالى عليهم بجوار هذا الشيخ فقالوا‏:‏ ان زروعنا تيبس بسبب زرع الشيخ لأن الماء يقصر عن زروعنا بسبب زرعه‏!‏ فلما سمع الشيخ ذلك فارق تلك القرية وتحول بأهله إلى قزوين في سنة أربع عشرة وستمائة‏.‏
فلما خرج الشيخ منها كانت كبيت نزع عماده وانهارت قبابها وانقطع الماء الذي كانوا يبخلون به على الشيخ فأخرج دهاقينها أموالاً كثيرة لعمارة القناة فما أفادهم شيئاً‏.‏
وإلى الآن هي خراب‏.‏مدينة عظيمة من أعلى المدن ومشاهيرها جامعة لأشتات الأوصاف الحميدة من طيب التربة وصحة الهواء وعذوبة الماء وصفاء الجو وصحة الأبدان وحسن صورة أهلها وحذقهم في العلوم والصناعات حتى قالوا‏:‏ كل شيء استقصى صناع أصفهان في تحسينها عجز عنها صناع جميع البلدان قال الشاعر‏:‏
لست آسى من أصفهان على شيءٍ ** سوى مائها الرّحيق الزّلال
ونسيم الصّبا ومنخرق الرّي **ح وجوٍّ صافٍ على كلّ حال
يبقى التفاح بها غضاً سنةً والحنطة ** لا تتسوس بها واللحم لا يتغير أياماً‏.‏
المدينة القديمة تسمى جي قالوا‏:‏ إنها من بناء الإسكندر‏.‏
والمدينة العظمى تسمى اليهودية وذاك أن بختنصر أخذ أسارى بيت المقدس أهل الحرف والصناعات فلما وصلوا إلى موضع أصفهان وجدوا ماءها وهواءها وتربتها شبيهة ببيت المقدس فاختاروها للوطن وأقاموا بها وعمروها‏.‏
وهي مدينة ترابها كحل وحشيشها زعفران وونيم ذبابها عسل‏.‏
من عجائبها أمر تفاحها فإنها ما دامت في أصفهان لا يكون لها كثير رائحة فإذا أخرجت منها فاحت رائحتها حتى لو كانت تفاحة في قفل لا يبقى في القفل أحد إلا يحس برائحتها‏.‏
وبها نوع من الكمثرى يقال له ملجي ليس في شيء من البلاد مثله‏.‏
وإذا وصلوا شجرة الكمثرى ولصناعها يد باسطة في تدقيق الصناعات لا ترى خطوطاً كخطوط أهل أصفهان ولا تزويقاً كتزويقهم وهكذا صناعهم في كل فن فاقوا جميع الصناع حتى ان نساجها ينسج خماراً من القطن أربعة أذرع وزنها أربعة مثاقيل‏.‏
والفخار يعمل كوزاً وزنه أربعة مثاقيل يسع ثمانية أرطال ماء وقس على هذا جميع صناعاتهم‏.‏
وأما أرباب العلوم كالفقهاء والأدباء والمنجمين والأطباء فأكثر من أهل كل مدينة سيما فحول الشعراء أصحاب الدواوين فاقوا غيرهم بلطافة الكلام وحسن المعاني وعجيب التشبيه وبديع الاقتراح مثل رفيع فارسي دبير وكمال زياد وشرف شفروه وعز شفروه وجمال عبد الرزاق وكمال إسماعيل ويمن مكي‏.‏
فهؤلاء أصحاب الدواوين الكبار لا نظير لهم في غير أصفهان‏.‏
وينسب إليها الأديب الفاضل أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني ذكر في ذلك أخبار العرب وعجائبها وأحسن أشعارهم‏.‏
كتاب في غاية الحسن كثير الفوائد لم يسبقه في ذلك أحد‏.‏
وينسب إليها الأستاذ أبو بكر بن فورك كان أشعرياً لا تأخذه في الله لومة لائم درس ببغداد مدة‏.‏
وكان جامعاً لأنواع العلوم صنف أكثر من مائة مجلد في الفقه والتفسير وأصول الدين‏.‏
ثم ورد نيسابور فبنوا له داراً ومدرسة قال الأستاذ أبو القاسم القشيري‏:‏ حكى أبو بكر بن فورك قال‏:‏ حملت إلى شيراز مقيداً لفتنة في الدين فوافينا البلد ليلاً فلما أسفر النهار ورأيت في مسجد على محرابه مكتوباً‏:‏ أليس الله بكاف عبده فعلمت أن الأمر سهل وطبت به نفساً وكان الأمر كذلك ثم دعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات مع الكرامية‏.‏
فلما عاد سم في الطريق ودرج ودفن بنيسابور ومشهده ظاهر بها يستسقى به ويجاب الدعاء فيه‏.‏
وينسب إليها الحافظ أبو نعيم الأصفهاني واحد عصره وفريد دهره‏.‏
هو صاحب حلية الأولياء وله تصانيف كثيرة وله كرامات‏:‏ حكي أن أهل أصفهان تعصبوا عليه ومنعوه من الجامع فبعث السلطان محمود إليهم والياً فوثبوا إليه وقتلوه فذهب السلطان إليهم بنفسه وآمنهم حتى اطمأنوا ثم قصدهم يوم الجمعة وأخذ أبواب الجامع وقتل فيهم مقتلة عظيمة‏.‏
فمن كان في الجامع قتل والحافظ أبو نعيم كان ممنوعاً من الجامع فسلم‏.‏
وينسب إليها صدر الدين عبد اللطيف الخجندي‏.‏
كان رئيساً مطاعاً في أصفهان عالماً واعظاً شاعراً يهابه السلاطين ويتبعه مائة ألف مسلح‏:‏ محمد بن ايلدكز أتابك السلجوقية أخذه معه لا يخليه يرجع إلى أصفهان مدة مديدة لأنه ما أراد أن يقبض عليه ظاهراً ولا أن يخليه لأنه يخاف شره فكان يستصحبه فاتخذ يوماً مجلس الوعظ وأتابك حاضر في ملجس وعظه وله ابنان صغيران واقفان بين يديه فصدر الدين شاهد ذلك على المنبر فاتخذ الفرصة وأنشد‏:‏ شاه با بندكان جفا نكند وركند رحمتش رها نكند هر كرا طفلكان خرد بود بدر از طفلكان جدا نكند بكى أتابك بكاء شديداً وكان ملكاً عادلاً رحيماً رحمه الله‏.‏
وتوفي صدر الدين في شوال سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة‏.‏
ذكر أن أهل أصفهان موصوفون بالشح‏.‏
نقل عن الصاحب أبي القاسم بن عباد وزير مجد الدولة من آل بويه انه كان يقول لأصحابه إذا أراد دخول أصفهان‏:‏ من له حاجة فليسأل قبل دخول أصفهان فإني إذا دخلتها وجدت في نفسي شحاً لم أجد في غيرها‏!‏ حكى رجل أنه تصدق برغيف على ضرير بأصفهان فقال الضرير‏:‏ أحسن الله غربتك‏!‏ فقال الرجل‏:‏ كيف عرفت غربتي قال‏:‏ لأني منذ ثلاثين سنة ما أعطاني أحد رغيفاً صحيحاً‏!‏ وحدث الأمير حسام الدين النعمان‏:‏ أن البقر بأصفهان يقوى حتى لو حصل فيها أعجف ما يكون بعد مدة يسيرة يبقى قوياً سميناً حتى يعصي ولا ينقاد‏.‏
بها مسجد يسمى مسجد خوشينه‏.‏
زعموا أن من حلف كاذباً في هذا المسجد تختل أعضاؤه وهذا أمر مستفيض عند أهل أصفهان‏.‏
بها نهر زرنروذ وهو موصوف بعذوبة الماء ولطافته يغسل الغزل الخشن بهذا الماء فيبقى ليناً ناعماً مثل الحرير مخرجه من قرية يقال لها بناكان ويجتمع إليه مياه كثيرة فيعظم أمره ويمتد ويسقي بساتين أصفهان ورساتيقها ثم يمر على مدينة أصفهان ويغور في رمال هناك‏.‏
ويخرج بكرمان على ستين فرسخاً من الموضع الذي يغور فيه فيسقي مواضع بكرمان ثم يصب في بحر الهند‏.‏
ذكر أنهم أخذوا قصبة وعلموها بعلائم وأرسلوها في الموضع الذي يغور فيه فوجدوها بعينها بأرض كرمان فاستدلوا بذلك على أنه نهر زرنروذ‏.‏
أفشنة قرية من ناحية خرميثن من ضياع بخارى قال أبو عبيد الجوزجاني‏:‏ حدثني أستاذي أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا أن أباه كان من بلخ انتقل إلى بخارى في زمن نوح بن نصر الساماني وتصرف في الأعمال وتزوج بأفشنة فولدت بها وطالعي السرطان والمشتري والزهرة فيه والقمر وعطارد في السنبلة والمريخ في العقرب والشمس في الأسد وكان المشتري في السرطان على درجة الشرف والشعرى مع الرأس على درجة الطالع فكانت الكواكب كلها في الحظوظ قال‏:‏ فلما بلغت سن التمييز سلمني إلى معلم القرآن ثم إلى معلم الأدب فكان كل شيء قرأه الصبيان على الأديب احفظه والذي كلفني أستاذي كتاب الصفات وكتاب غريب المصنف ثم أدب الكتاب ثم إصلاح المنطق ثم كتاب العين ثم شعر الحماسة ثم ديوان ابن الرومي ثم تصريف المازني ثم نحو سيبويه فحفظت تلك الكتب في سنة ونصف ولولا تعويق الأستاذ لحفظتها بدون ذلك وهذا مع حفظي وظائف الصبيان في المكتب‏.‏
فلما بلغت عشر سنين كانوا في بخارى يتعجبون مني ثم شرعت في الفقه فلما بلغت اثنتي عشرة سنة صرت أفتي في بخارى على مذهب أبي حنيفة ثم شرعت في علم الطب وصنفت القانون وأنا ابن ست عشرة سنة فمرض نوح بن نصر الساماني فجمعوا الأطباء لمعالجته فجمعوني أيضاً معهم فرأوا معالجتي خيراً من معالجات كلهم فصلح على يدي فسألت أن يوصي لخازن كتبه أن يعيرني كل كتاب طلبت ففعل فرأيت في خزانته كتب الحكمة من تصانيف أبي نصر بن طرخان الفارابي فاشتغلت بتحصيل الحكمة ليلاً ونهاراً حتى حصلتها‏.‏
فلما انتهى عمري إلى أربع وعشرين كنت أفكر في نفسي أنه لا شيء من العلوم لا أعرفه‏.‏
إلى ههنا نقل الجوزجاني عن الشيخ الرئيس‏.‏
وحكى غيره أن دولة السامانية لما انقرضت صارت مملكة ما وراء النهر لبني سبكتكين فلما ولي السلطان محمود سعى الحساد إلى السلطان في حق أبي علي فهرب من بخارى إلى خراسان واجتمع بصاحب نسا فإنه كان ملكاً حكيماً فأكرمه فعرف أعداؤه السلطان أنه عند صاحب نسا فقال لوزيره‏:‏ اكتب إلى صاحب نسا ان ابعث إلينا رأس أبي علي‏!‏ فكتب إلى صاحب نسا‏:‏ ان كان أبو علي عندك فابعده سريعاً‏!‏ وكتب بعد يوم على يد قاصد آخر ان ابعث إلينا رأس أبي علي‏.‏
فلما وصل القاصد الأول أبعده فلما وصل الثاني قال‏:‏ إنه كان عندنا فمشى منذ مدة‏!‏ فعزم أبو علي طبرستان خدمة شمس المعالي قابوس بن وشمكير وكان ملكاً فاضلاً حكيماً فلما ورد طبرستان كان قابوس محبوساً في قلعة فأتى ارض الجبال مملكة آل بويه خائفاً فورد همذان وقصد فصاداً يفصد الناس‏.‏
فطلب يوماً لفصد امرأة فلما رآها قال‏:‏ الفصد لا يصلح لها وأبى‏.‏
فطلبوا غيره فلما فصدها غشي عليها فقالوا لأبي علي‏:‏ كنت أنت مصيباً فدبر أمرها‏.‏
فوصف شيئاً من المقويات فصلحت فتعجبوا من ذكائه وقالوا‏:‏ إنه طبيب جيد‏.‏
ومرضت امرأة من بنات الملوك وعجز الأطباء عن علاجها فرآها أبو علي وقال‏:‏ مرضها العشق‏!‏ فأنكرت المرأة‏.‏
قال أبو علي‏:‏ إن شئتم أعين لكم من تعشقه‏!‏ اذكروا أسامي من يكون صالحاً لذلك وأنا أجس نبضها‏!‏ فلما ذكروا اسم معشوقها اضطرب نبضها وتغير حالها فعرف ذلك منها‏.‏
قالوا‏:‏ فما علاجها قال‏:‏ ان العشق تمكن منها تمكناً شديداً إن لم تزوجوها تتلف‏!‏ فاشتهر عند أهل همذان انه طبيب جيد حتى جاء ناس من بخارى خدموا لأبي علي خدمة الملوك‏.‏
فسأل أهل همذان عنهم فقالوا‏:‏ هذا أبو علي بن سينا‏.‏
فعرف بهمذان وذكروا أن شمس الدولة صاحب همذان كان مبتلى بالقولنج فعالجه أبو علي فاستوزره شمس الدولة فبقي في وزارته مدة وكانت دولة آل بويه متزلزلة بين أولاد الأعمام يحارب بعضهم بعضاً فلقي من الوزارة تعباً شديداً حتى نهب داره وكتبه‏.‏
فلما مات شمس الدولة وجلس ابنه مكانه استعفى أبو علي عن الوزارة واتصل بعلاء الدولة صاحب أصفهان وكان ملكاً حكيماً أكرم مثواه وكان عنده إلى أن فارق الدنيا سنة ثمان وعشرين وأربعمائة عن ثمان وخمسين سنة ودفن بهمذان‏.‏
الموت قلعة حصينة من ناحية روذبار بين قزوين وبحر الخزر على قلة جبل وحولها وهاد لا يمكن نصب المنجنيق عليها ولا النشاب يبلغها‏.‏
وهي كرسي ملك الإسماعيلية قيل‏:‏ ان بعض ملوك الديلم أرسل عقاباً للصيد وتبعها فرآها وقعت على هذا الموضع فوجده موضعاً حصيناً فاتخذه قلعة وسماها إله أموت أي تعليم العقاب بلسان الديلم‏.‏
ومنهم من قال‏:‏ اسم القلعة بتاريخها لأنها بنيت في سنة ست وأربعين وأربعمائة وهي م و ت‏.‏
ينسب إليها حسن الصباح داعي الباطنية وكان عارفاً بالحكمة والنجوم والهندسة والسحر ونظام الملك كان يكرمه لفضله فقال يوماً بطريق الفراسة‏:‏ عما قريب يصل هذا جمعاً من ضعفاء العوام‏!‏ فذهب الصباح إلى مصر ودخل على المستنصر واستأذن منه أن يدعو الناس إلى بيعته وكان خلفاء مصر يزعمون أنهم من نسل محمد بن إسماعيل بن جعفر فعاد الصباح إلى بلاد العجم حتى وصل إلى ناحية روذبار فرأى شخصاً على غصن شجرة وهو يضرب أصل الغصن بالفأس فقال في نفسه‏:‏ لا أجد قوماً أجهل من هؤلاء‏!‏ فألقى جرانه هناك وأظهر النسك وكان كوتوال الموت رجلاً علوياً حسن الظن في الصباح فأحكم الصباح أمره مع الناس وأخرج العلوي من القلعة‏.‏
وكان معه صبي قال هو من نسل محمد بن إسماعيل والإمامة كانت لأبيه والآن له واحكم أساس دعوته فيهم وقال للقوم‏:‏ لا بد للناس من معلم ومعلمكم هذا الصبي وطاعة هذا المعلم واجب عليكم فإذا رضي عنكم سعدتم في الدنيا والآخرة ولا حاجة بكم إلى شيء سوى طاعة المعلم‏.‏
فاستخف قومه فأطاعوه حتى صاروا يفدون أنفسهم له فلما عرف علماء الإسلام اعتقادهم وإخلالهم بأركان الدين افتوا بإلحادهم وجعلوا يغزونهم ويسبون منهم فقتلوا جمعاً من العظماء على يد الفداية منهم‏:‏ الخليفة المسترشد ونظام الملك وبكتمر صاحب أرمن وانقلمس صاحب العراق‏.‏
فخاف منهم ملوك جميع الأطراف‏.‏
وفي زمن المستعصم ظهر شخص باليمن يدعي الخلافة فاجتمع عليه قوم بعثوا إليه فقتلوه وكانت شوكتهم باقية إلى أن قتلوا واحداً من عظماء التتر فحاصروهم سبع سنين فتلفوا على القلاع جوعاً وهلكوا ومنهم من نزل فقتلوهم عن آخرهم واندفع شرهم‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:56 am

إيذج
مدينة بين أصفهان وخوزستان كثيرة الزلازل بها معادن كثيرة من عجائبها ضرب من القاقلى عصارتها دواء عجيب للنقرس وبها بحيرة تعرف بفم البواب ماؤها دائر إذا وقع فيها شيء من الحيوان لا يغوص بل يدور فيها حتى يموت ثم يقذف إلى الشط‏.‏
وبها قنطرة من عجائب الدنيا يقال لها قنطرة خره زاد وهي أم أردشير الملك مبنية على واد يابس لا ماء فيه إلا أوان المدود من الأمطار فإنه حينئذ يصير بحراً عجاجاً وفسحته على وجه الأرض أكثر من ألف ذراع وعمقه مائة وخمسون ذراعاً وقد ابتديء بعمل هذه القنطرة من أسفلها إلى أن بلغ بها وجه الأرض بالرصاص والحديد‏.‏
وكلما علا البناء ضيق وجعل بينه وبين جنب الوادي حشو من خبث الحديد وصب عليه الرصاص حتى صار بينه وبين وجه الأرض نحو من أربعين ذراعاً فعقدت القنطرة عليه حتى استوى أعلاها على وجه الأرض وحشي ما بينها وبين جنبي الوادي بالرصاص المخلوط بنحاتة النحاس‏.‏
وهذه القنطرة طاق واحد عجيب الصنعة محكم العمل وقد كان المسمعي قد قطعها فمكث دهراً لم يتسع لأحد أن يقوم بإصلاحها فأضر ذلك بالسابلة‏.‏
وقد صار إليها أقوام ممن يقربها واحتالوا في قلع الرصاص من حشوها بالجهد الشديد حتى أعادها أبو عبد الله محمد بن أحمد القمي وزير الحسن بن بويه‏.‏
فإنه جمع الصناع والمهندسين واستفرغ الوسع في أمرها فكان الرجال يحطون إليها في الزنابيل بالبكر والحبال ولم يمكنهم عقد الطاق إلا بعد سنين فإنه أنفق على ذلك سوى أجرة الفعلة فإن أكثرهم كانوا من رستاق إيذج وأصفهان مسخرين ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار‏.‏
والآن في مشاهدتها والنظر إليها عبرة للناظرين‏.‏
إيراوه
قرية على قلة جبل بقرب طبس كثيرة المياه والأشجار والبساتين والفواكه‏.‏
ولها قلعة حصينة ينسب إليها الشيخ أبو نصر الإيراوي رحمه الله‏.‏
كان صاحب كرامات ظاهرة‏:‏ ذكر أن أهل القرية سألوه أن يستسقي لهم في محل أصابهم فسد لله ودعا فنبعت عين من الصخر الصلد وتدفقت بماء صاف عذب وفار فوراناً شديداً فوضع الشيخ يديه عليه وقال‏:‏ اسكن بإذن الله‏!‏ فسكن‏.‏
أخبر بهذا كله الحافظ ابن النجار شيخ المحدثين ببغداد وقال‏:‏ شاهدت العين ايلابستان قرية بين اسفرايين وجرجان من عجائبها ما ذكره صاحب تحفة الغرائب ان بها مغارة يخرج منها ماء كثير ينبع من عين فيها فربما ينقطع ذلك الماء في بعض السنين أشهراً فإذا دام انقطاعه يخرج أهل القرية من الرجال بأحسن ثيابهم والدفوف والشبابات والملاهي إلى تلك العين ويرقصون عندها ويلعبون فإن الماء ينبع من العين ويجري بعد ساعة وهو ماء كثير بقدر ما يدير رحى‏.‏
بابل
اسم قرية كانت على شاطيء نهر من أنهار الفرات بأرض العراق في قديم الزمان والآن ينقل الناس آجرها‏.‏
بها جب يعرف بجب دانيال عليه السلام يقصده اليهود والنصارى في أوقات من السنة وأعياد لهم‏.‏
ذهب أكثر الناس إلى أنها هي بئر هاروت وماروت ومنهم من ذهب إلى أن بابل أرض العراق كلها‏.‏
ومن عجائبها ما ذكر أن عمر بن الخطاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال‏:‏ عجائب بابل كثيرة لكن أعجبها أمر المدن السبع كانت في كل مدينة أعجوبة‏.‏
أما المدينة الأولى فكان الملك ينزلها وفيها بيت في ذلك البيت صورة الأرض بقراها ورساتيقها وأنهارها فمتى امتنع أهل بلدة من حمل الخراج خرق أنهارهم في تلك الصورة وغرق زروعهم فحدث بأهل تلك البلدة مثل ذلك حتى رجعوا عن الامتناع فيسد أنهارهم في الصورة فينسد في بلدهم‏.‏
والمدينة الثانية كان فيه حوض عظيم فإذا جمع الملك قومه حمل كل واحد معه شراباً يشربه عند الملك وصبه في ذلك الحوض فإذا جلسوا للشرب شرب كل واحد منهم شرابه الذي كان معه وحمل من منزله‏.‏
والمدينة الثالثة كان على بابها طبل معلق فإذا غاب إنسان من أهل تلك المدينة والتبس أمره ولم يعلم حي هو أم ميت دقوا ذلك الطبل على اسمه فإن كان حياً ارتفع صوته وإن كان ميتاً لم يسمع منه صوت البتة‏.‏
والمدينة الرابع كان فيها مرآة من حديد فإذا غاب رجل عن أهله وأرادوا أن يعرفوا حاله التي هو فيها أتوا تلك المرآة على اسمه ونظروا فيها فرأوه على الحالة التي هو فيها‏.‏
والمدينة الخامسة كان على بابها عمود من نحاس وعلى رأسه اوزة من نحاس فإذا دخلها جاسوس صاحت صيحة سمعها كل أهل المدينة فعلموا أن جاسوساً دخل عليهم‏.‏والمدينة السادسة كان بها قاضيان جالسان على طرف ماء فإذا تقدم إليهما خصمان قرآ شيئاً وتفلا على رجليهما وأمراهما بالعبور على الماء فغاص المبطل في الماء دون المحق‏.‏
والمدينة السابعة كانت بها شجرة كثيرة الأغصان فإن جلس تحتها واحد أظلته إلى ألف نفس فإن زاد على الألف واحد صاروا كلهم في الشمس‏.‏
وروي عن الأعمش أن مجاهداً كان يحب أن يسمع من الأعجايب ولم يسمع بشيء من الأعاجيب منها إلا صار إليه وعاينه‏.‏
فقدم أرض بابل فلقيه الحجاج وسأله عن سبب قدومه فقال‏:‏ حاجة إلى رأس الجالوت‏!‏ فأرسله إليه وأمره بقضاء حاجته فقال له رأس الجالوت‏:‏ ما حاجتك قال‏:‏ ان تريني هاروت وماروت‏!‏ فقال لبعض اليهود‏:‏ اذهب بهذا وأدخله إلى هاروت وماروت لينظر إليهما‏.‏
فانطلق به حتى أتى موضعاً ورفع صخرة فإذا شبه سرب فقال له اليهودي‏:‏ انزل وانظر إليهما ولا تذكر الله‏!‏ فنزل مجاهد معه فلم يزل يمشي به اليهودي حتى نظر إليهما فرآهما مثل الجبلين العظيمين منكوسين على رأسيهما وعليهما الحديد من أعقابهما إلى ركبهما مصفدين فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه فذكر الله فاضطربا اضطراباً شديداً حتى كادا يقطعان ما عليهما من الحديد فخر اليهودي ومجاهد على وجههما فلما سكنا رفع اليهودي رأسه وقال لمجاهد‏:‏ أما قلت لك لا تفعل ذلك فكدنا نهلك‏!‏ فتعلق بالس بليدة على ضفة الفرات من الجانب الغربي فلم تزل الفرات تشرق عنها قليلاً قليلاً حتى صار بينهما في أيامنا هذه أربعة أميال‏.‏
بدخشان
مدينة مشهورة بأعلى طخارستان‏.‏
بها معدن البلخش المقاوم للياقوت وقد حدث من شاهده قال‏:‏ انه عروق في جبالها يكثر بها إلا أن الجيد قليل‏.‏
وبها معدن اللازورد ومعدن البيجادق وهو حجر كالياقوت وبها معدن البلور الخالص‏.‏
ومن عجائبها حجر الفتيلة وهو يشبه البردي يحسب العامة انه ريش الطائر لا تحرقه النار يدهن ويشعل فيتقد مثل الفتيلة فإذا فني الدهن بقي كما كان ولم يتغير شيء من صفته وهكذا كلما وضع في الدهن اشتعل ويتخذ منه قناديل غلاظ للخوان فإذا اتسخت ألقيت في النار فذهب عنها الدرن وصفا لونها‏.‏
وبها حجر يترك في البيت المظلم يضيء شيئاً يسيراً كل ذلك عن البشاري‏.‏
برقعيد
بليدة بين الموصل ونصيبين كانت قديماً مدينة كبيرة ممر القوافل‏.‏
يضرب بأهلها المثل في اللصوية‏.‏
يقال‏:‏ لص برقعيدي‏!‏ فكانت القوافل إذا نزلت بهم لقيت منهم الأمرين‏.‏
حكي أن قفلاً نزل بهم فذهبوا إلى بعض جدرانها احترازاً من اللصوص وجعلوا دوابهم تحت الجدار وأمتعتهم حولها واشتغلوا بحراسة ما تباعد عن الجدار لأمنهم من صوب الجدار‏.‏
فلما كان الليل صعد البرقعيديون السطح وألقوا على الدواب كلاليب أنشبوها في براذعها وجذبوها إلى السطح ولم يدر القوم إلى وقت الرحيل فطلبوا الدواب فما وجدوها فذهبوا وتركوها‏.‏
فلما كثرت منهم أمثال هذه الأفاعيل تجنبتهم القوافل وجعلوا طريقهم إلى باشزى وانتقلت الأسواق إلى باشزى وخربت برقعيد‏.‏
والآن لم يبق بها إلا طائفة صعاليك ضعفى‏.‏
ينسب إليها المغني البرقعيدي الذي يضرب به المثل في سماجة الوجه وكراهة الصوت قال‏:‏ وليلٍ كوجه البرقعيديّ ظلمةً وبرد أغانيه وطول قرونه قطعت دياجيه بنومٍ مشرّدٍ كعقل سليمان بن فهدٍ ودينه على أولقٍ فيه الهباب كأنّه أبو جابرٍ في خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنّه سنا وجه قرواشٍ وضوء جبينه بلدة بقرب همذان طيبة خصيبة كثيرة المياه والأشجار والفواكه والثمار‏.‏
فواكهها تحمل إلى المواضع التي بقربها‏.‏
وهي قليلة العرض طولها مقدار نصف فرسخ‏.‏
أرضها تنبت الزعفران‏.‏
من عجائبها ما ذكر أنه في قديم الزمان نزل على بابها عسكر فأصبحوا وقد مسخ العسكر حجراً صلداً‏.‏
وآثارها إلى الآن باقية وإن كانت التماثيل بطول الزمان تشعبت بنزول الأمطار عليها وهبوب الرياح واحتراقها بحرارة الشمس لكن لا يخفى أن هذا كان إنساناً وذاك كان بهيمة وغيرها‏.‏
بسطام
مدينة كبيرة بقومس بقرب دامغان‏.‏
من عجائبها انه لا يرى بها عاشق من أهلها وإذا دخلها من به عشق فإذا شرب من مائها زال عنه ذلك‏!‏ وأيضاً لم ير بها رمد قط وماؤها يزيل البخر إذا شرب على الريق وإن احتقن به يزيل بواسير الباطن‏.‏
والعود لا رائحة له بها ولو كان من أجود العود وتذكو بها رائحة المسك والعنبر وسائر أصناف الطيب ودجاجها لا يأكل العذرة‏.‏
وبها حيات صغار وثابات‏.‏
ينسب إليها سلطان العارفين أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي صاحب العجائب قيل له‏:‏ ما أشد ما لقيت في سبيل الله من نفسك قال‏:‏ لا يمكن وصفه‏.‏
فقيل‏:‏ ما أهون ما لقيت نفسك منك في سبيل الله قال‏:‏ أما هذا فنعم‏.‏
دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة‏.‏
وحكي أن أبا يزيد رأى في طريق مكة رجلاً معه حمل ثقيل فقال لأبي يزيد‏:‏ ما أصنع بهذا الحمل فقال له‏:‏ احمله على بعيرك واركب أنت فوقه‏.‏
ففعل الرجل ذلك وفي قلبه شيء فقال له أبو يزيد‏:‏ افعل ولا تمار فإن الله هو الحامل لا البعير‏!‏ فلم يقنع الرجل بذلك فقال أبو يزيد‏:‏ انظر ماذا ترى فقال‏:‏ أرى نفسي والحمل يمشي في الهواء والبعير يمشي فارغاً‏.‏
فقال له‏:‏ أما قلت لك إن الله هو الحامل فما صدقت حنى رأيت‏!‏ وحكي انه سمع أن بعض مريديه شرب الخمر فقال له‏:‏ اخرج معي حتى أعلمك شرب الخمر ‏!‏ فخرج معه فأدخله بعض المواخير وشرب جميع ما في دنانها ثم تنكس فجعل رأسه على الأرض ورجليه نحو الهواء وقرأ القرآن من أوله إلى آخره وقال للمريد‏:‏ إذا أردت شرب الخمر فهكذا‏!‏ مات سنة إحدى وستين ومائتين ببسطام وكان له هناك مشهد مزار متبرك به وذكر بعض الصوفية ان من نام في مشهد أبي يزيد فإذا استيقظ يرى نفسه خارجاً من المشهد‏.‏هي المدينة المشهورة التي بناها المسلمون قال الشعبي‏:‏ مصرت البصرة قبل الكوفة بسنة ونصف‏.‏
وهي مدينة على قرب البحر كثيرة النخيل والأشجار سبخة التربة ملحة الماء لأن المد يأتي من البحر يمشي إلى ما فوق البصرة بثلاثة أيام‏.‏
وماء دجلة والفرات إذا انتهى إلى البصرة خالطه ماء البحر فيصير ملحاً‏.‏
وأما نخيلها فكثير جداً قال الأصمعي‏:‏ سمعت الرشيد يقول‏:‏ نظرنا فإذا كل ذهب وفضة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة‏!‏ ومن عجائبها أمور ثلاثة‏:‏ أحدها أن دجلة والفرات يجتمعان قرب البصرة ويصيران نهراً عظيماً يجري من ناحية الشمال إلى الجنوب فهذا يسمونه جزراً ثم يرجع من الجنوب إلى الشمال ويسمونه مداً‏.‏
يفعل ذلك في كل يوم وليلة مرتين فإذا جزر نقص نقصاً كثيراً بحيث لو قيس لكان الذي ذهب مقدار ما بقي أو أكثر وينتهي كل أول شهر في الزيادة إلى غايته ويسقي المواضع العالية والأراضي القاصية ثم يشرع في الانتقاص فهذا كل يوم وليلة انقص من الذي كان قبله إلى آخر الأسبوع الأول من الشهر ثم يشرع في الزيادة فهذا كل يوم وليلة أكثر من الذي قبله إلى نصف الشهر ثم يأخذ في النقص إلى آخر الأسبوع ثم في الزيادة إلى آخر الشهر وهكذا أبداً لا ينحل هذا القانون ولا يتغير‏.‏
وثانيها انك لو التمست ذبابة في جميع بيادرها وربطها المعوذة وغيرها على نخلها في جميع معاصرها ما وجدت إلا في الفرط ولو ان معصرة دون الغيط أو تمرة منبوذة دون المسناة لما استبنها من كثرة الذبان وذكروا أن ذلك لطلسم‏.‏
وثالثها أن الغربان القواطع في الخريف تسود جميع نخل البصرة وأشجارها حتى لا يرى غصن إلا وعليه منها ولم يوجد في جميع الدهر غراب ساقط على نخلة غير مصرومة ولو بقي عليها عذق واحد‏.‏
ومناقير الغربان كالمعاول والتمر في ذلك الوقت على الأعذاق غير متماسك فلولا لطف الله تعالى لتساقط كلها بنقر الغربان ثم تنتظر صرامها فإذا تم الصرام رأيتها تخللت أصول الكرب فلا تدع حشفة إلا استخرجتها‏.‏
فسبحان من قدر ذلك لطفاً بعباده‏!‏ قال الجاحظ‏:‏ من عيوب البصرة اختلاف هوائها في يوم واحد فإنهم يلبسون القمص مرة والمبطنات مرة لاختلاف جواهر الساعات‏.‏
ومن ظريف ما قيل في اختلاف هواء البصرة قول ابن لنكك‏:‏ نحن بالبصرة في لو نٍ من العيش ظريف نحن ما هبّت شمالٌ بين جنّاتٍ وريف فإذا هبت جنوبٌ فكأنّا في كنيف ومن متنزهاتها وادي القصر ذكر الخليل أن أباه مر بوادي القصر فرأى أرضاً كالكافور وضباً يا وادي القصر نعم القصر والوادي في منزلٍ حاضرٍ إن شئت أو بادي ترفا به السّفن والظلمان حاضرةٌ والضّبّ والنّون والملاّح والحادي حكي أن عبيد الله بن زياد ابن أبيه بنى بالبصرة داراً عجيبة سماها البيضاء والناس يدخلونها ويتفرجون عليها فدخلها اعرابي قال‏:‏ لا ينتفع بها صاحبها‏!‏ ودخلها آخر وقال‏:‏ أتبنون بكل ريع آية تعبثون فقيل ذلك لعبيد الله قال لهما‏:‏ لأي شيء قلتم ما قلتم قال الأعرابي‏:‏ لأني رأيت فيها أسداً كالحاً وكلباً نابحاً وكبشاً ناطحاً‏!‏ وكان كما قال ما انتفع بها عبيد الله أخرجه أهل البصرة منها‏.‏
وقال الآخر‏:‏ آية من كتاب الله عرضت لي قرأتها فقال‏:‏ والله لأفعلن بك ما في الآية الأخرى‏:‏ وإذا بطشتم بطشتم جبارين‏.‏
فأمر أن يبنى عليه ركن من أركان قصره‏.‏
وينسب إليها أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري أوحد زمانه‏.‏
سأله الحجاج وقال‏:‏ ما تقول في عثمان وعلي قال‏:‏ أقول ما قال من هو خير مني عند من هو شر منك‏!‏ قال‏:‏ من هو قال‏:‏ موسى عليه السلام حين سأله فرعون‏:‏ ما بال القرون الأولى قال‏:‏ علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى‏.‏
علم عثمان وعلي عند الله فقال‏:‏ أنت سيد العلماء يا أبا سعيد‏!‏ وحكي أن رجلاً قال للحسن‏:‏ فلان اغتابك‏!‏ فبعث إلى ذلك الرجل طبق حلاوى وقال‏:‏ بلغني أنك نقلت حسناتك إلى ديواني فكافيتك بهذا‏.‏
وحكي ان ليلة وفاته رأى رجل في منامه منادياً ينادي‏:‏ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه‏.‏
توفي سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة‏.‏
وينسب إليها أبو بكر محمد بن سيرين وهو مولى أنس بن مالك‏.‏
كان شاباً حسن الوجه بزازاً طلب منه بعض نساء الملوك ثياباً للشري فلما حصل في دارها مع ثيابه راودته عن نفسه فقال‏:‏ أمهليني حتى أقضي حاجتي فإني حاقن‏!‏ فلما دخل بيت الطهارة لطخ جميع بدنه بالنجاسة وخرج فرأته على تلك الحالة فنفرت منه وأخرجته‏.‏
وحكي انه رأى يوسف الصديق عليه السلام في نومه فقال له‏:‏ يا نبي الله حالك عجيب مع أولئك النسوة‏!‏ فقال له‏:‏ وحالك أيضاً عجيب‏!‏ أعطاه الله علم تأويل الرؤيا جاءه رجل قال‏:‏ رأيت في نومي كأني أعلق الجواهر على الخنازير‏!‏ فقال له‏:‏ تعلم الحكمة لمن ليس أهلاً لها‏!‏ وجاءه رجل آخر وقال‏:‏ رأيت كأني أختم أفواه الرجال وفروج النساء‏!‏ فقال‏:‏ مؤذن أنت قال‏:‏ نعم‏.‏
فقال‏:‏ تؤذن في رمضان قبل طلوع الفجر‏.‏
وجاءه رجل آخر وقال‏:‏ رأيت كأني أصب الزيت في وسط الزيتون‏.‏
فقال له‏:‏ عندك جارية قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ اكشف عن حالها وينسب إليها عمرو بن عبيد‏.‏
كان عالماً زاهداً ورعاً‏.‏
كان بينه وبين السفاح والمنصور قبل خلافتهما معرفة وكانوا خائفين متواترين وعمرو بن عبيد يعاودهما في قضاء حاجتهما‏.‏
فلما صارت الخلافة إلى المنصور عصى عليه أهل البصرة فجاء بنفسه بخراب البصرة‏.‏
أهل البصرة تعلقوا بعمرو بن عبيد وسألوه أن يشفع لهم فركب حماراً وعليه نعلان من الخوص وذهب إلى المنصور فلما رآه أكرمه وقبل شفاعته وسأله أن يقبل منه مالاً فأبى قبول المال فألح عليه المنصور فأبى فحلف المنصور أن يقبله فحلف هو أن لا يقبله وكان المهدي ابن المنصور حاضراً فقال‏:‏ يا عم أيحلف الخليفة وتحلف أنت فقال‏:‏ نعم للخليفة ما يكفر به يمينه وليس لعمك ما يكفر به يمينه‏!‏ وقام من عنده وخرج والمنصور يقول‏:‏ كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد‏!‏ وحكي أن رجلاً قال له‏:‏ فلان لم يزل يذكرك بالسوء‏!‏ فقال‏:‏ والله ما راعيت حق مجالسته حين نقلت إلي حديثه ولا راعيت حقي حين بلغتني عن أخي ما أكرهه‏!‏ اعلم أن الموت يعمنا والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا‏!‏ وحكي أنه مر على قوم وقوف قال‏:‏ ما وقوفكم‏!‏ قالوا‏:‏ السلطان يقطع يد سارق‏!‏ قال‏:‏ سارق العلانية يقطع يد سارق السر‏.‏
وينسب إليها القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني‏.‏
كان إماماً عالماً فاضلاً‏.‏
ولما سمع الشيخ أبو القاسم بن برهان كلام القاضي أبي بكر ومناظرته قال‏:‏ ما سمعت كلام أحد من الفقهاء والخطباء والبلغاء مثل هذا‏.‏
وتعجب من فصاحته وبلاغته وحسن تقريره‏.‏
وزعم بعضهم أنه هو المبعوث على رأس المائة الرابعة لتجديد أمر الدين وله تصانيف كثيرة وكان مشهوراً بوفور العلم وحسن الجواب حضر بعض محافل النظر وكان أشعري الاعتقاد فقال ابن المعلم‏:‏ قد جاء الشيطان‏!‏ وابن المعلم كان شيخ الشيعة فسمع القاضي أبو بكر ما قاله فقال‏:‏ ألم تر أنا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً وحكي أن عضد الدولة أراد أن يبعث رسولاً إلى الروم وقال‏:‏ ان النصارى يسألون ويناظرون فمن يصلح قالوا‏:‏ ليس لهم مثل القاضي أبي بكر فإنه يناظرهم ويغلبهم في كل ما يقولونه‏.‏
فبعثه إلى قيصر الروم فلما أراد الدخول عليه علم الرومي انه لا يخدم كما هي عادة الرسل فاتخذ الباب الذي يدخل منه إلى قيصر باباً قصيراً من أراد دخوله ينحني فلما وصل القاضي إلى ذلك عرف الحال فأدار ظهره إلى الباب ودخل راكعاً ظهره إلى الباب فتعجب قيصر من فطنته ووقع في نفسه هيبته‏.‏
فلما أدى الرسالة رأى عنده بعض الرهابين فقال له القاضي مستهزئاً‏:‏ كيف أنت وكيف الأولاد فقال له قيصر‏:‏ إنك لسان الأمة ومقدم علماء هذه الملة‏!‏ أما علمت أن هؤلاء متنزهون عن الأهل والولد فقال القاضي‏:‏ إنكم لا تنزهون الله عن الأهل والولد وتنزهون هؤلاء فهؤلاء أجل عندكم من الله تعالى‏!‏ وقال بعض طاغية الروم للقاضي‏:‏ اخبرني عن زوجة نبيكم عائشة وما قيل فيها‏.‏
قال القاضي‏:‏ قيل في حق عائشة ما قيل في حق مريم بنت عمران وعائشة ما ولدت ومريم ولدت وقد برأ الله تعالى كل واحدة منهما‏!‏ وحكى بعض الصالحين‏:‏ انه لما توفي القاضي أبو بكر رأيت في منامي جمعاً عليهم ثياب بيض ولهم وجوه حسنة وروائح طيبة قلت لهم‏:‏ من أين جئتم قالوا‏:‏ من زيارة القاضي أبي بكر الأشعري‏.‏
قلت‏:‏ ما فعل الله به قالوا‏:‏ غفر الله له ورفع درجته‏.‏
فمشيت إليه فرأيته وعليه ثياب حسنة في روضة خضرة نضرة فهممت أن أسأله عن حاله فسمعته يقرأ بصوت عال‏:‏ ‏{‏هاؤم اقرأوا كتابيه‏.‏اني ظننت اني ملاق حسابيه‏.‏فهو في عيشة راضية‏.‏في جنة عالية‏}‏‏.‏
بغداد أم الدنيا
وسيدة البلاد وجنة الأرض ومدينة السلام وقبة الإسلام ومجمع الرافدين ومعدن الظرائف ومنشأ أرباب الغايات هواؤها ألطف من كل هواء وماؤها أعذب من كل ماء وتربتها أطيب من كل تربة ونسيمها أرق من كل نسيم‏!‏ بناها المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ولما أراد المنصور بناء مدينة بعث رواداً يرتاد موضعاً قال له‏:‏ أرى يا أمير المؤمنين أن تبنى على شاطيء دجلة تجلب إليها الميرة والأمتعة من البر والبحر وتأتيها المادة من دجلة والفرات وتحمل إليها ظرائف الهند والصين وتأتيها ميرة أرمينية وآذربيجان وديار بكر وربيعة لا يحمل الجند الكثير إلا مثل هذا الموضع‏.‏
فأعجب المنصور قوله وأمر المنجمين وفيهم نوبخت باختيار وقت للبناء فاختاروا طالع القوس الدرجة التي كانت الشمس فيها فاتفقوا على أن هذا الطالع مما يدل على كثرة العمارة وطول البقاء واجتماع الناس فيها وسلامتهم عن الأعداء‏.‏
فاستحسن المنصور ذلك ثم قال نوبخت‏:‏ وخلة أخرى يا أمير المؤمنين‏.‏
قال‏:‏ وما هي قال‏:‏ لا يتفق بها موت خليفة‏!‏ فتبسم المنصور وقال‏:‏ الحمد لله على ذلك‏.‏
وكان كما قال فإن المنصور مات حاجاً والمهدي مات بماسبذان والهادي بعيساباد والرشيد بطوس والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي والمأمون بطرسوس والمعتصم والواثق والمتوكل والمستنصر بسامرا‏.‏
ثم انتقل الخلفاء إلى التاج وتعطلت مدينة المنصور من الخلفاء قال عمارة بن عقيل‏:‏ أعاينت في طولٍ من الأرض أو عرض كبغداد من دارٍ بها مسكن الخفض صفا العيش في بغداد واخضّر عوده وعيش سواها غير خفضٍ ولا غضّ ذكر أبو بكر الخطيب أن المنصور بنى مدينة بالجانب الغربي ووضع اللبنة الأولى بيده وجعل داره وجامعها في وسطها وبنى فيها قبة فوق ايوان كان علوها ثمانين ذراعاً‏.‏
والقبة خضراء على رأسها تمثال فارس بيده رمح فإذا رأوا ذلك التمثال استقبل بعض الجهات ومد رمحه نحوها فعلموا أن بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة فلا يطول الوقت حتى يأتي الخبر ان خارجياً ظهر من تلك الجهة وقد سقط رأس هذه القبة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في يوم مطير ريح وكانت تلك القبة علم بغداد وتاج البلد ومأثرة بني العباس‏.‏
وكان بجانبها الشرقي محلة تسمى باب الطاق كان بها سوق الطير فاعتقدوا ان من تعسر عليه شيء من الأمور فاشترى طيراً من باب الطاق وأرسله سهل عليه ذلك الأمر‏.‏
وكان عبد الله بن طاهر طال مقامه ببغداد ولم يحصل له اذن الخليفة فاجتاز يوماً بباب الطاق فرأى قمرية تنوح فأمر بشرائها واطلاقها فامتنع صاحبها أن يبيعها إلا بخمسمائة درهم فاشتراها وأطلقها وأنشأ يقول‏:‏ ناحت مطوّقةٌ بباب الطّاق فجرت سوابق دمعي المهراق كانت تغرّد بالأراك وربّما كانت تغرّد في فروع السّاق فرمى الفراق بها العراق فأصبحت بعد الأراك تنوح في الأشواق تعس الفراق وتبّ حبل وتينه وسقاه من سمّ الأساود ساقي ماذا أراد بقصده قمريّةً لم تدر ما بغداد في الآفاق بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي من فكّ أسرك أن يحلّ وثاقي‏!‏ هذه صفة المدينة الغربية والآن لم يبق منها أثر‏.‏
وبغداد عبارة عن المدينة الشرقية‏.‏
كان أصلها قصر جعفر بن يحيى البرمكي والآن هي مدينة عظيمة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات‏.‏
تجبى إليها لطائف الدنيا وظرائف العالم إذ ما من متاع ثمين ولا عرض نفيس إلا ويحمل إليها فهي مجمع لطيبات الدنيا ومحاسنها ومعدن لأرباب الغايات وآحاد الدهر في كل علم وصنعة‏.‏
وبها حريم الخلافة وعليه سور ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كشبه الهلال وله أبواب‏:‏ باب سوق التمر باب شاهق البناء عال أغلق من أول أيام الناصر واستمر إغلاقه‏.‏
ذكر أن المسترشد خرج منه فأصابه ما أصابه فتطيروا به وأغلقوه‏.‏
وباب النوبي وعنده العتبة التي يقبلها الملوك والرسل إذا قدموا بغداد‏.‏
وباب العامة وعليه باب عظيم من الحديد نقله المعتصم من عمورية لم ير مصراعان أكبر منهما من الحديد‏.‏
ومن عجائبها دار الشجرة من أبنية المقتدر بالله دار فيحاء ذات بساتين مؤنقة وإنما سميت بذلك لشجرة كانت هناك من الذهب والفضة في وسط بركة كبيرة أمام أبوابها ولها من الذهب والفضة ثمانية عشر غصناً ولكل غصن فروع كثيرة مكللة بأنواع الجواهر على شكل الثمار‏.‏
وعلى أغصانها أنواع الطير من الذهب والفضة إذا هب الهواء سمعت منها الهدير والصفير‏.‏
وفي جانب الدار عن يمين البركة تمثال خمسة عشر فارساً ومثله عن يسار البركة قد ألبسوا أنواع الحرير المدبج مقلدين بالسيوف وفي أيديهم المطارد يحركون على خط واحد فيظن أن كل واحد قاصد إلى صاحبه‏.‏
ومن مفاخرها المدرسة التي أنشأها المستنصر بالله‏.‏
لم يبن مثلها قبلها في حسن عمارتها ورفعة بنائها وطيب موضعها على شاطيء دجلة وأحد جوانبها في الماء‏.‏
لم يعرف موضع أكثر منها أوقافاً ولا أرفه منها سكاناً‏.‏
وعلى باب المدرسة ايوان ركب في صدره صندوق الساعات على وضع عجيب يعرف منه أوقات الصلوات وانقضاء الساعات الزمانية نهاراً وليلاً قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي‏:‏ يا أيّها المنصور يا مالكاً برايه صعب اللّيالي يهون‏!‏ شيّدت لله ورضوانه أشرف بنيانٍ يروق العيون إيوان حسنٍ وصفه مدهشٌ يحار في منظره النّاظرون‏!‏ صوّر فيه فلكٌ دائرٌ والشّمس تجري ما لها من سكون دائرةٌ من لازوردٍ حلت نقطة تبرٍ فيه سرٌّ مصون فتلك في الشّكل وهذا معاً كمثل هاءٍ ركّبت وسط نون فهي لإحياء العلى والنّدى دائرةٌ مركزها العالمون وأما أولو الفضل من العلماء والزهاد والعباد والأدباء والشعراء والصناع فلا يعلم عددهم إلا الله‏.‏
ولنذكر بعض مشاهيرها إن شاء الله‏.‏
ينسب إليها القاضي أبو يوسف ذكر أنه كان رآه رجل يهودي وقت الظهيرة يمشي راكباً على بغلة واليهودي يمشي راجلاً جائعاً ضعيفاً فقال للقاضي‏:‏ أليس نبيكم يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ فأنت في السجن وأنا في الجنة والحالة هذه‏!‏ فقال القاضي‏:‏ نعم يا عدو الله بالنسبة إلى ما أعد الله لي من الكرامة في الآخرة في السجن وأنت بالنسبة إلى ما أعد الله لك في الآخرة من العذاب في الجنة‏!‏ وحكي أن الهادي الخليفة اشترى جارية فاستفتى فقال الفقهاء‏:‏ لا بد من الاستبراء أو الاعتاق والتزويج‏.‏
فقال القاضي أبو يوسف‏:‏ زوجها من بعض أصحابك وهو يطلقها قبل الدخول وحلت لك‏.‏وحكي أن الرشيد قال لزبيدة‏:‏ أنت طالق ثلاثاً إن بت الليلة في مملكتي‏!‏ فاستفتوا في ذلك فقال أبو يوسف‏:‏ تبيت في بعض المساجد فإن المساجد لله‏!‏ فولاه القضاء بجميع مملكته‏.‏
وحكي أن زبيدة قالت للرشيد‏:‏ أنت من أهل النار‏.‏
فقال لها‏:‏ إن كنت من أهل النار فأنت طالق ثلاثاً‏!‏ فسألوا عنه فقال‏:‏ هل يخاف مقام ربه قالوا‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ فلا يقع الطلاق لأن الله تعالى يقول‏:‏ ولمن خاف مقام ربه جنتان‏.‏
وينسب إليها القاضي يحيى بن أكثم‏.‏
كان فاضلاً غزير العلم ذكي الطبع لطيفاً حسن الصورة حلو الكلام كان المأمون يرى له لا يفارقه ويضرب به المثل في الذكاء‏.‏
ولي القضاء وهو ابن سبع عشرة سنة فقال بعض الحاضرين في مجلس الخليفة‏:‏ أصلح الله القاضي‏!‏ كم يكون سن عمره فعلم يحيى انه قصد بذلك استحقاره لقلة سنه فقال‏:‏ سن عمري مثل سن عمر بن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله عليه السلام قضاء مكة‏!‏ فتعجب الحاضرون من جوابه‏.‏
وحكي انه كان ناظر الوقوف ببغداد فوقف العميان له وقالوا‏:‏ يا أبا سعيد اعطنا حقنا‏!‏ فأمر بحبسهم فقيل له‏:‏ لم حبست العميان وقد طلبوا حقهم فقال‏:‏ هؤلاء يستحقون ابلغ من ذلك إنهم شبهوني بأبي سعيد اللوطي من مدينة كذا‏!‏ وكان هذا قصدهم فما فات القاضي ذلك‏.‏وحكي انه اجتاز بجمع من مماليك الخليفة صبياناً حساناً فقال لهم‏:‏ لولا أنتم لكنا مؤمنين‏.‏
فعرف المأمون ذلك فأمر أن يذهب كل يوم إلى باب داره أربعمائة مملوك حسن الصورة حتى إذا ركب يمشون في خدمته إلى دار الخلافة ركاباً‏.‏
وينسب إليها أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل‏.‏
كان أصله من مرو وجيء به حملاً إلى بغداد فنشأ بها‏.‏
فلما كان أيام المعتصم وقع في محنة المعتزلة جمع المعتصم بينه وبين المعتزلة وكبيرهم القاضي أبو داود‏.‏
قالوا‏:‏ ان القرآن مخلوق‏!‏ قال لهم أحمد‏:‏ ما الدليل على ذلك قالوا‏:‏ قوله تعالى‏:‏ وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث‏.‏
فقال لهم أحمد‏:‏ المراد من الذكر ههنا الذكر عند قوله تعالى‏:‏ ص والقرآن ذي الذكر‏.‏
فالذكر مضاف إلى القرآن فيكون غير القرآن وههنا مطلق وفي ص مقيد فيجب حمل المطلق على المقيد‏.‏
فانقطعت حجتهم فقال المعتصم لأبي داود‏:‏ ما تقول في هذا فقال القاضي‏:‏ هذا ضال مضل يجب تأديبه‏!‏ وعن ميمون بن الإصبع قال‏:‏ كنت حاضراً عند محنة أحمد فلما ضرب سوطاً قال‏:‏ بسم الله فلما ضرب الثاني قال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله فلما ضرب الثالث قال‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق فلما ضرب الرابع قال‏:‏ لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا‏!‏ وعن محمد بن إسماعيل قال‏:‏ سمعت شاباً يقول‏:‏ ضربت لأحمد ثمانين سوطاً لو ضربت فيلاً لهدته فجرى دمه تحت الخشب‏!‏ ثم أمر بحبسه فانتشر ذكر ذلك واستقبح من الخليفة وورد كتاب المأمون من طرسوس يأمر بإشخاص أحمد‏.‏
فدعا المعتصم عند ذلك أحمد وقال للناس‏:‏ أتعرفون هذا الرجل قالوا‏:‏ نعم هو أحمد بن حنبل‏.‏
قال‏:‏ انظروا إليه ما به كسر ولا هشم‏.‏
وسلمه إليهم‏.‏
وحكى صالح بن أحمد قال‏:‏ دخلت على أبي وبين يديه كتاب كتب إليه‏:‏ بلغني أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدين وقد بعثت إليك أربعة آلاف درهم على يد فلان لا من زماة ولا من صدقة وإنما هي من إرث أبي‏!‏ فقال أحمد‏:‏ قل لصاحب هذا الكتاب‏:‏ أما الدين فصاحبه لا يرهقنا ونحن نعافيه والعيال في نعمة من الله‏.‏
قال‏:‏ فذهبت إلى الرجل وقلت له ما قاله أبي والله يعلم ما نحن فيه من الضيق‏.‏
فلما مضت سنة قال‏:‏ لو قبلناها لذهبت‏!‏ وحكى أحمد بن حرار قال‏:‏ كانت أمي زمنةً عشرين سنة فقالت لي يوماً‏:‏ اذهب إلى أحمد بن حنبل وسله أن يدعو الله لي‏.‏
فذهبت ودققت الباب فقالوا‏:‏ من قلت‏:‏ رجل من ذاك الجانب وسألتني أمي الزمنة ان أسألك أن تدعو الله لها‏.‏
فسمعت قائلاً يقول‏:‏ نحن أحوج إلى من يدعو الله لنا‏!‏ فوليت منصرفاً فخرجت عجوز من داره وقالت‏:‏ أنت الذي كلمت أبا عبد الله قلت‏:‏ نعم‏.‏
قالت‏:‏ تركته يدعو الله لها‏.‏
فجئت إلى بيتي ودققت الباب فخرجت أمي وذكروا أن أحمد بن حنبل جعله المعتصم في حل يوم قتل بابك الخرمي أو يوم فتح عمورية‏.‏
وتوفي أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين عن تسع وسبعين سنة‏.‏
وحكى أبو بكر المروزي قال‏:‏ رأيت أحمد بن حنبل بعد موته في المنام في روضة وعليه حلتان خضراوان وعلى رأسه تاج من نور وهو يمشي مشياً لم أكن أعرفه‏.‏
فقلت‏:‏ يا أحمد ما هذه المشية قال‏:‏ هذه مشية الخدام في دار السلام‏!‏ فقلت‏:‏ ما هذا التاج الذي أراه فوق رأسك فقال‏:‏ ان ربي أوقفني وحاسبني حساباً يسيراً وحباني وقربني وأباحني النظر وتوجني بهذا التاج وقال لي‏:‏ يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به كما قلت القرآن كلامي غير مخلوق‏.‏
وينسب إليها أبو علي الحسين بن صالح بن خيران‏.‏
كان عالماً شافعي المذهب جامعاً بين العلم والعمل والورع‏.‏
طلبه علي بن عيسى وزير المقتدر لتوليته القضاء فأبى وهرب فختم بابه بضعة عشر يوماً قال أبو عبد الله بن الحسن العسكري‏:‏ كنت صغيراً وعبرت مع أبي على باب أبي علي بن خيران وقد وكل به الوزير علي بن عيسى وشاهدت الموكلين على بابه فقال لي أبي‏:‏ يا بني ابصر هذا حتى تتحدث إن عشت أن إنساناً فعل به هذا فامتنع عن القضاء‏.‏
ثم إن الوزير عفا عنه وقال‏:‏ ما أردنا بالشيخ أبي علي إلا خيراً وأردنا أن نعلم الناس أن في ملكنا رجلاً يعرض عليه قضاء الشرق والغرب وهو لا يقبل‏.‏
توفي ابن خيران في حدود عشرين وثلاثمائة‏.‏
وينسب إليها أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي‏.‏
كان عالماً بعلم التفسير والحديث والفقه والأدب والوعظ وله تصانيف كثيرة في فنون العلوم‏.‏
وكان أيضاً ظريفاً سئل وهو على المنبر‏:‏ أبو بكر أفضل أم علي فقال‏:‏ الذي كانت ابنته تحته‏!‏ فقالت السنية‏:‏ فضل أبا بكر‏!‏ وقالت الشيعة‏:‏ فضل علياً‏!‏ وكانت له جارية حظية عنده فمرضت مرضاً شديداً فقال وهو على المنبر‏:‏ يا إلهي يا إلهي ما لنا شيء إلا هي قد رمتني بالدواهي والدواهي والدواهي‏:‏ ونقل أنهم كتبوا على رقعة إليه وهو على المنبر‏:‏ إن ههنا امرأة بها داء الابنة والعياذ بالله تعالى فماذا تصنع بها فقال‏:‏ يقولون ليلى في العراق مريضةٌ فيا ليتني كنت الطّبيب المداويا توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة‏.‏
وينسب إليها الوزير علي بن عيسى وزير المقتدر ووزير ابنه المطيع‏.‏
ركب يوم الموسم كما كان الوزراء يركبون في موكب عظيم فرآه جمع من الغرباء قالوا‏:‏ من هذا وكانت امرأة عجوز تمشي على الطريق قالت‏:‏ كم تقولون من هذا هذا واحد سقط من عين الله تعالى فابتلاه الله بهذا كما ترونه‏!‏ فسمع هذا القول علي بن عيسى فرجع إلى بيته واستعفى من الوزارة وجاور مكة إلى أن مات‏.‏
وينسب إليها أبو نصر بشر بن الحرث الحافي‏.‏
ذكر أيوب العطار انه قال له بشر‏:‏ ألا أحدثك عن بدو أمري بينا أنا أمشي إذ رأيت قرطاساً على وجه الأرض عليه اسم الله تعالى فأخذته وكنت لا أملك إلا درهماً واحداً اشتريت به الماورد والمسك غسلت القرطاس بالماورد وطيبته بالمسك ثم رجعت إلى منزلي ونمت فأتاني آت يقول‏:‏ طيبت اسمي لأطيبن ذكرك وطهرته لأطهرن قلبك‏!‏ وحكت زبيدة أخت بشر أن بشراً دخل علي ليلةً من الليالي فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارجها وهو كذلك إلى أن أصبح فقلت له‏:‏ في ماذا كنت تفكر قال‏:‏ في بشر اليهودي وبشر النصراني وبشر المجوسي‏!‏ ونفسي ما الذي سبق مني خصتني الله تعالى دونهم فتفكرت في تفضيله وحمدته على أن جعلني من خاصته وألبسني أحبائه‏.‏
وحكي أن بشراً الحافي دعي إلى دعوة فلما وضع الطعام بين يديه أراد أن يمد يده إليه فما امتدت حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال بعض الحاضرين الذي كان يعرف بشراً‏:‏ ما كان لصاحب الدعوة حاجة إلى إحضار من أظهر أن طعامه ذو شبهة‏.‏وحكي أن أحمد بن حنبل سئل عن مسألة في الورع فقال‏:‏ لا يحل لي أن أتكلم في الورع وأنا آكل من غلة بغداد‏!‏ لو كان بشر بن الحرث حاضراً لأجابك فإنه لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد‏!‏ توفي سنة تسع وعشرين ومائتين عن خمس وسبعين سنة‏.‏
وحكى الحسن بن مروان ال‏:‏ رأيت بشراً الحافي في المنام بعد موته فقلت له‏:‏ أبا نصر ما فعل الله بك فقال‏:‏ غفر لي ولكل من تبع جنازتي‏!‏ وكانت جنازته قد رفعت أول النهار فما وصل إلى القبر إلا وقت العشاء لكثرة الخلق‏.‏
وقال لي خزيمة‏:‏ رأيت أحمد بن حنبل في المنام فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب‏!‏ قلت‏:‏ فما فعل الله ببشر قال‏:‏ بخ بخ‏!‏ من مثل بشر تركته بين يدي الخليل وبين يديه مائدة الطعام والخليل مقبل عليه وهو يقول له‏:‏ كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب وانعم يا من لم ينعم‏!‏ وقال غيره‏:‏ رأيت بشراً الحافي في المنام فقلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي وقال يا بشر أما استجبت مني وكنت تخافني كل ذلك الخوف ورآه غيره فقال له‏:‏ ما فعل الله بك فقال‏:‏ قال لي يا بشر لقد توفيتك يوم توفيتك وما على وجه الأرض أحب إلي منك‏!‏ وينسب إليها أبو عبد الله الحرث بن أسد المحاسبي‏.‏
كان عديم النظير في زمانه علماً وورعاً وحالاً‏.‏
كان يقول‏:‏ ثلاثة أشياء عزيزة‏:‏ حسن الوجه مع الصيانة وحسن الخلق مع الديانة وحسن الإجابة مع الأمانة مات أبوه أسد المحاسبي وخلف من المال ألوفاً ما أخذ الحرث منه حبة وكان محتاجاً إلى دانق وذاك لأن أباه كان رافضياً‏.‏
فقال الحرث‏:‏ أهل ملتين لا يتوارثان‏!‏ وحكى الجنيد‏:‏ ان المحاسي اجتاز بي يوماً فرأيت أثر الجوع في وجهه فقلت‏:‏ يا عم لو دخلت علينا ساعةً‏!‏ فدخل فعمدت إلى بيت عمي وكان عندهم أطعمة فاخرة فجئت بأنواع من الطعام ووضعته بين يديه‏.‏
فمد يده وأخذ لقمة رفعها إلى فيه يلوكها ولا يزدردها ثم قام سريعاً ورمى اللقمة في الدهليز وخرج ما كلمني‏.‏
فلما كان الغد قلت‏:‏ يا عم سررتني ثم نغصت علي‏!‏ فقال‏:‏ يا بني أما الفاقة فكانت شديدة وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي جعلته بين يدي ولكن بيني وبين الله علامة وهي أن الطعام إذا لم يكن مرضياً يرتفع منه إلى أنفي زفر لا تقبله نفسي‏!‏ توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين‏.‏
وينسب إليها أبو الحسن السري بن المغلس السقطي خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه وتلميذ معروف الكرخي‏.‏
دعا له أستاذه معروف وقال له‏:‏ أغنى الله قلبك‏!‏ فوضع الله تعالى فيه الزهد‏.‏
وقيل‏:‏ ان امرأة اجتازت بالسري ومعها ظرف فيه شيء فسقط من يدها وانكسر فأخذ السري شيئاً من دكانه وأعطاها بدل ما ضاع عليها فرأى معروف ذلك فأعجبه وقال له‏:‏ ابغض الله إليك الدنيا‏!‏ فتركها وتزهد كما دعا له‏.‏وحكي أن امرأة جاءت إلى السري وقالت‏:‏ يا أبا الحسن أنا من جيرانك وإن ابني أخذه الطائف واني أخشى أن يؤذيه فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه أحداً‏.‏
فقام يصلي وطول صلاته فقالت المرأة‏:‏ أبا الحسن الله الله في ولدي‏!‏ إني أخشى أن يؤذيه السلطان‏!‏ فسلم وقال لها‏:‏ أنا في حاجتك‏.‏
فما برحت حتى جاءت امرأة وقالت لها‏:‏ لك البشرى فقد خلوا عن ابنك‏!‏ حكى الجنيد قال‏:‏ دخلت على السري فإذا هو قاعد يبكي وبين يديه كوز مكسور قلت‏:‏ ما سبب البكاء قال‏:‏ كنت صائماً فجاءت ابنتي بكوز ماء فعلقته حتى يبرد فأفطر عليه فأخذتني عيني فنمت فرأيت جارية دخلت علي من هذا الباب في غاية الحسن فقلت لها‏:‏ لمن أنت قالت‏:‏ لمن لا يبرد الماء في الكيزان الخضر‏!‏ وضربت بكمتها الكوز ومرت وهو هذا‏.‏
قال الجنيد‏:‏ فمكثت اختلفت إليه مدة طويلة أرى الكوز المكسور بين يديه‏.‏
وحكي أن السري كل ليلة إذا أفطر ترك لقمة فإذا أصبح جاءت عصفورة وأكلت تلك اللقمة من يده‏.‏
فجاءت العصفورة في بعض الأيام ووقعت على شيء من جدار حجرته ثم طارت وما أكلت اللقمة فحزن الشيخ لذلك وقال‏:‏ بذنب مني نفرت العصفورة حتى تذكر انه اشتهى الخبز بالقديد فأكل فعلم ان انقطاع العصفورة بسبب ذلك فعهد أن لا يتناول أبداً شيئاً من وحكي انه اشترى كرلوز بستين ديناراً وكتب في دستوره ثلاثة دنانير ربحه فارتفع الربح وصار اللوز بتسعين ديناراً‏.‏
فأتاه الدلال وأخبره انه بتسعين ديناراً فقال‏:‏ اني عقدت عقداً بيني وبين الله تعالى اني أبيعه بثلاثة وستين لأجله لست أبيعه بأكثر من ذلك‏!‏ فقال الدلال‏:‏ واني عقدت عقداً بيني وبين الله تعالى اني لا أغش مسلماً‏!‏ توفي السري سنة إحدى وخمسين ومائتين‏.‏
وينسب إليها أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد‏.‏
أصله من نهاوند ومولده بغداد‏.‏
كان أبوه زجاجاً وكان هو خرازاً‏.‏
صحب الحرث المحاسبي وخاله السري السقطي‏.‏
وكان الجنيد يفتي على مذهب سفيان الثوري‏.‏
كان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة‏.‏
وعن جعفر الخلدي أن الجنيد عشرين سنة ما كان يأكل في كل أسبوع إلا مرةً‏.‏
حكى أبو عمرو الزجاجي قال‏:‏ أردت الحج فدخلت على الجنيد فأعطاني درهماً شددته في مئزري فلم أنزل منزلاً إلا وجدت رزقاً فما احتجت إلى إخراج الدرهم فلما عدت إلى بغداد ودخلت عليه مد يده وأخذ الدرهم‏.‏
وحكى بعض الهاربين عن ظالم قال‏:‏ رأيت الجنيد واقفاً على باب رباطه فقلت‏:‏ يا شيخ أجرني أجارك الله‏!‏ فقال‏:‏ ادخل الرباط‏.‏
فدخلت فما كان إلا يسيراً حتى وصل الطالب بسيف مسلول فقال للشيخ‏:‏ أين مشى هذا الهارب فقال الشيخ‏:‏ دخل الرباط‏.‏
فمر على وجهه وقال‏:‏ تريد أن تقويه علي‏!‏ قال الهارب‏:‏ قلت للشيخ كيف دللته علي أليس لو دخل الرباط قتلني فقال الشيخ‏:‏ وهل نجوت إلا بقولي دخل الرباط فما زال منا الصدق ومنه اللطف‏.‏
وحكي أن رجلاً أتى الجنيد بخمسمائة دينار وكان هو جالساً بين أصحابه وقال له‏:‏ خذ هذا وأنفق على أصحابك‏.‏
فقال له‏:‏ هل لك غيرها قال‏:‏ نعم لي دنانير كثيرة‏!‏ قال‏:‏ فهل تريد غيرها قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ خذها إليك فأنت أحوج إليها منا‏.‏
قال أبو محمد الجزري‏:‏ لما كان مرض موته كنت على رأسه وهو يقرأ ويسجد فقلت‏:‏ أبا قاسم ارفق بنفسك‏.‏
فقال‏:‏ يا أبا ممد هوذا صحيفتي تطوى وأنا أحوج ما كنت الساعة‏!‏ ولم يزل باكياً وساجداً حتى فارق الدنيا سنة ثمان وستين ومائتين‏.‏
وقال جعفر الخلدي‏:‏ رأيت الجنيد بعد موته في المنام قلت‏:‏ ما فعل الله بك يا أبا قاسم فقال‏:‏ طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات ونفدت تلك العلوم وامحت تلك الرسوم وما بقينا إلا على الركيعات التي كنا نصليها في جوف الليل‏!‏ وينسب إليها أبو الحسن علي بن محمد المزين الصغير‏.‏
كان من المشايخ الكبار صاحب الحالات والكرامات‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:58 am

بلخ مدينة عظيمة من أمهات بلاد خراسان‏.‏
بناها منوجهر بن ايرج بن افريدون‏.‏
أهلها مخصوصون بالطرمذة من بين سائر بلاد خراسان‏.‏
كان بها النوبهار وهو أعظم بيت من بيوت الأصنام‏.‏
لما سمع ملوك ذلك الزمان بشرف الكعبة واحترام العرب إياها بنوا هذا البيت مضاهاة للكعبة وزينوه بالديباج والحرير والجواهر النفية ونصبوا الأصنام حوله‏.‏
والفرس والترك تعظمه وتحج إليه وتهدي إليه الهدايا‏.‏
وكان طول البيت مائة ذراع في عرض مائة وأكثر من مائة ارتفاعاً وسدانته للبرامكة وملوك الهند والصين يأتون إليه فإذا وافوا سجدوا للصنم وقبلوا يد برمك‏.‏
وكان برمك يحكم في تلك البلاد كلها ولم يزل برمك بعد برمك إلى أن فتحت خراسان في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه وانتهت السدانة إلى برمك أبي خالد فرغب في الإسلام وسار إلى عثمان وضمن المدينة بمال وفتح عبد الله بن عامر بن كريز خراسان وبعث إلى النوبهار الأحنف بن قيس بن الهيثم فخربها‏.‏
ينسب إليها من المشاهير إبراهيم بن أدهم العجلي رحمه الله كان من ملوك بلخ وكان سبب تركه الدنيا انه كان في بعض متصيداته يركض خلف صيد ليرميه فالتفت الصيد إليه وقال‏:‏ لغير هذا خلقت يا إبراهيم‏!‏ فرجع ومر على بعض رعاته ونزل عن دابته وخلع ثيابه وأعطاها للراعي ولبس ثياب الراعي واختار الزهد‏.‏
وحكي أنه ركب سفينة في بعض أسفاره فلما توغل في البحر طالبه الملاح بالأجرة وألح عليه فقال له إبراهيم‏:‏ اخرجني إلى هذه الجزيرة حتى أؤدي أجرتك‏!‏ فأخرجه إليها وذهب معه فصلى إبراهيم ركعتين وقال‏:‏ إلهي يطلب أجرة السفينة‏!‏ فسمع قائلاً يقول‏:‏ خذ يا إبراهيم‏.‏
فمد يده نحو السماء وأخذ دينارين دفعهما إلى الملاح وقال‏:‏ لا تذكر هذا لأحد‏!‏ ورجعا إلى السفينة فهبت ريح عاصف واضطربت السفينة فأشرفت على الهلاك فقال الملاح‏:‏ اذهبوا إلى هذا الشيخ ليدعو الله‏.‏
فذهب القوم إليه وهو مشغول بنفسه في زاوية قالوا‏:‏ إن السفينة أشرفت على الهلاك ادع الله تعالى لعله يرحمنا‏!‏ فنظر إبراهيم بموق عينه نحو السماء وقال‏:‏ يا مرسل الرياح من علينا بالعاطفة والنجاح‏!‏ فسكنت الريح في الحال‏.‏
وحكي أنه مر به بعض رعاته من بلخ فرآه جالساً على طرف ماء يرقع دلقاً فجلس إليه يعيره بترك الملك واختيار الفقر فرمى إبراهيم إبرته في الماء وقال‏:‏ ردوا إلي إبرتي‏!‏ فأخرج سمك كثير من الماء رؤوسها وفي فم كل واحدة إبرة من الذهب‏.‏
فقال‏:‏ لست أريد غير إبرتي‏!‏ وحكي أنه اجتاز به جندي سأل منه الطريق فأشار إلى المقبرة فتأذى الرجل الجندي وضربه فشج رأسه‏.‏
فلما عرف انه إبراهيم جاء إليه معتذراً فقال له‏:‏ إنك وقت ضربتني دعوت لك لأنك حصلت لي ثواباً فقابلت ذلك بالدعاء‏.‏
وحكي أن إبراهيم كان ناطوراً في بستان بأجرة فإذا هو نائم وحية تروحه بطاقة نرجس‏.‏
وجاءه رجل جندي يطلب منه شيئاً من الثمرة وهو يقول‏:‏ أنا ناطور ما أمرني صاحب البستان ببذل شيء منها‏!‏ فجعل الجندي يضربه وهو يقول‏:‏ اضرب على رأس طالما عصى الله تعالى‏!‏ توفي سنة إحدى وستين ومائة‏.‏
وينسب إليها أبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي من كبار مشايخ خراسان أستاذ حاتم الأصم‏.‏
وكان أول أمره رجلاً تاجراً سافر إلى بلاد الهند‏.‏
دخل بيتاً من بيوت الأصنام فرأى رجلاً حلق رأسه ولحيته يعبد الصنم فقال له‏:‏ ان لك إلهاً خالقاً رازقاً فاعبده ولا تعبد الصنم فإنه لا يضر ولا ينفع‏!‏ فقال عابد الصنم‏:‏ إن كان كما تقول فلم لا تقعد في بيتك وتتعب للتجارة فإنه يرزقك في بيتك فتنبه شقيق لقوله وأخذ في طريق الزهد‏.‏
وحكي أن أهله شكت إليه من الفاقة فقام يظهر أنه يمشي إلى شغل الطين ودخل بعض المساجد وصلى إلى آخر النهار وعاد إلى أهله وقال‏:‏ عملت مع الملك فقال اعمل أسبوعاً حتى أوفيك أجرتك دفعة واحدة‏.‏
وكان كل يوم يمشي إلى المسجد ويصلي فلما كان اليوم السابع قال في نفسه‏:‏ لو لم يكن اليوم معي شيء تخاصمني أهلي‏!‏ فأجر نفسه من شخص ليعمل له يومه وأهله تنتظر مجيئه آخر النهار بأجرة الأيام إذ دق الباب أحد وقال‏:‏ بعثني الملك بأجرة الأيام التي عمل له فيها شقيق ويقول لشقيق‏:‏ ما الذي صدك عنا حتى اشتغلت اليوم بشغل غيرنا فذهبت المرأة إليه فسلم إليها صرة فيها سبعون ديناراً‏.‏
وحكى حاتم الأصم أن علي بن عيسى بن ماهان كان أمير بلخ وكان يحب كلاب الصيد ففقد كلب من كلابه يوماً فاتهم به جار شقيق فاستجار به فدخل شقيق على الأمير وقال‏:‏ خلوا سبيله فإني أرد لكم كلبكم إلى ثلاثة أيام فخلوا سبيله فانصرف شقيق مهتماً لما صنع فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أهل بلخ غائباً وكان من رفقاء شيق وكان لشقيق فتىً وهو رفيقه رأى في الصحراء كلباً في رقبته قلادة فقال‏:‏ أهديه إلى شقيق‏.‏
فحلمه إليه فإذا هو كلب الأمير سلمه إليه‏.‏
استشهد شقيق في غزوة كولان سنة أربع وتسعين ومائة‏.‏
وينسب إليها أبو حامد أحمد بن حضرويه من كبار مشايخ خراسان‏.‏
صحب أبا تراب النخشبي وكان زين العارفين أبو يزيد يقول‏:‏ أستاذنا أحمد ذكر أنه اجتمع عليه سبعمائة دينار ديناً فمرض وغرماؤه حضروا عنده فقال‏:‏ اللهم إنك جعلت الرهون وثيقةً لأرباب الأموال وأنت وثيقتي فادعني فدق بابه أحد وقال‏:‏ اين غرماء أحمد وقضى عنه جميع ديونه ثم فارق الدنيا وذلك في سنة أربع ومائتين عن خمس وتسعين سنة‏.‏
وينسب إليها عبد الجليل بن محمد الملقب بالرشيد ويعرف بوطواط‏.‏
كان كاتباً للسلطان خوارزمشاه إتسز‏.‏
وكان أديباً فاضلاً بارعاً ذا نظم ونثر بالعربية والعجمية والسلطان يحبه لا يفارقه ساعة لظرافته وحسن مجالسته فأمر أن يبنى له قصر بحذاء قصر السلطان حتى يحادثه من الروشن فأخرج الرشيد رأسه مرة من الروشن فقال السلطان‏:‏ يا رشيد أرى رأس ذئب خارجاً من روشنك‏!‏ فقال‏:‏ أيها الملك ما هو رأس الذئب ذاك سجنجل أنا أخرجته‏!‏ فضحك السلطان من عجيب جوابه‏!‏ وحكي أن أحداً من أصحاب الديوان يستعير دوابه كثيراً فكتب إليه‏:‏ بلغني من النوادر المطربة والحكايات المضحكة أن تاجراً استأجر حماراً من نيسابور إلى بغداد وكان حماراً ضعيفاً لا يمكنه السير ولا يرجى منه الخير إذا حرك سقط وإذا ضرب ضرط من مكاري قليل السكون كثير الجنون طول الطريق يبكي دماً ويتنفس الصعداء ندماً فبعد اللتيا والتي وصل إلى بغداد والحمار ضئيل ولم يبق من المكاري إلا القليل إذ سمع صيحةً هائلة تصرع القلوب وتشق الجيوب فالتفت المكاري فإذا المحتسب بدرته وصاحب الشرطة لابس ثوب شرته فقال المكاري‏:‏ ماذا حدث قالوا‏:‏ ههنا تاجر فاجر أخذ مع غلام الخطيب كالغصن الرطيب تواتر عليه الصفعات المغمية والضربات المدمية طلبوا حماراً وكان حمار المكاري حاضراً فتعادوا إليه وأركبوا التاجر عليه فالمكاري ذهب عنه القرار وينادي بالويل ويعدو خلف الحمار إلى أن طيف بجيمع المحال والبلد بغداد فلما كان المساء ردوا الحمار إلى المكاري جائعاً سلم الطوى إلى التوى والصدى إلى الردى‏!‏ فأخذه المكاري مترحماً مد أذنيه وتفل ما بين عينيه وزاد في علفه خوفاً من تلفه‏.‏
فلما دنا الصباح وظهر أثر النهار ولاح قرع سمعه صوت أهول من الصيحة الأمسية فالتفت المكاري فإذا المحتسب على الباب وصاحب الشرطة كاشر الناب فقال المكاري‏:‏ ماذا حدث قالوا‏:‏ ذاك التاجر أخذ مرة أخرى مع غلام القاضي كالسيف الماضي فأراد المكاري أن يواري الحمار فسبقت العامة إليه وأركبوا التاجر عليه والمكاري يعدو خلفه ويصيح بعين باكية وقلب جريح إلى أن طيف به في جميع المحال ثم ردوه إلى المكاري وقد أشرف على الهلاك ولا يقدر على الحراك فبات المكاري مسلوب القرار في مداواة الحمار فلما انتشرت أعلام الضوء في أقطار الجو صكت أذنه من الصيحتين الأوليين فالتفت فإذا المحتسب في الدرب وصاحب الشرطة منشمر للضرب فقال المكاري‏:‏ ماذا حدث قالوا‏:‏ ذاك التاجر أخذ مرة أخرى مع غلام الرئيس كالدر النفيس والعامة رأت حمار المكاري فعدت إليه فعدا المكاري إلى التاجر وقال‏:‏ يا خبيث‏!‏ ان لم تترك صنعتك الشنيعة ولم ترجع عن فعلتك القبيحة فاشتر حماراً يركبونك عليه كل يوم فقد أهلكت حماري وأزلت قراري‏!‏ وها أنا أقول ما قال المكاري للتاجر إن أردت أن تكون كاتباً للأمير فهييء النقس والطرس وإلا فالزم البيت والعرس‏.‏
بلد قرية من أعمال الموصل يقال لها بلد باشاي‏.‏
حكى الشيخ عمر التسليمي وكان من أهل التصوف قال‏:‏ وصلت إلى هذه القرية فلما كان وقت خروج نور الغبيراء اهتاج بنسائها شهوة الوقاع يستحيين من ذلك لغلبة الشهوة ولا قدرة للرجال على قضاء أوطرهن‏.‏
فعند ذلك أخرجن إلى واد بقرب الضيعة وهن بها كالسنانير عند هيجانها إلى أن انقضت مدتهن ثم تراجعن إلى بيوتهن وقد عاد إليهن التمييز‏!‏ قال‏:‏ وسمعت أن كل سنة في هذا الوقت تحدث بهن هذه الحالة‏.‏
بلور
ناحية بقرب قشمير قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بها موضع في كل سنة ثلاثة أشهر يدوم فيه الثلج والمطر بحيث لا يرى فيها قرص الشمس‏.‏
وحكي ان بهذه الأرض بيتاً فيه صنم على صورة امرأة لها ثديان وكل من طال مرضه وضجر منه يدخل على هذا الصنم ويمسح يده على ثديها فيتقاطر من ثديها ثلاث قطرات فيمزج تلك القطرات بالماء ويشرب فإما يزول مرضه أو يموت سريعاً ويستريح من تعب المرض‏.‏
بنان موضع لست أعرف أرضه‏.‏
ينسب إليه أبو الخير البناني صاحب العجائب رحمه الله‏.‏
سمع بفضله إبراهيم بن المولد فذهب إليه فقام أبو الخير يصلي بالقوم فما أعجب إبراهيم قراءته الفاتحة فأنكر عليه في باطنه فعرف أبو الخير ذلك بنور الباطن‏.‏
فلما فارقه إبراهيم وخرج من عنده اعترضه سبع وكانت صومعة أبي الخير في غيضة كان فيها سباع فعاد إلى الشيخ وقال‏:‏ ان سبعاً صال علي‏!‏ فخرج الشيخ وقال للسبع‏:‏ ما قلت لكم لا تتعرضوا لأضيافي فولى الأسد وذهب فقال الشيخ‏:‏ يا إبراهيم اشتغلتم بتقويم الظاهر ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخفتم أنتم من السبع وخاف السبع منا‏!‏ مدينة كبيرة من مدن خراسان ذات مياه وبساتين وأشجار كثيرة‏.‏
ينسب إليها منصور بن عمار‏.‏
كان واعظاً عظيماً عجيب الكلام طيب الوعظ مشهوراً حكى سليم بن منصور قال‏:‏ رأيته في المنام فقلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي وأدناني وقربني وقال‏:‏ يا شيخ السوء أتدري لم غفرت لك قلت‏:‏ لا يا رب‏!‏ قال‏:‏ انك جلست للناس يوماً فبكيتهم فبكى فيهم عبد من عبادي لم يبك من خشيتي قط فغفرت له ووهبت أهل المجلس له ووهبتك فيمن وهبت له‏.‏
وحكي أن منصور بن عمار وجد رقعة عليها بسم الله الرحمن الرحيم فأخذها فلم يجد لها موضعاً فأكلها‏.‏
فرأى في نومه قائلاً يقول‏:‏ فتح الله عليك باب الحكمة باحترامك اسم الله تعالى‏.‏
وحكى أبو الحسن السعدي قال‏:‏ رأيت منصور بن عمار في النوم بعد موته فقلت‏:‏ ما فعل الله بك فقال لي‏:‏ قال أنت منصور بن عمار قلت‏:‏ نعم يا رب‏!‏ قال‏:‏ أنت الذي تزهد في الدنيا وترغب فيها‏.‏
قلت‏:‏ قد كان ذلك ولكن ما اتخذت مجلساً إلا بدأت بالثناء عليك وثنيت بالصلاة على نبيك وثلثت بالنصيحة لعبادك‏.‏
فقال‏:‏ صدق‏!‏ ضعوا له كرسياً يمجدني في سمائي بين ملائكتي كما مجدني في الأرض بين عبادي‏.‏
والله الموفق‏.‏
وحكي أن رجلاً شريفاً جمع يوماً ندماءه للشرب وسلم إلى غلامه أربعة دراهم ليشتري لهم بها فواكه فاجتاز الغلام بمجلس منصور بن عمار وكان يطلب لفقير أربعة دراهم فقال‏:‏ من يعطي له أربعة دراهم ادعو له أربع دعوات‏.‏
فدفع إليه الغلام الدراهم فقال منصور‏:‏ ما الذي تريد من الدعوات فقال‏:‏ أريد العتق‏!‏ فقال‏:‏ اللهم ارزقه العتق‏!‏ قال‏:‏ وما الآخر قال‏:‏ أن يخلف الله علي دراهمي‏.‏
فدعا له به‏.‏
قال‏:‏ وما الآخر قال‏:‏ ان يتوب الله على سيدي‏.‏
فدعا له به‏.‏
قال‏:‏ وما الآخر قال‏:‏ أن يغفر الله لي ولك ولسيدي وللحاضرين‏.‏
فدعا به‏.‏
فلما رجع إلى سيده قال‏:‏ ما الذي أبطأ بك فقص عليه القصة فقال‏:‏ سألت لنفسي العتق‏.‏
فقال‏:‏ أنت حر لوجه الله تعالى‏!‏ قال‏:‏ وان يخلف علي الدراهم‏.‏
قال‏:‏ لك أربعة آلاف درهم‏.‏
قال‏:‏ وما الثالث قال‏:‏ أن يتوب الله عليك‏.‏
قال‏:‏ تبت إلى الله عز وجل‏.‏
قال‏:‏ وما الرابع قال‏:‏ أن يغفر الله لي ولك وله وللحاضرين‏.‏
فقال‏:‏ هذا ليس إلي‏!‏ فلما نام رأى في نومه قائلاً يقول له‏:‏ أنت فعلت ما كان إليك أترى اني لم أفعل ما إلي قد غفرت لك وللغلام وللحاضرين ولمنصور‏.‏
باخرز بلدة من بلاد خراسان‏.‏
ينسب إليها أبو الحسن الباخرزي‏.‏
كان أديباً فاضلاً بارعاً لطيفاً أشعاره في غاية الحسن ومعانيه في غاية اللطف‏.‏
وله ديوان كبير أكثره في مدح نظام الملك وبعض الأدباء‏.‏
التقط من ديوانه الأبيات العجيبة قدر ألف بيت سماه الأحسن‏.‏
وكان بينه وبين أبي نصر الكندري مخاشنة في دولة بني سبكتكين فلما ظهرت الدولة السلجوقية ما كان أحد من العمال يجسر على الاختلاط بهم فأول من دخل معهم أبو نصر الكندري‏.‏
استوزره السلطان طغرلبك فصار مالك البلاد‏.‏
أحضر أبا الحسن الباخرزي وأحسن إليه وقال‏:‏ إني تفاءلت بهجوك لي‏.‏
إذا كان أوله أقبل فإن أبا الحسن هجاه بأبيات أولها‏:‏ اقبل من كندرٍ مسخرةٌ للشّؤم في وجهه علامات واقطعوا باخرز لأمير زوج امرأة من نساء بني سلجوق فرأت أبا الحسن وقالت‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام على هذه الصورة‏.‏
فصار محظوظاً عندهم وآخر الأمر قتل بسبب هذه المرأة وصار حسن صورته وبالاً عليه كريش الطاووس وشعر الثعلب‏.‏
بيهق
بليدة بخراسان‏.‏ينسب إليها الإمام أبو بكر أحمد البيهقي‏.‏
كان أوحد زمانه في الحديث والفقه والأصول وله السنن الكبير وتصانيف كثيرة‏.‏
كان على سيرة علماء السلف قانعاً من الدنيا بالقليل الذي لا بد منه‏.‏
قال إمام الحرمين‏:‏ ما من أحد من أصحاب الشافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فإن له على الشافعي منة لأن تصانيفه كلها في نصرة مذهب الشافعي‏.‏
حكى الفقيه أبو بكر بن عبد العزيز المروزي‏:‏ رأيت في المنام تابوتاً يعلو فوقه نور نحو السماء فقلت‏:‏ ما هذا قالوا‏:‏ فيه تصانيف أبي بكر البيهقي‏.‏
وحكى بعض الفقهاء قال‏:‏ رأيت الشافعي قاعداً على سرير وهو يقول‏:‏ استفدت من كتاب أحمد البيهقي حديث كذا وحديث كذا‏.‏
تبريز مدينة حصينة ذات أسوار محكمة‏.‏
وهي الآن قصبة بلاد آذربيجان‏.‏
بها عدة أنهر والبساتين محيطة بها‏.‏
زعم المنجمون أنها لا تصيبها من الترك آفة لأن طالعها عقرب والمريخ صاحبها فكان الأمر إلى الآن كما قالوا ما سلم من بلاد آذربيجان مدينة من الترك غير تبريز‏.‏
وهي مدينة آهل كثيرة الخيرات والأموال والصناعات وبقربها حمامات كثيرة عجيبة النفع يقصدها المرضى والزمنى ينتفعون بها‏.‏
وتحمل منها الثياب العتابي والسقلاطون والأطلس والنسج إلى الآفاق‏.‏
ونقودها ونقود أكثر بلاد آذربيجان الصفر المضروب فلوساً‏.‏
وقطاع الطنجير والهاون والمنارة إذا أرادوا المعاملة عليها اشتروا بها المتاع فما فضل أخذوا به قطعة صغيرة‏.‏
ينسب إليها أبو زكرياء التبريزي‏.‏
كان أديباً فاضلاً كثير التصانيف‏.‏
فلما بنى نظام الملك المدرسة النظامية ببغداد جعلوا أبا زكرياء خازن خزانة الكتب‏.‏
فلما وصل نظام الملك إلى بغداد دخل المدرسة ليتفرج عليها وفي خدمته أعيان جميع البلاد ووجوهها فقعد في المدرسة في محفل عظيم والشعراء يقومون ينشدون مدائحه والدعاة يدعون له‏.‏
فقام رجل ودعا لنظام الملك وقال‏:‏ هذا خير عظيم قد تم على يدك‏!‏ ما سبقك بها أحد وكل ما فيها حسن إلا شيئاً واحداً وهو أن أبا زكرياء التبريزي خازن خزانة الكتب وانه رجل به أبنة يدعو الصبيان إلى نفسه‏!‏ فانكسر أبو زكرياء انكساراً شديداً في ذلك المحفل العظيم‏.‏
فلما قام نظام الملك قال لناظر المدرسة‏:‏ كم معيشة أبي زكرياء قال‏:‏ عشرة دنانير‏!‏ قال‏:‏ اجعلها خمسة عشر ان كان كما يقول لا تكفيه عشرة دنانير‏!‏ فانكسر أبو زكرياء من فضيحة ذلك المتعدي وكفاه ذلك كفارة لجميع ذنوبه ومن ذلك اليوم ما حضر شيئاً من المحافل والمجامع حياء وخجالة‏.‏
تهران قرية كبيرة من قرى الري كثيرة البساتين كثيرة الأشجار مؤنقة الثمار‏.‏
ولهم تحت الأرض بيوت كنافقاء اليربوع إذا جاءهم قاصد عدو اختبأوا فيها فالعدو يحاصرهم يوماً أو أياماً ويمشي‏.‏
فإذا خرجوا من تحت الأرض أكثروا الفساد من القتل والنهب وقطع الطريق‏.‏
وفي أكثر الأوقات أهلها عصاة على السلاطين ولا حيلة إلى ضبطهم إلا بالمداراة‏.‏
وفيها اثنتا عشرة محلة كل محلة تحارب الأخرى وإذا دخلوا في طاعة السلطان يجتمع عاملها بمشايخ القرية يطالبهم بالخراج وتوافقوا على اداء الخراج المعهود للسلطان‏.‏
يأتي أحدهم بديك ويقول‏:‏ هذا بدينار‏!‏ والآخ يأتي باجانة ويقول‏:‏ هذا بدينار‏!‏ ويؤدون الخراج على هذا الوجه وإلا فلا فائدة منهم أصلاً‏.‏
وهم موترصدون للخلاف ويرضى الوالي منهم بأن يقال‏:‏ انهم في الطاعة وأدوا الخراج‏.‏
وانهم لا يزرعون على البقر خوفاً من أنهم إذا خالفوا يؤخذ عواملهم وإنما يزرعون بالمساحي ولا يقتنون الدواب والمواشي لما ذكرنا أن أعداءهم كثيرون فيأخذون مواشيهم‏.‏
وفواكههم كثيرة وحسنة جداً سيما رمانهم فإن مثلها غير موجود في شيء من البلاد‏.‏
جاجرم مدينة بأرض خراسان مشهورة بقرب اسفرايين‏.‏
بها عين تنبع قناة بين جاجرم واسفرايين حدثني بعض فقهاء خراسان‏:‏ من غاص في ماء هذه العين يزول جربه‏.‏
الجبال ناحية مشهورة يقال لها قهستان‏.‏
شرقها مفازة خراسان وفارس وغربها آذربيجان وشمالها بحر الخزر وجنوبها العراق وخوزستان‏.‏
وهي أطيب النواحي هواء وماء وتربة‏.‏
وأهلها أصح الناس مزاجاً وأحسنهم صورة قالوا‏:‏ إنها تربة ديلمية لا تقبل العدل والانصاف ومن وليها عصى ‏!‏ وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس‏:‏ أرى بأرض الجبال ملوكاً حساناً لا أختار قتلهم وان تركتهم لا آمن عصيانهم فماذا ترى فكتب إليه أرسطاطاليس‏:‏ أن سلم كل بقعة إلى أحد‏.‏
ففعل ذلك وظهرت ملوك الطوائف فلما مات الإسكندر اختلفوا فغلبهم أردشير بن بابك جد ملوك ساسان‏.‏
فاتخذها الأكاسرة مصيفاً لطيب هوائها وسلامتها من سموم العراق وسخونة مائه وكثرة ذبابه وهوامه وحشراته ولذلك قال أبو دلف العجلي‏:‏ وإني امرؤٌ كسرويّ الفعال أصيف الجبال وأشتو العراقا لا ينبت بها النخل والنارنج والليمون والأترج ولا يعيش بها الفيل والجاموس ولو حملا إليها ماتا بها جبل أروند وهو جبل نزه خضر نضر مطل على همذان حكى بعض أهل همذان قال‏:‏ دخلت على جعفر بن محمد الصادق فقال‏:‏ من أين أنت قلت‏:‏ من همذان‏.‏
قال‏:‏ أتعرف جبلها راوند قلت‏:‏ جعلني الله فداك‏!‏ جبلها أروند قال‏:‏ نعم إن فيها عيناً من عيون الجنة‏!‏ وأهل همذان يرون الماء الذي على قلة الجبل فإنها يخرج منها الماء في وقت من أوقات السنة معلوم ومنبعه من شق في صخر وهو ماء عذب شديد البرد فإذا جاوزت أيامه المعدودة ذهب إلى وقته من العام المقبل لا يزيد ولا ينقص وهو شفاء للمرضى يأتونه من كل جهة وذكروا أنه يكثر إذا كثر الناس عليه ويقل إذا قلوا‏.‏
وبها جبل بيستون بين همذان وحلوان وهو عال ممتنع لا ترتقى ذروته ومن أعلاه إلى أسفله أملس كأنه منحوت وعرضه ثلاثة أيام وأكثر‏.‏
ذكر في تواريخ العجم أن حظية كسرى ابرويز شيرين المشهورة بالحسن والجمال عشقها رجل حجار اسمه فرهاذ وتاه في حبها واشتهر ذلك بين الناس فذكر أمره لأبرويز فقال لأصحابه‏:‏ ماذا ترون في أمر هذا الرجل ان تركته وما هو عليه فهتك وقبح وإن قتلته أو حبسته فعاقبت غير مجرم فقال بعض الحاضرين‏:‏ اشغله بحجر حتى يصرف عمره فيه‏!‏ فاستصوب كسرى رأيه وأمر بإحضاره فدخل وهو رجل ضخم البدن طويل القامة مثل الجمل الهائج فأمر كسرى بإكرامه وقال‏:‏ ان على طريقنا حجراً يمنعنا من المرور نريد أن تفتح فيه طريقاً يصلح لسلوكنا فيه وقد عرفنا دربتك وذكاءك‏!‏ وأشار إلى بيستون لفرط شموخه وصلابة حجره‏.‏
فقال الصانع‏:‏ ارفع هذا الحجر من طريق الملك ان وعدني بشيرين‏!‏ فتأذى كسرى من هذا لأنها كانت حظيته لكن قال في نفسه‏:‏ من يقدر على قطع بيستون فقال في جوابه‏:‏ نفعل ذلك إذا فرغت‏!‏ فخرج فرهاذ من عند كسرى وشرع في قطع الجبل ورسم فيه درباً يتسع لعشرين فارساً عرضاً وسمكه أعلى من الرايات والأعلام فكان يقطع طول نهاره وينقل طول ليله ويرصف القطاع الكبار شبه الأعدال في سفح الجبل ترصيفاً حسناً يحشو خللها بالنحاتة ويسويها مع الطريق‏.‏
وكان ينحت من الجبل شبه منارة عظيمة ثم يقطعها قطعاً كل قطعة كعدل ويرميها ولقد رأيت عند اجتيازي به شبه منارة فتح جوانبها وما قطعها بعد ورأيت قطعاً من الحجر كالأعدال عليها آثار ضرب الفاس وفي كل قطعة حفرتان في جانبيها ليجعل اليد فيها عند رفعها‏.‏
فذكر يوماً عند كسرى شدة اهتمامه بقطع الجبل فقال بعض الحاضرين‏:‏ رأيته يرمي بكل ضربة شبه جبل ولو بقي على ما هو عليه لا يبعد أن يفتح الطريق‏.‏
فانفرق كسرى فقال بعضهم‏:‏ أنا أكفيك أمره‏!‏ فبعث إليه من أخبره بموت شيرين‏.‏
فلما سمع ذلك ضرب فأسه على الحجر وأثبته فيه ثم جعل يضرب رأسه على الفأس إلى أن مات‏.‏
ومقدار فتحه من الجبل غلوة سهم وتلك الآثار باقية إلى الآن لا ريب وقال أحمد بن محمد الهمذاني‏:‏ في سفح جبل بيستون ايوان منحوت من الحجر وفي وسط الايوان صورة فرس كسرى شبديز وابرويز راكب عليه وعلى حيطان الايوان صورة شيرين ومواليها قيل‏:‏ صورها فطرس بن سنمار وسنمار هو الذي بنى الخورنق بظاهر الحيرة وسببه أن شبديز كان أذكى الدواب وأعظمها خلقاً وأظهرها خلقاً وأصبرها على طول الركض كان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سجره ولا يخر ولا يزبد ما دام عليه لجامه‏.‏
كان ملك الهند أهداه إلى ابرويز فاتفق انه اشتكى وزاد شكواه فقال كسرى‏:‏ من أخبرني بموته قتلته‏!‏ فلما مات خاف صاحب خيله أن يسأل عنه فيجب عليه الخبر بموته فجاء إلى البلهبد مغنيه وسأله أن يخبر كسرى ذلك في شيء من الغناء وكان البلهبد أحذق الناس بالغناء ففعل ذلك‏.‏
فلما سمع كسرى به فطن بمعناه وقال‏:‏ ويحك‏!‏ مات شبديز فقال‏:‏ الملك يقوله‏!‏ فقال كسرى‏:‏ زه‏!‏ ما أحسن ما تخلصت وخلصت غيرك‏!‏ وجزع عليه فطرس بن سنمار فصوره على أحسن مثال بحيث لا يكاد يفرق بينهما إلا بإدارات الروح وجاء كسرى فتأمله باكياً وقال‏:‏ يشد ما بقي هذا التمثال إلينا وذكرنا ما يصير حالنا إليه بموت جسدنا وطموس صورتنا ودروس أثرنا الذي لا بد منه وسيبقى هذا التمثال أثراً من جمال صورتنا للواقفين عليه حتى كأننا بعضهم ونشاهدهم‏.‏وحكي من عجائب هذا التمثال انه لم ير مثله ولم يقف أحد منذ صور من أهل الفكر اللطيف والنظر الدقيق عليه إلا تعجب منه حتى قال بعض الناس‏:‏ انها ليست من صنعة البشر ‏!‏ ولقد أعطي ذاك المصور ما لم يعط غيره فأي شيء أعجب من أن سخرت له الحجار كما أراد حتى في الموضع الذي أراد أحمر جاء أحمر وفي الموضع الذي أراد أبيض جاء أبيض وكذلك سائر الألوان والظاهر أن الأصباغ التي فيه عالجها بصنف من المعالجات العجيبة لم يغيرها طول الليالي وصور الفرس واقفاً في وسط الإيوان وكسرى راكب عليه لابس درعاً كأنه زرد به من حديد يتبين مسامير الزرد في حلقها وصور شيرين بحيث يظهر الحسن والملاحة في وجهها كأنها تسلب القلوب بغنجها‏.‏
وسمعت أن بعض الناس عشق على صورة شيرين وصار من عشقها متيماً فكسروا أنفها لئلا يعشق عليها غيره‏.‏
وذكر قصة شبديز خالد الفياض فقال‏:‏ والملك كسرى شهنشاه يقبضه سهمٌ بريش جناح الموت مقطوب إذ كان لذّته شبديز يركبه وغنج شيرين والدّيباج والطّيب بالنّار آلى يميناً شدّ ما غلظت ان من يد أفعى الشبديز مصلوب حتى إذا أصبح الشّبديز منجدلاً وكان ما مثله في الناس مركوب ورنّم الهربد الأوتار فالتهبت من سحر راحته اليسرى شآبيب فقال‏:‏ مات فقالوا‏:‏ أنت فهت به فأصبح الحنث عنه وهو مجذوب‏!‏ لولا البلهبد والأوتار تندبه لم يستطع نعي شبديز المزاريب أخنى الزّمان عليهم فاجر هدبهم فما ترى منهم إلاّ الملاعيب وبها جبل دماوند وهو بقرب الري يناطح النجوم ارتفاعاً ويحكيها امتناعاً لا يعلوه الغيم في ارتفاعه ولا الطير في تحليقه قال مسعر بن مهلهل‏:‏ انه جبل مشرف عال شاهق لا يفارق أعلاه الثلج صيفاً ولا شتاءً ولا يقدر الإنسان أن يعلو ذروته يراه الناظر من عقبة همذان والناظر من الري يظن أنه مشرف عليه وبينهما فرسخان فصعدت الجبل حتى وصلت إلى نصفه بمشقة شديدة ومخاطرة بالنفس فرأيت عيناً كبريتية وحولها كبريت مستحجر فإذا طلعت عليه الشمس الهتبت ناراً والدخان يصعد من العين الكبريتية‏.‏
وحكى أهل تلك النواحي أنهم إذا رأوا النمل يذخر الحب الكثير تكون السنة سنة جدب وإذا دامت عليهم الأمطار حتى تأذوا منها صبوا لبن الماعز على النار فانقطعت‏.‏
قال‏:‏ جربت هذا مراراً فوجدته صحيحاً‏.‏
وقالوا‏:‏ إذا رأينا قلة هذا الجبل في وقت من الأوقات متحسراً عن الثلج وقعت فتنة وأريقت دماء من الجانب الذي نراه متحسراً‏.‏
وبقرب الجبل معدن الكحل الرازي والمرتك والاسرب والزاج‏.‏
هذا وحكى محمد بن إبراهيم الضراب قال‏:‏ ان أبي سمع أن بدماوند معدن الكبريت الأحمر فاتخذ مغارف حديد طول السواعد واحتال في إخراجه فذكر انه لا يقرب من ناره حديدة إلا ذابت من ساعتها‏.‏
وذكر أهل دماوند أن رجلاً من أهل خراسان اتخذ مغارف حديدية طويلة مطلية بها عالجها بها وأخرج من الكبريت لبعض الملوك‏.‏
وحكى علي بن رزين وكان حكيماً له تصانيف قال‏:‏ وجهت جماعة إلى جبل دماوند وهو جبل عظيم شاهق في الهواء يرى من مائة فرسخ وعلى رأسه أبداً مثل السحاب المتراكم لا ينحسر شتاء ولا صيفاً ويخرج من أسفله نهر ماؤه أصفر كبريتي فذكر الجماعة أنهم وصلوا إلى قلته في خمسة أيام وخمس ليال فوجدوا قلته نحواً من مائة جريب مساحة على أن الناظر إليها من أسفله يراها كالمخروط‏.‏
قالوا‏:‏ وجدنا رملاً تغيب فيه الأقدام وانهم لم يروا عليها دابة ولا أثر حيوان وان الطير لا يصل إلى أعلاها والبرد فيها شديد والريح عاصف‏.‏
وانهم عدوا سبعين كوة يخرج منها الدخان الكبريتي ورأوا حول كل ثقب من تلك الكوى كبريتاً أصفر كأنه ذهب وحملوا معهم شيئاً منه‏.‏
وذكروا أنهم رأوا على قلته الجبال الشامخة مثل التلال ورأوا بحر الخزر كالنهر الصغير وبينهما عشرون فرسخاً‏.‏
وبها جبل ساوة وهو على مرحلة منها‏.‏
رأيته جبلاً شامخاً إذا أصعدت عليه قدر غلوة سهم رأيت ايواناً كبيراً يتسع لألف نفس وفي آخرهم قد برز من سقفه أربعة أحجار شبيهة بثدي النساء يتقاطر الماء من ثلاثة والرابع يابس‏.‏
أهل ساوة يقولون‏:‏ انه مصه كافر فيبس‏!‏ وتحتها حوض يجتمع فيه الماء الذي يتقاطر منها وعلى باب الإيوان ثقبة لها بابان وفيها انخفاض وارتفاع يقول أهل ساوة‏:‏ ان ولد الرشدة يقدر أن يدخل من باب ويخرج من الآخر وولد الزنية لا يقدر‏!‏ وبها جبل كركس كوه جبل دورته فرخان في مفازة بين الري والقم وهو جبل وعر المسلك في مفازة بعيدة عن العمارات في وسطه ساحة فيها ماء والجبال محيطة بها من جميع جوانبها فمن كان فيها كأنه في مثل حظيرة‏.‏
وسمي كركس كوه لأن النسر كان يأوي إليه وكركس هو النسر فلو اتخذ معقلاً حصيناً إلا أنه في مفازة بعيدة عن البلاد قلما يجتاز بها أحد‏.‏
وبها جبل نهاوند وهو بقرب نهاوند قال ابن الفقيه‏:‏ على هذا الجبل طلسمان صورة سمك وثور قالوا‏:‏ إنهما لأجل الماء لئلا يقل ماؤه وماؤه ينقسم قسمين‏:‏ قسم يجري إلى نهاوند والآخر إلى الدينور‏.‏
وبها جبل يله بشم‏.‏
هذا الجبل بقرب قرية يقال لها يل وهي من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها‏.‏
حدثني من صعد هذا الجبل قال‏:‏ عليه صور حيوانات مسخها الله تعالى حجراً منها راع متكيء على عصاه يرعى غنمه وامرأة تحلب بقرة وغير ذلك من صور الإنسان والبهائم‏.‏
وهذا شيء يعرفه أهل قزوين‏.‏
وينسب إليها الوزير مهلب بن عبد الله‏.‏
كان وزيراً فاضلاً قعد به الزمان حتى صار في ضنك من العيش شديد فرافقه بعض أصدقائه في سفره فاشتهى لحماً ولم يقدر على ثمنه فاشترى رفيقه له بدرهم لحماً فأنشأ يقول‏:‏ الا موتٌ يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه‏!‏ إذا أبصرت قبراً من بعيدٍ وددت لو انّني من ساكنيه‏!‏ ألا رحم الإله ذنوب عبدٍ تصدّق بالوفاة على أخيه‏!‏ ثم بعد ذلك علا أمره وارتفعت مكانته فقصده ذلك الرفيق والبواب منعه من الدخول عليه فكتب على رقعة‏:‏ ألا قل للوزير‏:‏ فدتك نفسي وأهلي ثمّ ما ملّكت فيه أتذكر إذ تقول لضنك عيشٍ‏:‏ ألا موتٌ يباع فأشتريه فأحضره وحياه وجعله من خاصته‏.‏قرية بين النعمانية وواسط وكانت في قديم الزمان مدينة يضرب بقاضيه المثل في قلة العقل‏!‏ ومن حديثه ما ذكر أن المأمون أراد المضي إلى واسط فاستكرى القاضي جمعاً ليثنوا عليه عند وصول الخليفة فاتفق أن شبارة الخليفة وصلت وما كان من الجمع المستكرين أحد حاضراً فخاف القاضي أن تفوت الفرصة فجعل يعدو على شاطيء دجلة مقابل الشبارة وينادي بأعلى صوته‏:‏ يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبل‏!‏ فضحك يحيى بن اكثم وكان راكباً في الشبارة مع الخليفة وقال‏:‏ يا أمير المؤمنين هذا المنادي هو قاضي جبل يثني على نفسه‏!‏ فضحك المأمون وأمر له بشيء وعزله وقال‏:‏ لا يجوز أن يلي شيئاً من أمور المسلمين من هذا عقله‏.‏
جرباذقان
بليدة من بلاد قهستان بين أصفهان وهمذان ذات سور وقهندز لها رئيس يقال له جمال باده لا يمشي إلى أحد من ملوك قهستان البتة‏.‏
وله موضع حصين وإلى داره عقود وأبواب وحراس والملوك كانوا يسامحونه بذلك ويقولون‏:‏ إن أذيته وإزعاجه غير مبارك‏!‏ وكان الأمر على ذلك إلى أن ملك الجبال خوارزمشاه محمد سلمها إلى ابنه وإلى عماد الملك فوصل عماد الملك إلى جرباذقان‏.‏
أخبر بعادة الرئيس انه لا يمشي إلى أحد فغضب من ذلك وبعث إليه يطلبه فأبى‏.‏
فبعث إليه عسكره دخلوا المدينة قهراً وتحصن الرئيس بالقلعة فحاصروها أياماً وقتل من الطرفين‏.‏
فلما اشتد الأمر عليه نزل بالليل وهرب فخرب عماد الملك القلعة وقتل أكثر أهلها لأنهم قتلوا أصحاب عماد الملك‏.‏
فعما قريب ورد عساكر التتر وهرب عماد الملك فقتلوه في الطريق وقتلوا ابن خوارزمشاه وعاد الرئيس إلى حاله كما كان‏.‏
جرجان
مدينة عظيمة مشهورة بقرب طبرستان‏.‏
بناها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهي أقل ندى ومطراً من طبرستان يجري بينهما نهر تجري فيه السفن بها فواكه الصرود والجروم وهي بين السهل والجبل والبر والبحر‏.‏
بها البلح والنخل والزيتون والجوز والرمان والأترج وقصب السكر وبها من الثمار والحبوب السهلية والجبلية المباحة يعيش بها الفقراء‏.‏
ويوجد في صيفها جني الصيف والشتاء من الباذنجان والفجل والجزر وفي الشتاء الجدي والحملان والألبان والرياحين‏:‏ كالخزامى والخيري والبنفسج والنرجس والأترج والنارنج‏.‏
وهي مجمع طير البر والبحر لكن هواءها رديء لأنه وحكي انه كان بنيسابور في أيام الطاهرية ستمائة رجل من بني هلال يقطعون الطريق فظفروا بهم ونقلوا ثلاثمائة إلى جرجان وثلاثمائة إلى جرجانية بخوارزم‏.‏
فلما تم عليهم الحول لم يبق ممن كان بجرجان إلا ثلاث أنفس ولم يمتممن كان بجرجانية إلا ثلاثة‏.‏
وبجرجان من العناب الجيد والخشب الخلنج الذي يتخذ منه النشاب والظروف والأطباق ويحمل إلى سائر البلاد‏.‏
وبها ثعابين تهول الناظر ولا ضرر لها‏.‏
وذكر أبو الريحان الخوارزمي انه شوهد بجرجان مدرة صار بعضها قاراً والبعض الآخر بحالها‏.‏
بها عين سياه سنك قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بجرجان موضع يسمى سياه سنك به عين ماء على تل يأخذ الناس ماءها للشرب وفي الطريق إليها دودة فمن أخذ من ذلك الماء وأصاب رجله تلك الدودة يصير الماء الذي معه مراً فيبدده ويعود إليها يأخذ مرة أخرى وهذا عندهم مشهور‏.‏
ينسب إليها كرز بن وبرة كان من الأبدال قال فضيل‏:‏ إذا خرج كرز بن وبرة يأمر بالمعروف يضربونه حتى يغشى عليه فسأل ربه أن يعرفه الاسم الأعظم بشرط أن لا يسأل به شيئاً من أمور الدنيا فأعطاه الله ذلك فسأل أن يقويه على قراءة القرآن فكان يختم كل يوم وليلة ثلاث ختمات‏.‏
حكى أبو سليمان المكتب قال‏:‏ صحبت كرز بن وبرة إلى مكة فكان إذا نزل القوم أدرج ثيابه في الرحل واشتغل بالصلاة فإذا سمع رغاء الإبل أقبل فتأخر يوماً عن الوقت فذهبت في طلبه فإذا هو في وهدة في وقت حار وإذا سحابة تظله فقال‏:‏ يا أبا سليمان أريد أن تكتم ما رأيت‏!‏ فحلفت أن لا أخبر أحداً في حياته‏.‏
وحكي انه لما توفي رأوا أهل القبور في النوم عليهم ثياب جدد فقيل لهم‏:‏ ما هذا قالوا‏:‏ ان أهل القبور كلهم لبسوا ثياباً جدداً لقدوم كرز بن وبرة‏!‏ وينس إليها أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني‏.‏
كان وحيد دهره في الفقه والأصول والعربية مع كثرة العبادة والمجاهدة وحسن الخلق والاهتمام بأمور الدين والنصيحة للمسلمين وهو القائل‏:‏ إني ادّخرت ليوم ورد منيّتي عند الإله من الأمور خطيرا قولي بأنّ إلهنا هو أوحدٌ ونفيت عنه شريكه ونظيرا وشهادتي أنّ النّبّي محمّداً كان الرّسول مبشّراً ونذيرا ومحبّتي آل النّبّي وصحبه كلاًّ أراه بالثّناء جديرا وتمسّكي بالشّافعّي وعلمه ذاك الّذي فتق العلوم بحورا وجميل ظنّي بالإله وإن جنت نفسي بأنواع الذّنوب كثيرا فاشهد إلهي أنّني مستغفرٌ لا أستطيع لما مننت شكورا هذا الذي أعددته لشدائدي وكفى بربّك هادياً ونصيرا‏!‏ قبض أبو سعيد في صلاة المغرب عند قوله‏:‏ وإياك نستعين وفاضت روحه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة‏.‏
وينسب إليها القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني‏.‏
كان أديباً فقيهاً شاعراً وهو القائل‏:‏ يقولون لي‏:‏ فيك انقباضٌ‏!‏ وإنّما رأوا رجلاً عن موقف الذلّ أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما وينسب إليها الإمام عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني‏.‏
كان عالماً فاضلاً أديباً عارفاً بعلم البيان له كتاب في إعجاز القرآن في غاية الحسن ما سبقه أحد في ذلك الأسلوب‏.‏
من لم يطالع ذلك الكتاب لا يعرف قدره ودقة نظره ولطافة طبعه واطلاعه على معجزات القرآن‏.‏
وبها مشهد لبعض أولاد علي الرضا العجم يسمونه كور سرخ النذر له يفضي إلى قضاء الحاجة وهذا أمر مشهور في بلاد العجم يحمل إليها أموال كثيرة ويصرف إلى جمع من العلويين هناك‏.‏قرية من أعمال بغداد مشهورة‏.‏
ينسب إليها علي الجرجرائي كان من الابدال لا يدخل العمران ولا يختلط بأحد حكى بشر الحافي قال‏:‏ لقيته على عين ماء فلما أبصرني عدا قال‏:‏ بذنب مني رأيت اليوم إنسياً‏!‏ فعدوت خلفه وقلت‏:‏ أوصني‏!‏ فالتفت إلي وقال‏:‏ عانق الفقر وعاشر الصبر وخالف الشهوة واجعل بيتك أخلى من لحدك يوم تنقل إليه على هذا طاب المصير إلى الله تعالى‏!‏ الجزيرة بلاد تشتمل على ديار بكر ومضر وربيعة وإنما سميت جزيرة لأنها بين دجلة والفرات وهما يقبلان من بلاد الروم وينحطان متسامتين حتى يصبا في بحر فارس وقصبتها الموصل وحران والجزيرة بليدة فوق الموصل تدور دجلة حولها كالهلال ولا سبيل إليها من اليبس إلا واحد قالوا‏:‏ من خاصية هذه البلاد كثرة الدماميل‏.‏
قال ابن همام السلولي‏:‏ أبداً إذا يمشي يحيك كأنّما به من دماميل الجزيرة ناخس وحكي أن ضرار بن عمرو طلع به الدماميل وهو ابن تسعين سنة فتعجب الناس فقالوا‏:‏ احتملها من الجزيرة‏!‏ ينسب إليها بنو الأثير الجزريون‏.‏
كانوا ثلاثة اخوة فضلاء رأيت منهم الضياء كان شيخاً حسن الصورة فاضلاً حلو الحديث كريم الطبع له تصانيف كثيرة منها‏:‏ المثل السائر كتاب في علم البيان في غاية الحسن وكتاب في شرح الألفاظ الغريبة التي وردت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهما‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بورسعيدى

avatar

عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: اقراء معى كتاب0اثار البلاد واخبار العباد   الخميس نوفمبر 11, 2010 11:59 am



جوهسته
قرية من قرى همذان‏.‏
بها قصر برام جور وبهرام من ملوك الفرس‏.‏
كان أرمى الناس لم ير رام مثله وهذا القصر عظيم جداً وكله حجر واحد منقورة بيوته ومجالسه وخزائنه وغرفه وشرفاته وسائر حيطانه وهو كثير المجالس والخزائن والدهاليز والغرف‏.‏
وفي مواضع منها كتابات بالعجمية تتضمن أخبار ملوكهم الماضين وحسن سيرتهم وفي كل ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة وبقربه ناووس الطيبة وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى‏.‏
جوين
ناحية بين خراسان وقهستان كثيرة الخيرات وافرة الغلات‏.‏
وهي أربعمائة قرية على أربعمائة قناة‏.‏
والقنوات منشأها من مرتفع من الأرض والقرى على متسفل أحدهما بجانب الآخر‏.‏ينسب إليها أبو المعالي عبد الملك بن محمد إمام الحرمين الإمام العلامة ما رأت العيون قبله ولا بعده مثله في غزارة العلم وفصاحة اللسان وجودة الذهن‏.‏
من رآه من العلماء تحير فيه شاع ذكره في الآفاق فلما كان زمان أبي نصر الكندري وأمر بلعن المذاهب على رأس المنبر فارق الإمام خراسان وذهب إلى الحجاز ودرس بمكة‏.‏
فانقضت تلك المدة سريعاً بموت طغرلبك وقتل الكندري فعاد إمام الحرمين إلى خراسان وبنى له نظام الملك مدرسة بنيسابور فظهرت تلامذته وانتشرت تصانيفه‏.‏
وكان في حلقته ثلاثمائة فقيه من الفحول بلغوا مبلغ التدريس كأبي حامد الغزالي وصنف نهاية المطلب عشرين مجلداً‏.‏
توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة‏.‏
جيلان
غيضة بين قزوين وبحر الخزر صعبة المسلك لكثرة ما بها من الجبال والوهاد والأشجار والمياه في كل بقعة ملك مستقل لا يطيع غيره والحرب بينهم قائمة والمطر كثير جداً ربما يستمر أربعين يوماً لا ينقطع ليلا ولا نهاراً ويضجر الناس منه‏.‏
وبيوتهم من الأخشاب والاخصاص وسط الأشجار ولا حد لكثرة أشجارها الطوال لو كانت بأرض أخرى كان لها قيمة‏.‏
ونساؤها أحسن النساء صورة لا يستترن عن الرجال يخرجن مكشوفات الوجه والرأس وبها من الخيل الهماليج ما لا يوجد في غيرها من البلاد ولم ير أحسن منها صورة ومشياً‏.‏
ومن عجائبها ما سمعت ولا صدقت حتى جربت وهو ان المطر إذا دام عندهم ضجروا منه فإن سمعوا بالليل صوت ابن آوى وعقبه نباح كلب يبشر بعضهم بعضاً بصحو الغد وعندهم من بنات آوى والكلاب كثير وهذا شيء أشهر عندهم وجربت مراراً ما أخطأ شيء‏.‏
مأكولهم الرز الجيد المولاني والسمك ويؤدون زكاة الرز ولا يتركونه أصلاً‏.‏
ويقتنون دود الابريسم شغل رجالهم زراعة الرز وشغل نسائهم تربية دود القز والرزق الحلال في زماننا عندهم‏.‏
ونساؤهم ينسجن الميازر والمشدات الفرية الملاح وتحمل منها إلى سائر البلاد‏.‏
ومن عاداتهم أن فقهاءهم في كل سنة يستأذنون من الأمير الأمر بالمعروف فإذا أذن لهم أحضروا كل واحد كائناً من كان وضربوه مائة خشبة فربما يحلف الرجل أيماناً انه ما شرب ولا زنى فيقول الفقيه‏:‏ ايش صنعتك فيقول‏:‏ بقال أنا‏!‏ فيقول‏:‏ أما كان بيدك الميزان فيقول‏:‏ نعم‏.‏
فيأمر بضربه مائة‏!‏ ينسب إليها الشيخ محمد بن خالد الملقب بنور الدين‏.‏
كان شيخاً عظيم الشأن ظاهر الكرامات‏.‏
رأيته في صغر سني كان شيخاً مهيباً وضيء الوجه طويل القامة كث اللحية طويلها ما رآه أحد ولو كان ملكاً إلا أخذته هيبته‏.‏
له مصنفات في عجائب أحواله ومشاهدته الملائكة والجنة والنار وأحوال الأموات وخواص الأذكار والآيات‏.‏
حكى بعض من صحبه قال‏:‏ سرنا ذات يوم فرفع لنا خان فقصدناه فقال بعض السابلة‏:‏ لا تدخلوا الخان فإن يأوي إليه سبع‏!‏ فقال الشيخ‏:‏ نتكل على الله‏.‏
فدخلناها وفرش الشيخ مصلاءة يصلي فسمعت زئير الأسد فأنكرت في نفسي على الشيخ لدخول الخان فدخل الخان سبع هائل فلما رآنا جعل يأتينا إتياناً ليناً لا إتيان صائل وأنا أنظر إلى شكله فذهب عقلي فهربت إلى الشيخ وجعلته بيني وبين الأسد فجاء وافترش عند مصلى الشيخ فلما فرغ الشيخ من صلاته مسح رأسه وقال بالعجمية‏:‏ فارق هذا الموضع ولا ترجع تفزع الناس ههنا‏!‏ فقام السبع وخرج من الخان ولم يره أحد بعد ذلك هناك‏.‏
الحضر مدينة كانت بين تكريت وسنجار مبنية بالحجارة المهندمة كان على سورها ستون برجاً كباراً بين البرج والبرج تسعة أبراج صغار بإزاء كل برج قصر وإلى جانبه حمام‏.‏
وبجانب المدينة نهر الثرثار وكان نهراً عظيماً عليه جنان بناها الضيزن بن معاوية وكان من قضاعة من قبل شابور بن اردشير ملك الفرس وقد طلسمها أن لا يقدر على هدمها إلا بدم الحمامة الورقاء ودم حيض المرأة الزرقاء وإياها أراد عدي بن زيد‏:‏ وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور شاده جندلاً وجلّله كلساً وللطّير في ذراه وكور فاتفق أنه ظهر لشابور خصم بخراسان فذهب إليه وطالت غيبته فعصى ضيزن عليه واستوى على بلاد الجزيرة وأغار على بلاد الفرس وخرب السواد وأسر ماه أخت شابور الملك‏.‏
فلما عاد شابور من خراسان وأخبر بما فعل ضيزن ذهب إليه بعساكره وحاصره سنين ولم يظفر بشيء فهم بالرجوع فصعدت النصيرة بنت الضيزن السطح ورأت شابور فعشقته فبعثت إليه أن ما لي عندك ان دللتك على فتح هذه المدينة فقال شابور‏:‏ آخذك لنفسي وأرفعك على نسائي‏.‏
فقالت‏:‏ خذ من دم حمامة ورقاء واخلطه بدم حيض امرأة زرقاء واكتب بهما واشدده في عنق ورشان وأرسله فإنه إذا وقع على السور تهدم‏!‏ ففعل كما قالت فدخل المدينة وقتل مائة ألف رجل وأسر البقية وقتل ضيزن وأنسابه فقال الحدس بن الدلهاث‏:‏ ألم يجزيك والأبناء تمنى بما لاقت سراة بني العبيد أتاهم بالفيول مجلّلاتٍ وبالأبطال شابور الجنود فهدّم من بروج الحضر صخراً كأنّ ثقاله زبر الحديد‏!‏ ثم سار شابور إلى عين التمر وعرس بالنصيرة هناك فلم تنم هي تلك الليلة تململاً على فراشها فقال لها شابور‏:‏ ما أصابك فقالت‏:‏ لم أنم قط على فراش أخشن من هذا‏!‏ فنظر فإذا في الفراش ورقة آس لصقت بين عكنتين من عكنها فقال لها شابور‏:‏ بم كان أبواك يغذوانك قالت‏:‏ بشهد الأبكار ولباب البر ومخ الثنيان‏!‏ فقال شابور‏:‏ أنت ما وفيت لأبويك مع حسن صنيعهما بك فكيف تفين لي ثم أمر أن تصعد بناء عالياً وقال‏:‏ ألم أرفعك فوق نسائي قالت‏:‏ بلى‏!‏ فأمر بفرسين جموحين وشدت ذوائبها في ذنبيهما ثم استحضرا فقطعاها قال عدي بن زيد‏:‏ والحضر صبّت عليه داهيةً شديدة أيدٍ مناكبها ربيبةٌ لم ترقّ والدها بحبّها إذ ضاع راقبها فكان حظّ العروس إذ جشر الصّبح دما يجري سبايبها حصن حصين بطبرستان كان في قديم الزمان خزانة ملوك الفرس وأول من اتخذه منوجهر بن ايرج بن فريدون وهو نقب في موضع عال في جبل صعب المسلك والنقب يشبه باباً صغيراً فإذا دخله الإنسان مشى نحو ميل في ظلمة شديدة ثم يخرج إلى موضع واسع شبيه بمدينة قد أحاطت به الجبال من جميع الجوانب‏.‏
وهي جبال لا يمكن صعودها لارتفاعها وفي هذه السعة مغارات وكهوف وفي وسطها عين غزيرة الماء ينبع من ثقبة ويغور في أخرى وبينهما عشرة أذرع‏.‏
وكان في أيام الفرس يحفظ هذا النقب رجلان معهما سلم يدلونه من الموضع إذا أراد أحدهما النزول في دهر طويل وعندهما ما يحتاجان إليه لسنين كثيرة‏.‏
ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ملك العرب طبرستان فحاولوا الصعود عليه فتعذر عليهم ذلك إلى أن ولي المازيار طبرستان فقصد هذا الموضع وأقام عليه مدة حتى صعد رجل من أصحابه إليه فدلى حبالاً وأصعد قوماً فيهم المازيار فوقف على ما في تلك الكهوف من الأموال والسلاح والكنوز وكان بيده إلى أن مات‏.‏
وانقطع السبيل إليه إلى هذه الغاية‏.‏
ومن العجائب ما ذكره ابن الفقيه انه إلى جانب هذا الطاق شبيه بالدكان إذا لطخ بعذرة أو شيء من الأقذار ارتفعت في الحال سحابة فمطرت عليه حتى تغسله وتنظفه وان ذلك مشهور عندهم لا يتمارى فيه اثنان‏.‏مدينة بين همذان وبغداد‏.‏
كانت عامرة طيبة والآن خراب وتينها ورمانها في غاية الطيب لم يوجد في شيء من البلاد مثلهما‏.‏
وفي حواليها عدة عيون كبريتية ينتفع بها من عدة أدواء‏.‏
وكان بها نخلتان مشهورتان على طريق السابلة وصل إليهما مطيع بن اياس فقال‏:‏ أسعداني يا نخلتي حلوان وابكيا لي من ريب هذا الزّمان واعلما أنّ ريبه لم يزل يفرّق بين الألاّفي والجيران واسعداني وأيقنا أنّ نحساً سوف يأتيكما فتفترقان‏!‏ حكى المدائني أن المنصور اجتاز عليهما وكان إحداهما على الطريق ضيقت على الأحمال والثقال فأمر بقطعها فأنشد قول مطيع فقال‏:‏ والله لا كنت ذلك النحس‏!‏ ثم اجتاز المهدي بهما واستطاب الموضع ودعا لحسنه المغنية وقال لها‏:‏ أما ترين طيب هذا الموضع غنيني بحياتي‏!‏ فغنت‏:‏ أيا نخلتي وادي بوانة حبّذا إذا نام حرّاس النّخيل جناكما‏!‏ فقال لها‏:‏ أحسنت‏!‏ لقد هممت بقطع هاتين النخلتين فمنعتني‏.‏
فقالت‏:‏ أعيذك بالله أن تكون نحسهما‏!‏ وأنشدت قول مطيع ثم اجتاز بهما الرشيد عند خروجه إلى خراسان وقد هاج به الدم بحلوان فأشار عليه الطبيب بأكل الجمار فطلب ذلك من دهقان حلوان فقال‏:‏ ليست أرضنا أرض نخل لكن على العقبة نخلتان فاقطعوا إحداهما‏.‏
فقطعوا‏.‏
فلما اجتاز الرشيد بهما وجد إحداهما مقطوعة والأخرى قائمة وعليها مكتوب‏:‏ واعلما إن بقيتما أنّ نحساً سوف يأتيكما فتفترقان‏!‏ فاغتم الرشيد لذلك وقال‏:‏ لقد عز علي ان كنت نحسهما ولو كنت سمعت هذا الشعر ما قطعت هذه النخلة ولو قتلني الدم‏!‏ فاتفق انه لم يرجع من ذلك السفر‏.‏
الحويزة
كورة بين واسط والبصرة وخوزستان في وسط البطائح في غاية الرداءة‏.‏
كتب وفادار بن خودكام إلى صديق له كتاباً من الحويزة‏:‏ وما أدراك ما الحويزة‏!‏ دار الهوان ومنزل الحرمان‏!‏ ثم ما أدراك ما الحويزة‏!‏ أرضها رغام وسماؤها قتام وسحابها جهام وسمومها سهام ومياهها سمام وطعامها حرام وأهلها لئام وخواصها عوام وعوامها طغام‏!‏ لا يروي ريعها ولا يرجى نفعها ولا يمري ضرعها ولا يرعى زرعها ولقد صدق الله قوله فيها‏:‏ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات‏!‏ وأنا منها بين هواء وبيء وماء رديء وشباب غمر وشيخ غوي يتخذون الغمر أدباً والزور إلى أرزاقهم سبباً يأكلون الدنيا سلباً إذا سقى الله أرضاً صوب غاديةٍ فلا سقاها سوى النّيران تضطرم ينسب إليها أبو العباس أحمد بن محمد الحويزي وكان من أعاجيب الزمان في الجمع بين الأمور المتضادة‏:‏ كان ذا فضل وتمييز وجور وظلم مع إظهار الزهد والتقشف والتسبيح الدائم والصلاة الكثيرة‏.‏
وإذا عزل اشتغل بمطالعة الكتب ويظهر انه أراد العزل وكره العمل وخدمة الظلمة فقال أبو الحكم الأندلسي‏:‏ رأيت الحويزيّ يهوى الخمول ويلزم زاوية المنزل لعمري لقد صار حلساً له كما كان في الزّمن الأوّل يدافع بالشّعر أوقاته وإن جاع طالع في المجمل‏!‏ وإذا خرج صار أظلم مما كان حتى انه في بعض ولاياته كان نائماً على سطح فصعدوا إليه ووجأوه بالسكين‏.‏
الحيرة مدينة كانت في قديم الزمان بأرض الكوفة على ساحل البحر فإن بحر فارس في قديم الزمان كان ممتداً إلى أرض الكوفة والآن لا أثر للمدينة ولا للبحر ومكان المدينة دجلة‏.‏ينسب إليها النعمان بن امريء القيس صاحب الحيرة من ملوك بني لخم‏.‏
بنى بالحيرة قصراً يقال له الخورنق في ستين سنة قصراً عجيباً ما كان لأحد من الملوك مثله‏.‏
فبينا هو ذات يوم جالس على الخورنق إذ رأى البساتين والنخل والأشجار والأنهار مما يلي المغرب والفرات مما يلي المشرق والخورنق مكانه فأعجبه ذلك وقال لوزيره‏:‏ أرأيت مثل هذا المنظر وحسنه فقال‏:‏ ما رأيت أيها الملك لا نظير له لو كان دائماً‏!‏ فقال له‏:‏ ما الذي يدوم فقال‏:‏ ما عند الله في الآخرة‏!‏ فقال‏:‏ بم ينال ذلك فقال‏:‏ بترك الدنيا وعبادة الله‏!‏ فترك النعمان الملك وليس المسح ورافقه وزيره ولم يعلم خبرهما إلى الآن قال عدي بن زيد‏:‏ وتبيّن ربّ الخورنق إذ أشرف يوماً وللهدى تفكير سرّه ما رأى وكثرة ما يم لك والبحر معرضاً والسّدير فارعوى قلبه وقال‏:‏ فما غب طة حيٍّ إلى الممات يصير ثمّ بعد الفلاح والملك والإ مّة وارتهم هناك القبور‏!‏ ثمّ صاروا كأنّهم ورقٌ جفّ فألوت به الصّبا والدّبور وينسب إليها أبو عثمان إسماعيل الحيري‏.‏
كان من عباد الله الصالحين‏.‏
حكي من كرم أخلاقه ان رجلاً دعاه إلى ضيافته فذهب إليه فلما انتهى إلى باب داره قال‏:‏ ما لي وجه الضيافة‏!‏ فرجع ثم طلبه بعد ذلك مرة أخرى فأجابه فلما انتهى إلى باب داره قال له مثل ذلك ثم دعاه مرة ثالثة وقال له مثل ذلك‏.‏
فعاد الشيخ فقال الداعي‏:‏ اني أردت أن أجربك وجعل يمدحه فقال الشيخ‏:‏ لا تمدحني على خلق يوجد في الكلاب إذا دعي الكلب أجاب وإن زجر انزجر‏!‏ توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين‏.‏
حيزان بليدة ذات بساتين كثيرة ومياه غزيرة من بلاد ديار بكر بقرب إسعرت‏.‏
بها الشاهبلوط وليس الشاهبلوط في شيء من بلاد الجزيرة والشام والعراق إلا بها‏.‏
والبندق أيضاً بها كثير‏.‏
خاوران
ناحية ذات قرى بخراسان‏.‏
بها خيرات كثيرة وينسب إليها الوزير أبو علي شاذان كان وزيراً لملوك بني سامان وبقي في الوزارة مدة طويلة حتى يوزر الآباء والأبناء منهم ولطول مدة وزارته قيل فيه‏:‏ وقالوا العزل للعمّال حيضٌ نجاه الله من حيضٍ بغيض فإن يك هكذا فأبو عليٍّ من اللاّتي يئسن من المحيض وينسب إليها أسعد الميهني‏.‏
كان عالماً فاضلاً مشهوراً بالعلم والعمل مدرساً للمدرسة النظامية ببغداد‏.‏
وينسب إليها الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير‏.‏
وهو الذي وضع طريقة التصوف وبنى الخانقاه ورتب السفرة في اليوم مرتين وآداب الصوفية كلها منسوبة إليه وكذا الانقطاع عن الدنيا‏.‏
ذكر في مقاماته انه قال‏:‏ ان الله تعالى وكل بي أسود على عاتقه عصاً كلما فترت عن الذكر تعرض لي وقال لي‏:‏ قل الله‏!‏ وحكي انه كان لأبي سعيد رفيق أول أمره في طلب العلم فلما كان آخره قال له ذلك الرفيق‏:‏ بم وصلت فقال له أبو سعيد‏:‏ أتذكر وقتاً كنا نقرأ التفسير على أستاذنا فلان قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ فلما انتهينا إلى قوله‏:‏ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون‏.‏
عملت بهذه الآية‏!‏ وحكي انه كان في خدمته رجلان‏:‏ كان لأحدهما مئزران والآخر لا مئزر على رأسه فوقع في قلبه ان صاحب المئزرين يؤثر أحدهما له ثم منعه عن ذلك مانع حتى كان ذلك ثلاث مرات فقال للشيخ‏:‏ الخاطر الذي يخطر لنا من الله أو من أنفسنا فقال‏:‏ ان كان لخير فمن الله ولا يخاطب في مئزر أكثر من ثلاث مرات‏.‏
ومشايخ الصوفية كلهم تلامذة أبي سعيد وآدابهم مأخوذة من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏وينب إليها الأنوري الشاعر شعره في غاية الحسن ألطف من الماء شعره بالعجمية كشعر أبي العتاهية بالعربية‏.‏
خراسان
بلاد مشهورة‏.‏ شرقيها ما وراء النهر وغربيها قهستان‏.‏
قصبتها مرو وهراة وبلخ ونيسابور‏.‏
وهي من أحسن أرض الله وأعمرها وأكثرها خيراً وأهلها أحسن الناس صورة وأكملهم عقلاً وأقومهم طبعاً وأكثرهم رغبة في الدين والعلم‏.‏
أخبرني بعض فقهاء خراسان أن بها موضعاً يقال له سفان به غار من دخله برأ من مرضه أي مرض كان‏.‏
وبها جبل كلستان‏.‏
حدثني بعض فقهاء خراسان أن في هذا الجبل كهفاً شبه ايوان وفيه شبه دهليز يمشي فيه الإنسان منحنياً مسافة ثم يظهر الضوء في آخره ويتبين محوط شبه حظيرة فيها عين ينبع الماء منها وينعقد حجراً على شبه القضبان‏.‏
وفي هذه الحظيرة ثقبة يخرج منها ريح شديدة لا يمكن دخولها من شدة الريح‏.‏
بها نهر الرزيق بمرو عليه سقي بساتينهم وزروعهم وعليه طواحينهم‏.‏
وانه نهر مبارك تبرك به المسلمون في الوقعة العظيمة التي كانت بين المسلمين والفرس‏.‏
قتل فيه يزدجرد بن شهريار آخر الأكاسرة في زمن عمر بن الخطاب‏.‏
وذاك أن المسلمين كشفوا الفرس كشفاً قبيحاً فمنعهم النهر عن الهرب ودخل كسرى طاحونة تدور على الرزيق لما فاته الهرب وكان عليه سلب نفيس طمع الطحان في سلبه فقتله وأخذ سلبه‏.‏
بها عين فراوور وفراوور اسم موضع بخراسان‏.‏
حدثني بعض فقهاء خراسان قال‏:‏ من المشهور عندنا أن من اغتسل بماء العين التي بفراوور أو غاص فيه يزول عنه حمى الربع‏.‏
وينسب إليها أبو عبد الرحمن حاتم بن يوسف الأصم من أكابر مشايخ خراسان وكان تلميذ شقيق البلخي لم يكن أصم لكن تصامم فسمي بذلك وسببه أن امرأة حضرت عنده تسأله مسألة فسبقت منها ريح فقال لها‏:‏ إني ثقيل السمع ما أسمع كلامك فارفعي صوتك‏!‏ وإنما قال ذلك لئلا تخجل المرأة ففرحت المرأة بذلك‏.‏
حكى عن نفسه انه كان في بعض الغزوات فغلبه رجل تركي وأضجعه يريد ذبحه‏.‏
قال‏:‏ ولم يشتغل قلبي به بل انتظر ماذا حكى الله تعالى قال‏:‏ فبينا هو يطلب السكين من جفنه إذ أصابه سهم عرب قتله وقمت أنا‏.‏
توفي سنة سبع وثلاثين ومائتين‏.‏
وينسب إليها الشيخ حبيب العجمي وكان من الابدال ظاهر الكرامات‏.‏
حكي ان حسناً البصري دخل عليه وقت صلاة المغرب فدخل مسجداً ليصلي فيه وكان حبيب العجمي يصلي فيه فكره أن يصلي خلفه لكونه عجمياً يقع في قراءته لحن فما صلى خلفه‏.‏
فرأى في نومه‏:‏ لو صليت خلفه لغفرنا ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏!‏ ورئي حبيب في النوم بعد وفاته فقيل له‏:‏ ما فعل الله بك فقال‏:‏ ذهبت العجمة وبقيت النعمة‏.‏
وبها الثعلب الطيار‏.‏
ذكر الأمير أبو المؤيد بن النعمان أن بخراسان شعباً يسمى بحراً ومن ناحية بروان بها صنف من الثعلب له جناحان يطير بهما فإذا ابتدأ بالطيران يطير مقدار غلوة سهم أو أكثر ثم يقع ويطير طيراناً دون الأول ثم يقع ويطير طيراناً دون الثاني‏.‏
وبها فارة المسك‏.‏
وهو حيوان شبيه بالخشف حين تضعه الظبية تقطع منه سرته فيصير مسكاً‏.‏
خرقان مدينة بقرب بسطام بينهما أربعة فراسخ ينسب إليها الشيخ أبو القاسم الخرقاني من المشايخ الكبار المذكور في طبقاتهم‏.‏
له بخرقان قبر ذكروا أن من حضر هناك يغلبه قبض شديد جداً‏.‏
خوار
بلدة من بلاد قهستان بين الري ونيسابور‏.‏
بها قطن كثير يحمل منها إلى سائر البلاد‏.‏
ينسب إليها الجلال الخواري‏.‏
كان واع